الدكتور عبد الفتاح الديدي أستاذ جامعي مصري، باحث وناقد أدبي، له العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في الصحف والدوريات العربية، من كتبه :« النفسانية المنطقية عند جون استيورات »« الاتجاهات المعاصرة في الفلسفة » أدبنا والاتجاهات العالمية « لزوميات المقال ».
و في كتابه الجديد « الخيال الحركي في الأدب النقدي» يرصد الباحث فكرة الخيال التي تنفذ إلى أعماق النفس البشرية كيما تفسر مقومات العمل الأدبي كما هي مطبوعة في نفسية المبدع، والإعلان عن قيمة الخلق الفني بطريقة من الطرق الخاصة التي انفردت بها مدرسة ما وتحدد بها اتجاهها. كذلك يعين التفسير التحليلي للخيال الفني المبدع على تقييد الأديب بطريقة معينة عن الأزمات التي تمر به والأهواء التي تنتابه فالفنان محصور في هذا النطاق الضيق الذي يهيئه خياله ـ بآفاق ومدارك خاصة. ويجد الباحث أن الخيال يبرز لنا ملامح التصور الذهني في العقلية المبدعة، وما يرينا تلك الصلة التي تربط بين خيال الفنان وبين عناصر الطبيعة الخارجية من ناحية التكوين والملاحظة والالتفات.
يتألف الكتاب من مقدمة وعدة عناوين فعن نظرية الخيال اللعوب يقصد الباحث بهذه النظرية ،بأن التعبير الأدبي يرتكن أساساً على الخيال اللعوب ويتعارض وضعه مع كل حقائق الأعمال التي لا صلة لها بالأدب البحت. وصار تمييز الخيال اللعوب ضرورياً من أجل توضيح مهمته كعنصر جوهري يفصل التعبير الأدبي عن سواه من ألوان التعبير الأخرى. والخيال اللعوب هو الوسيلة الأولى لخلق كل مكونات الدنيا التي يحمل إليها الفنان من أبعاد نتاج قلبه وعقله ووجدانه. وليس هذا الخيال بالطاقة البسيطة.
إنه أعمق من أبعاد العقل والفهم في دنيا الفكر والروح. وهو أشد دقة ونعومة من كل طاقات الإبداع الفني في ملكات الإنسان. بل الخيال اللعوب هو الذي يسجل ويبحث ويدرس ويدرك ما في الحقائق الخارجية من قيم ونماذج وهو الذي يستبقي ما يتبدل من ألوان المعارف لدى الناس وهو الذي يغزو كل الآفاق والأجواء التي لا تجرؤ ملكة أخرى على المغامرة فيها.
وعن «نظرية شوبنهور في الفنون » يتحدث الباحث عن هذه النظرية وهي بحسب ما يراه شوبنهور، فإن حقائق العالم تنقسم إلى نوعين : نوع ظاهر ونوع باطن. فهناك عالم ظاهري ندركه بالحواس والأفكار، وهناك عالم باطن لا سبيل إلى إدراكه أو التوصل إليه.
والحقيقة الباطنة أو الشيء في ذاته لا يقع في حدود التجربة البشرية، وإنما هو بعيد عن النطاق الذي يؤثر فيه كل من الزمان والمكان. وقد تناول شوبنهور عالم الباطن أو الشيء في ذاته وأعطاه معنى جديداً واحتفظ له بصفات كثيرة من تلك الصفات التي كان قد أسبغها عليه كانت... سماه الإرادة وقال إن هذه الإرادة لا زمان ولا مكان لها.
وإنها تختفي وراء كل مظهر من مظاهر الحياة في العالم الدنيوي، وهي واحدة على الرغم من التعدد البادي في الأمور المرئية الجزئية. وهي كلية عامة بحيث تشمل الوجود بأكمله وتتمثل في تطورات الطبيعة بأسرها. وكونها إرادة فذلك معناه الشقاء، فكل إرادة هي مصدر للشقاء وسبب من أسباب التعاسة وداع من دواعي الهم. ولذلك فهذه الإرادة التي تعم الوجود شريرة..و هي أصل في كل ضروب المعاناة والألم في حدود حياتنا الأرضية.
فالإرادة معناها الرغبة والاشتهاء ،ولا وجود للرغبة أو الاشتهاء بغير مطلب التحقيق.و هنا تصطدم الإرادة ببعد المسافة بينها وبين الأمل.و يرى شوبنهور بأن الخلاص هو بالفن، ومهمة الفن على هذا الوجه هي التحرر من عبودية الرغبة وقيود الإرادة عن طريق التأمل الجمالي. وسواء كان التأمل الجمالي متعلقاً بعمل من أعمال الفن أو بمشهد من مشاهد الطبيعة، فإنه يكفي أن يشير موضوع التأمل إلى دلالة، أو معنى متميز من الأشكال الطبيعية، حتى يثير الاحساس بالجمال وحتى يؤدي إلى تمام الشعور بما هو جميل.
فالجمال عنده ـ على هذا الأساس ـ هو الشكل الدال أو هو المثال المقدم إلى الإدراك الحسي في حدود الواقع. ولذلك استطاع شوبنهور تعريف العمل الأدبي بأنه تعبير الفنان عن مدى فهمه وإدراكه للمثال ( بالمعنى الخاص بفلسفة شوبنهور ). وإذا كان هذا اعتقاد شوبنهور في الفنون فسيترتب على ذلك قوله بأن العبقرية ليست موحدة الإتجاه. أي أن عملها ليس مقصوراً على استيعاب المثل، وإنما يتطلب بالإضافة إلى ذلك مقدرة على إعادة إنتاج هذا المثل أو إعادة التعبير عنه في كافة أشكال الفنون عموماً.
