يستعرض الكاتب السوري أنس شكشك في كتابه «العقل» الصادر عن دار الحافظ، مفهوم العقل باعتباره قاعدة الانطلاق نحو تحقيق التقدم في مجالات الحياة متطرقاً إلى أنواعه، مراتبه، بنيته، وتصوراته. أنس شكشك أستاذ محاضر بكلية التربية بجامعة حلب، ومن مؤلفاته «فلسفية الحياة وحكمة الوجود»، «التربية صناعة الإنسان»، «الحضارة والحياة».
وقف الباحث في القسم الأول من كتابه أمام أساس المعرفة معتبراً المعرفة الحسية والتفكير والمجرد وحدة تعكس نشاط البشرية العملي، فالتفكير المجرد مستحيل بدون المعرفة الحسية طالما أن المعلومات التي تقدمها الحواس هي المادة الوحيدة لتكوين المفاهيم، وأن فصل المعرفة المنطقية عن المعرفة الحسية غير جائز وأنه يؤدي حتماً إلى تشويه عملية المعرفة وإلى فصل الفكر عن الواقع. وتطرق الكاتب إلى مفهوم العقل الذي اختلف بعض الناس في ماهيته، فهل له حقيقة تدرك أم لا، وهل هو جوهر أم عرض، وهل محله الرأس أم القلب، وهل العقول متفاوتة أم متساوية.
فالبعض رأى أن العقل هو ملكة النفس تكتسب به العلوم والإدراكات وتصبح المعرفة كاملة، والبعض رأى أنه جوهر لطيف تدرك به الغيبيات بالوسائط والمحسوسات خلقه الله في الدماغ وجعل نوره في القلب. وقال قدماء الفلاسفة أن العقل من العالم العلوي وهو مدبر في هذا العالم ومخالط للأبدان ما دامت الأبدان معتدلة في الطبائع، فإذا خرجت عن الاعتدال فارقها العقل.
وعن قوة العقل ذهب المؤلف إلى أنها قوة توجه السلوك وتفسر الوجود وتعلل الظواهر وتستنبط الأحكام والإنسان بالعقل يمتلك قدرة فائقة على التخيل والتعلم ويستطيع أن يتكهن إلى حد بعيد بمجريات الأمور والأحداث وأن يختار بينها وأن يستفيد من خبراته الخيالية ويتجنب العشوائية.
ويرى شكشك بأن العقل قوة النفس التي بها يحصل تصور المعاني، وتأليف القضايا والأقيسة والفرق بينها وبين الحس أن العقل يستطيع تجريد الصورة عن المادة، أما الحس فإنه لا يستطيع ذلك، فالعقل إذن قوة تجريد تنتزع الصورة عن المادة وتدرك المعاني الكلية كالجوهر والعرض والعلة والمعلول، والغاية والوسيلة والخير والشر.. إلخ.
وصنف الباحث العقل إلى ثلاثة أصناف، أولاً العقل العادي وهو العقل العام المشترك وأول مستويات المعرفة اليومية العادية وهو عقل محافظ لا يقبل الثورة بسهولة، ثانياً العقل العلمي التقني وهو يختلف عن الأول بدرجة لا بالنوع مهما تكن النسب المعلوماتية المعقدة التي يتضمنها، ثالثاً العقل الفلسفي وهو تجلٍ يتجاوز المعرفة إلى الكينونة وظاهراتها، من ظاهرة الإنسان إلى ظاهرة الكينونة ذاتها، فهو قادرٌ على إثارة السؤال عن معنى الوجود.
ومن جهة أخرى استعرض المؤلف التصورات العقلية كفكرة تعبر تعبيراً عاماً شاملاً في كلمة مفردة أو في عبارة عن كيانٍ عقلي يقابله مجموعة من الإحساسات والادراكات والخبرات المكتسبة من التجربة والحياة. في سياق آخر تطرق الكاتب إلى البنية الفكرية التي تتكون من مفاهيم وأحكام ونتائج، تتولد المفاهيم عن طريق تنظيم أشياء الواقع، وتتكون الأحكام عن طريق تنظيم المفاهيم وتتكون النتائج عن طريق تنظيم كل الأحكام التي نسميها مقدمات.
وحول الاعتقاد الفكري ذهب الباحث إلى أنه الإقرار بصحة الأحكام والمعلومات والأفكار عن الشيء وهو من طبيعة الحياة، أي أنه ملازم لسلوكنا العملي والنظري ويشكل جانب هام في الحياة العقلية وما يصدر عنها من أحكام لأن معتقداتنا هي نتيجة لتأثر عوامل اجتماعية وعادات وتقاليد وأعراف سائدة في البيئة التي وجدنا فيها والبناء الفكري يتأثر بالآخرين ويؤثر فيهم. وأشار شكشك إلى الاستدلال العقلي المنطقي بأنه يشكل جانباً جوهرياً في العقل الإنساني، ذلك أن استمرار البقاء في العالم يستلزم البحث عن الأسباب والربط بين العلل والمعلولات، والاستدلال لازم للإنسان لا غنى عنه.
