من الذي يملك «الحق التاريخي» في فلسطين؟ الفلسطينيون العرب، أم اليهود الصهاينة؟ قد يبدو السؤال بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه السؤال الأساسي والجوهري في مسألة صراع العرب ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين. ويحاول جورجي كنعان مؤلف كتاب «خطيئة الفلسطينيين» الإجابة عن السؤال المطروح.
وهو مفكر وباحث لبناني، يؤمن بأن قضية فلسطين من أنبل القضايا التي عرفها التاريخ وأخطرها، له العديد من الأبحاث والكتب منها: وثيقة الصهيونية في العهد القديم، أمجاد إسرائيل في أراضي فلسطين، سقوط الإمبراطورية الإسرائيلية، العنصرية اليهودية، الأصولية المسيحية في نصف الكرة الغربي، برابرة التاريخ، برابرة العصر، المسيح القادم. ويعمل المؤلف مع مجموعة من المفكرين على تأسيس جمعية تراث فلسطين ، لأن ضياع التراث يشكل هزيمة منكرة لا يسجلها التاريخ.
وكحالة أي مستعمر في التاريخ القديم والمعاصر، فهو يحتاج إلى تبرير للاستيلاء على أراضي الغير، تارة باسم نقل الحضارة، وأخرى باسم الحرية والديمقراطية كما هو في العراق الآن. ولذلك عمل الصهاينة عبر القرن الماضي كله وبكل إمكانياتهم، وبالتلقين المستمر، لإثبات حقهم التاريخي والديني في فلسطين، حتى يكتسب وجودهم في فلسطين الشرعية الحقوقية والتاريخية والتي يعتبرها الصهاينة أكثر تأثيراً وأجدى قانونياً من أيه عملية عسكرية تستند إلى القوة فقط، كما يقول وايزمن «حقنا التاريخي، لا حق القوة».
وكسب الصهاينة الجولة الأولى بتقديم الاستعمار البريطاني فلسطين كهدية للصهاينة الذين توافقت مصالحهم مع المجموعة الامبريالية الغربية المسيطرة عالمياً. وكذلك اعتراف مجلس الأمن بالدولة الصهيونية استناداً إلى «حقهم التاريخي» المزعوم. والإجابة الصحيحة والدقيقة عن السؤال المطروح هي التي تحدد من هو صاحب الأرض ومن هو المستعمر في عصر ما بعد الاستعمار. وإزاء ذلك ينقسم العالم إلى قسمين:
الأول: وهو الغرب (أوروبا وأميركا) الذي يرى بأن اليهود هم «أصحاب الحق التاريخي» في فلسطين لعلاقتهم التاريخية في هذه الأرض وتأسيسهم لممالك قديمة فيها، واكتسب هذه المقولات صفة القداسة الكلية بحكم ربط الحق التاريخي بالحق الديني وعلاقته بالأرض المقدسة.
وبالتالي فإن قضية فلسطين في الذهنية الغربية ليست قضية صراع شعب فلسطين لاسترداد أرضه وحقوقه، من الصهاينة الغزاة. إنما هي قضية صراع بين دول ذات سيادة قومية. بين إسرائيل كدولة قومية ذات سيادة ومجموعة من الدول العربية التي تريد القضاء عليها. الثاني: وهم العرب، وبشكل خاص الفلسطينيون العرب، الذين يعتبرون أن السؤال بديهي ولا يحتاج للكثير من الجهد والمعرفة للإجابة عنها. فهم بالوراثة وعبر الأجيال يعرفون بأنهم سكان هذه الأرض منذ آلاف السنين، وهم أصحاب الحق التاريخي بها. وكأن ذلك يكفيهم!.