وعن المعنى الأدبي « يرى الباحث أن الفكر يعتمد على الألفاظ، لا كوحدات منفصلة، وإنما كوحدات مجتمعة في عبارة أو جمله كاملة. والمعنى جزء من الفكر، ولكنه مستقل عنه طالما كان من السهل تكوينه عن طريق الألفاظ المفردة وأداؤه على نحو أكمل بالتغبير والتبديل في الوضع اللغوي. والكلمة من حيث هي تعني شيئاً بالذات إلا أنها تؤدي وظيفة أخرى وتعمل على تهيئة العقل وإعداد الجو من أجل قبول معنى آخر. وبناء على ذلك يتم التفريق بين المعنى الأدبي والمعنى اللغوي ،لأن المعنى الأدبي يستقي من كلمة مفردة كما يستقي من جملة أو عبارة.
في المعنى اللغوي يشد المعاني إلى الكلمات والحروف، وتستبعد كل رمزية عن الفكر، وتغيب كل حيوية ويضيع الفن الجمالي. وفي المعنى اللغوي أيضاً، يكون النحو هو صاحب المكانة الأولى، ومن ثم تفقد الكلمة كل قيمة يمكن أن تعزى إليها في باب الأدب البحت. أما في المعنى الأدبي فالكلمة الواحدة تحتفظ لنفسها بكيانها إلى آخر درجة.
ويستشهد الباحث بمثل من مسرحية « هاملت » لشكسبير، حينما سأل بولونيوس. ماذا تقرأ يا سيدي ؟ فأجابه هاملت : كلام..كلام.. كلام.. فهذه لفظة مكررة لا يتدخل النحو فيها بحال من الأحوال. ومع ذلك فالمعنى الأدبي فيها واضح إلى حد بعيد. فهنا يعبر هاملت عن روحه الساخرة، وعن رغبته في تسخيف السؤال الذي صدر عن الشيخ بولونيوس والتظاهر أمامه بالجنون.
وعن « الأسطورة في الأدب » يرجع الباحث أهمية في الحياة الأدبية إلى أنها عنوان الفكر والروح في أمة من الأمم، وأنها نموذج العقل الإنساني عندما يتمثل في كلمات وخيالات. وليس ذلك بالشيء القليل خصوصاً إذا عرفنا أن الأمم لا تقاس بأعمالها وأفعالها، من الناحية الحضارية الخالصة، بقدر ما توزن بأحلام الشبيبة فيها وأماني الرجال من أبنائها. ولهذا كانت الأسطورة النابعة من روح الأمة عنصراً تاريخياً أقوى من السجلات والوثائق.
وبذلك يحكم الباحث على الأسطورة في الأدب بأنها النوع الوحيد الذي تتحقق فيه الحركة الكاملة بالنسبة إلى الكاتب المبدع. وكثيراً ما يجد الكاتب فيها مجالاً لعكس عواطفه وبث أحاسيسه وتوصيل آرائه. وفيها المنجى من كل الصعوبات التي يواجهها الأديب الذي يريد أن يخاطب المجتمع بصراحة. ويعجز الحكام إزاء هذا العمل الأدبي عن التدخل بأي شكل من الأشكال. وعن «الأدب : مبناه ومعناه » ينقد الباحث بعض الوضعيين الذين يعتقدون في نظريتهم في أن الكل هو مجموع الصفات المنسوبة إلى الأجزاء فينكرون بذلك ما يمكن تسميته بروح العمل الأدبي.
وهو يؤمن إيماناً راسخاً بأن الصفات والخصائص المنسوبة إلى الكل المجتمع لا تكون هي صفات وخصائص الأجزاء. فمن ناحية طبيعة العمل الأدبي يجد الباحث بأننا مضطرين إلى أخذه كلياً بحيث تذوب ذراته أولاً بأول وبحيث يعمل العقل والحس على أن يقدمها بعملية جمع أو ضم ينشأ عنها تذوق نهائي موحد، لأن الغرض الأخير من العمل الأدبي هو التأثير الشعوري وإيجاد حالات معينة وفي مجال الشعور نجد أنفسنا في نطاق التجريد المباشر وفي حوزة الانطلاق الخارج على كل وزن وقيد.
وأخيراً يرى الباحث أن للكتابة الأدبية سبيلين : سبيل الكاتب الذي يجعل من كتابته شيئاً في حد ذاته وطريق الكاتب الذي يجعل من كتابته معبراً إلى ما وراءها. أما الكتابة في حد ذاتها أو الكتابة الخالصة فهي من الأشياء التي تفرغ لها صاحب الصناعة اللفظية الخالصة وقلما يستحوذ على عقل القارئ. أما الكتابة التي تريد التأثير والتي ترمي إلى ترك المفعول والتي تكون وسيلة للمشاعر الجياشة والأحاسيس الموغلة في قلب الأديب فهي التي لا يمكن أن تكون إلا ذات حدين : حد المبنى وحد المعنى.
د. وانيس باندك
*الكتاب:الخيال الحركي في الأدب النقدي
*الناشر:الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 2006
*الصفحات:201 صفحة من القطع الكبير