إن عمليات الفكر عمليات نفسية وعلم النفس يدرس التفكير الصحيح والتفكير الخاطئ باعتبارها عمليات نفسية شعورية ولا شعورية، والمنطق يسعى إلى إقامة التفكير السليم وكشف التفكير الخاطئ ولكنه علم وضعي تقريري يسجل ما هو كائن في أفكار الأفراد والشعور، بينما المنطق علم معياري يسعى إلى ما ينبغي أن يكون عليه الفكر السليم.
انتقل الكاتب إلى الإدراك الحسي معتبراً إياه عملية معرفية مركزها الدماغ تقوم على استقبال المثيرات الموجودة في العالم الخارجي والبيئة المحيطة بالفرد عن طريق الحواس، ومن هنا فهي عملية استقبال الشيء للحواس ثم استيعابه داخل الدماغ وتحويله إلى معرفة.
ويعتبر شكشك بأن الفهم عملية داخلية تحدث في الدماغ مؤدية في العادة إلى إدراك الشيء المطلوب أو لعدم إدراكه، وينتج عن الإدراك كل مرة سيالة عصبية تمثل الموضوع الذي يجري إدراكه بدءاً من الحواس وانتهاء بالدماغ والخلايا المخية المعينة. وفي هذا الإطار تطرق الباحث إلى وزن الدماغ العادي لدى الشخص ويقدر ب1300غ تقريباً وهو في العموم كذلك لدى جميع الأفراد العبقري منهم والغبي، كما أن التركيبة الحيوية لكل خلية لديهم هي واحدة.
وفيما يخص الذاكرة الإنسانية يرى المؤلف بأنها جزء من العقل تمثل أرشيفا ضخما قادرا على استيعاب كل ما تفتقت عنه الأدمغة البشرية من ابتكارات واختراعات وإبداعات وتقنيات على كافة الأصعدة الحياتية، وتنحصر مهمته فقط في حفظ المعلومات المختزنة لديه بطريقة برمجية مذهلة تفوق كل ما أبدعته البشرية من أجهزة وحاسبات.
سلط الباحث الضوء على الصورة الذهنية كطريقة يعمل بها العقل من الطرق التي يستعيد بها الإنسان الأشياء والتي تفترض أي الصورة النفسية غياب المؤثر أو الأشياء وتتأثر باستعادة الصورة بالزمان والمكان فالصور التي نحفظها من الواقع تتبدل بتبدل عواطفنا واهتماماتنا، إذا أن للصورة حركتها ونموها الخاص في حياتنا النفسية، فقد نضيف إليها من خيالنا ومن مشاعرنا ما يبعدها عن الواقع وتختلف الصورة النفسية عن صورة الآلة التي تنقل الواقع طبق الأصل والتي يمكن وصفها بالسكون، أما الصورة النفسية هي إنشاء ذهن يتصف بالتجدد والتلوين.
وفي السياق نفسه تطرق شكشك إلى الخيال النفسي باعتباره يلعب بالذكريات دوراً هاماً كما يؤثر في التفكير والعمليات العقلية كقوة نفسية مساهمة بنتائج الأحكام وحل المشكلات، وقد يستعيد الإنسان صفحة من صفحات حياته الماضية إلا أن الخيال قد يتوجه نحو المستقبل أكثر من توجهه للماضي فيشارك في صناعة القرارات العقلية فكل منا يتخيل المستقبل الذي ينتظره والغد الذي يعمل لأجله.
الخيال كقوة نفسية يستمد عناصره من الواقع، ويكونه على شكل جديد وبالنسبة للماضي يضيف إليه من الرغبات والصور ما يجعله أجمل أو أقبح. وينقلنا الكاتب إلى الذكاء الإنساني ذو القدرات المتنوعة والسيالات العصبية الحيوية الوميضية التي تتكون في خلية أو مجموعة منها أو أكثر تنتقل بسرعة أجزاء الثانية إلى أعضاء الجسم المختلفة، فالذكاء هو القوة الفاعلة للتعلم والنجاح في تحقيق الآمال والرغبات الفردية والاجتماعية.
والذكاء بمعناه الدقيق هو عبارة عن جملة الوظائف الفكرية الضرورية لإدراك المفاهيم والقدرة على التحليل وهو يتميز بذلك عن الإحساس والحدس وله أشكال متعددة (الذكاء العقلي، الذكاء الحسي الحركي، الذكاء العملي، الذكاء العاطفي..). وفي دراسته للعقل، يؤكد شكشك بأن العقل هو قوة إنشاء المعتقدات والمعرفة وعلى صعيد العقل يلتقي البشر بأنه العنصر الأساسي في كل العمليات النفسية غير الآلية، سواء كانت عمليات معرفية أم سلوكية.
ناهد رضوان
*الكتاب:العقل
*الناشر:دار الحافظ ـ حلب 2007
*الصفحات: 181 صفحة من القطع المتوسط