ونتيجة الفهم السطحي للعرب لمسألة الصراع مع الصهيونية، فإنهم لا يقدرون من جهة أولى، أهمية أن تكون الذهنية التي تحكم أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية تدعم الحق الصهيوني وليس الحق الفلسطيني، وأنهم ـ من جهة ثانية ـ لا يلاحظون في هذا العصر الرديء نشوء ضرورة للتدليل على أن أرض فلسطين هي للفلسطينيين العرب، وليس لبني إسرائيل. وهذا لا يأتي بالخطابة والجمل الإنشائية. بل لا بد من التدقيق والبحث والمعرفة بتاريخنا الحقيقي. وهذا يشكل ضرورة ملحة، وضرورة قومية. ويدعو المؤلف العرب إلى قراءة التاريخ، ووعي هذا التاريخ، وليس الركون إلى أخبار التاريخ فقط.
والمطلوب ليس إثبات أن الأرض للفلسطينيين فقط، بل في إيصال هذه الحقيقة إلى العالم كله،وعلى الأخص العالم الغربي، الذي ما زال يحكم العالم كله في عصر العولمة الجديدة والتطور المذهل لوسائل الاتصالات حيث يكتسب الرأي العام أهمية كبيرة في تغيير ميزان القوى العالمي لصالح الفلسطينيين. ويعمل المؤلف على تفحص وتدقيق المصدر الوحيد الذي يستند إليه الصهاينة في ادعائهم لحقوقهم في فلسطين، وهو التوراة والتفاسير المرافقة لها والتي كتبها كهنة بني إسرائيل خلال السبي البابلي في القرن السادس ق.م ويقتصر بحثه على الحق التاريخي فقط، مؤجلا البحث في الحق الديني إلى وقت لاحق.
ويتناول التوراة على مستويات عدة: المستوى السردي التاريخي: كما أورده محرر التوراة بدءاً من أنساب بني نوح في الفصول العشرة الأولى إلى أن يصل إلى تارخ وهو الحفيد الثامن في سلسلة أحفاد سام بن نوح، الذي كان يعيش في أور «مدينة الكلدانيين في القران الثالث عشر ق.م، ورحيله مع عائلته وابنه (إبرام) إلى أرض الكنعانيين «الجنوب السوري»، فاستقبله ملك (جرار) (مدينة فلسطينية) وأعطاه غنماً وأرضاً ليسكن فيها.
ونتيجة لهذا التصرف النبيل «قام إبراهيم وسجد لشعب الأرض» أي للشعب الفلسطيني. ثم رحيل حفيده يعقوب وبنوه وجميعهم سبعون نفساً إلى مصر، وتغربهم في مصر لمدة 430 عاماً وعودتهم مع موسى الذي وعدهم بأرض تفيض لبناً وعسلاً وهي أرض فلسطين بدلاً من حالة الذل والعبودية التي كانوا يعيشونها في مصر.
وعند وصولهم إلى مشارف فلسطين، لم يجدوها خالية من السكان بل كانت «حقاً تفيض لبناً وعسلاً» وكانت «مدنها حصينة وعظيمة». يسكنها العمالقة والحثيون واليبوسيون والأموريون والكنعانيون». وقد رأينا هناك الجبابرة، فكنا في أعينهم كالجراد» كما أخبر الجواسيس موسى الذي أرسلهم لاستطلاع الأرض الجديدة.
ويبحث المؤلف بالتفصيل تاريخ الإسرائيليين حتى أصبحوا تابعين للملكة الآرامية في دمشق حوالي 875 ق.م ويدفعون لها الجزية. وصولاً إلى سبي بني إسرائيل إلى آشور، حوالي 721 ق.م. ثم صعود نبوخذ نصر ملك بابل إلى أورشليم وسبى الذين بقوا من اليهود إلى بابل حوالي 586 ق.م. وبذلك كان عمر العبور الإسرائيلي إلى فلسطين 210 سنوات. بين 931 و721 ق.م. أما قبيلة يهوذا فقد امتد عمر عبورها في الأرض الفلسطينية إلى 345 سنة. بين 931 و586 ق.م.
حيث يدعو المؤلف إلى قراءة التوراة وتفاسيرها بذهنية يقظة. ويتوقف عند بعض الأمور والاستنتاجات المهمة: فالتوراة ذاتها تسرد كيف تسلل بنو إسرائيل «وهم رعاة متغربون» إلى أرض فلسطين ونصبوا فيها خيامهم على بعض التلال، ولم يكن لهم أرض محددة وبالتالي لا ملك ولا مملكة. وكان قضاتهم وملوكهم يقيمون في المدن الكنعانية، أو يتنقلون فيما بينهم تبعاً لظروف العيش وظروف الصراع فيما بين بعضهم البعض. وخلال فترة تغربهم في أرض فلسطين انضوت قبائل منهم تحت سلطة الكنعانيين والفلسطينيين وتحول قسم منهم إلى مرتزقة. وهذه حقائق لم يبرزها أي من دارسي التوراة، أو المؤرخين الغربيين أو العرب.
وأن الممالك التي أقاموها بالغزوات كما تسردها التوراة أشبه بغارات المرتزقة والصعاليك على القرى الآمنة المطمئنة طمعاً بالمغانم. والتي أسست ممالكهم المزعومة. وهي أشبه بخُزعبلات «أضحوكات» حين تصفها التوراة مثل: دوران الشعب حول المدينة، وحين سماعهم صوت أبواق الكهنة يهتفون هتافاً عظيماً فيسقط سور المدينة في مكانه ويصعد الشعب». وموت ملوك الأموريين الخمسة نتيجة أن «رماهم يهوه بحجارة عظيمة من السماء، فماتوا». وإيقاف الشمس لتأخير الغروب حتى ينتقم الشعب من أعدائه.... الخ.
ويدعم المؤلف استنتاجه: عدم وجود أية ممالك إسرائيلية قديمة في فلسطين بأن: كل المكتشفات الأثرية في مصر وبلاد الشام لا تشير إلى أيه آثار لأيه مملكة إسرائيلية أو يهودية. وأن كل المؤرخين القدامى مثل هيرودوت وغيره لم يذكروا أي شيء عن هذه الممالك. وأن العديد من الدارسات التاريخية التوراتية تفند مزاعم الصهاينة مثل «كيت ويتلام» الذي يقول: «بأن كل ما تقدمه الدراسات التوراتية هو تاريخ متخيل للقوة العظمى إسرائيل». وأن «إسرائيل القديمة والتاريخ المركب لها مبني على فهم خاطئ للتوراة، وبعيد عن الحقيقة التاريخية» كما يقول المؤرخ فيليب ديفز.
بعد حرب 1973 بدأ الصهاينة التحرر من الوهم ببناء دولة إسرائيلية من الفرات إلى النيل. وللتخلص من كابوس التهديد الدائم من قبل أصحاب الأرض الفلسطينيين، بدأ الصهاينة يعملون على استراتيجيه جديدة تقوم على ضرورة تحولهم من أداة بيد الدول الاستعمارية الغربية، إلى شريك لها في نهب ثروات المنطقة العربية والسيطرة عليها، وأنه من الممكن السيطرة على باقي المنطقة بدون احتلال عسكري.
ولذلك بدأت إسرائيل تسعى إلى السلام واعتراف العرب بها، كما صرحت غولدا مائير عام 1973: «من دون اعتراف وسلام لن يكون لنا وجود في هذا البلد». ومنذ ذلك الوقت بدأت إسرائيل تسعى لتنفيذ استراتيجيتها الجديدة القائمة على التفوق الاقتصادي والتكنولوجي مدعوماً بالتفوق العسكري، من أجل انخراط الدولة الصهيونية في اقتصاديات المنطقة عبر إقامة سوق شرق أوسطية مشتركة وتعاون إقليمي يعتمد على الخبرة والتكنولوجيا الصهيونية، والأموال العربية والثروات الطبيعية العربية وتحويل العرب إلى مجرد أيدي عاملة ومستهلكين للإنتاج الصهيوني.
وهذا يخرج الصهيونية من «الغيتو المسيج» ، ويريحهم من أسلحتهم ليلاً ونهاراً. ولذلك عبر العديد من الصهاينة بان «السلام انجاز تاريخي» (إيغال ألون 1979) وأن «السلام يعني تحقيق الصهيونية».
مروان عبد الرزاق
*الكتاب: خطيئة الفلسطينيين
*الناشر: دار الطليعة ـ بيروت 2007
*الصفحات: 239 صفحة من القطع المتوسط