اغاتا غودار، مؤلفة هذا الكتاب، هي صحافية تحقيقات في مجلة «باري ماتش» الشهيرة، وتتولى فيها مسؤولية «ماتش الحياة الباريسية» وقد تعرّفت من خلال هذا الموقع على نجوم المجتمع ومشاهيره. سبق لها وقدّمت عدة كتب من بينها «المال يصنع السعادة» و«عمليات قتل في الأوساط الراقية».
في هذا الكتاب «السندريلات الجديدات» تروي المؤلفة مسيرة «الأقدار الاستثنائية» التي عرفتها سبع نساء وصلن إلى قمة الهرم الاجتماعي وحملن لقب أميرات وهن مازاكو «أميرة الأقحوان» ورانيا زوجة الملك الأردني عبدالله «أميرة الفقراء» وميث ماريت «أميرة الثلوج» في النرويج وفاسيما «أميرة السهول الخضراء» في هولندا وكلوتيلد أميرة منطقة السافوا وماري «أميرة نصف الأرض الآخر» في الدنمارك وأخيرا ليتيسيا «أميرة الشعب» في اسبانيا. سبعة أقدار وسبع مسيرات استثنائية وراء كل منهن قصة «استثنائية» هي الأخرى.
الحكاية الأولى تخص «مازاكو» اليابانية. وتبدأها المؤلفة بالإشارة إلى ما كان يردده باستمرار «ناروهيتو» ولي عهد اليابان، ومفاد قوله: «أريد أن أتزوج بعد قصة حب». تلك كانت هي أمنية وريث الإمبراطور «جيمو تينو» الذي يعود عرشه إلى عام 660 قبل العصر الميلادي. وفي شهر أكتوبر عام 1986، أثناء حفل استقبال نظّمه القصر الياباني على شرف الأسرة المالكة الإسبانية التقى الأمير الشاب ناروهيتو بـ «مازاكو اوادا» اليابانية التي «عرف من أول نظرة أنها امرأة حياته».
إنها ابنة دبلوماسي ياباني عمل في فرنسا وروسيا وانجلترا وأميركا. وهي تتحدث الفرنسية والألمانية والانجليزية والروسية والاسبانية. ودرست في جامعتي اكسفورد وهارفارد حيث دافعت عن أطروحة دكتوراه تحت عنوان: «تأثير التبدلات في المجتمع الدولي على الصادرات اليابانية بعد الأزمة البترولية» ونالت عنها درجة الدكتوراه بتقدير «جيد جدا». كان حلمها هو أن تصبح دبلوماسية مثل والدها وأن تمثل بلادها لدى بلدان أخرى.
غداة حفل الاستقبال أمطرها الأمير بـ «رسائله الملتهبة وبباقات الورود». لكن حلمها كان هو أن تصبح سفيرة. ولم يكن العيش «خلف الأبواب» وحتى كانت أبواب القصر الإمبراطوري. إنها لم تكن تطيق العيش «دون رؤية أهلها وأصدقائها سوى في المناسبات الرسمية وحيث سيكون عليهم الانحناء أمامها ومناداتها بصاحبة الجلالة». ولم تكن تطيق أيضا أن تقتصر حياتها اليومية على «الاستماع للعشر وهي صامتة، وأن تطلب اذنا بالخروج قبل 15 يوما من موعده». وإذا حصلت على ذلك «الاذن»، بصعوبة دائما فستكون برفقة إحداهن حيث «ينبغي عليها عدم الالتفات أبدا إلى الوراء ولا أن تنظر لأحدهم أو لأي شيء وجاهيا».
في عام 1987 هربت «مازاكو» من اليابان بقصد الابتعاد عن «ناروهيتو». لكنه لم يلق أسلحته.. «إنه يريدها وسوف يحصل عليها. وسوف ينتظر الزمن المطلوب». لقد تابع الكتابة لها كل يوم. كانت آنذاك تعمل في واشنطن كمسؤولة عن العلاقات التجارية بين اليابان والولايات المتحدة. وكان عملها يأخذ كل وقتها. وكانت تشارك في جميع المفاوضات، وقد ألحّت في رفضها للطلب الأميركي الخاص بفتح الأسواق اليابانية أمام المنتوجات الأميركية.
كان «ناروهيتو» ينتظر، ولا يفعل سوى التفكير بـ «مازاكو» أو يتصل بها هاتفيا أو يكتب لها الأشعار ولا يكف عن طلب يدها للزواج دون أن يتعب أو يتراجع أمام رفضها المتكرر. وقد حاول القصر الياباني ثنيه عن ذلك. كان حليفه الوحيد في القصر هو أمه، الإمبراطورة ميشيكو والتي كانت المرأة الأولى في ذلك الموقع تصر على تربية أولادها بنفسها ولا تعهد بهم إلى المربيات .. والأولى التي اهتمت ببيوت الأزياء الفرنسية الراقية والأولى التي أرسلت أبناءها للدراسة في الخارج. باختصار كانت الأولى التي عارضت التقاليد وبالطبع الأولى التي دعمت ابنها في مشاريعه «العاطفية».
كلّف ناروهيتو أحد الدبلوماسيين اليابانيين بترتيب لقاء مع مازاكو. وبتاريخ 3 أكتوبر 1992 طلبها من جديد رسميا للزواج. لقد ألحّ في ذلك أثناء ذلك اللقاء واللقاءات اللاحقة. وقد دافع عن «قضيته» مستخدما العديد من الحجج مثل قوله انها ستخدم الأمة كدبلوماسية أو كأحد أفراد الأسرة المالكة. بل إن وزنها كإمبراطورية يعادل أكثر من 11 دبلوماسي.
في اليابان لا يمكن رفض طلب امبراطوري للزواج أكثر من ثلاث مرات. وبعد ست سنوات من الرفض المتكرر تلفظت مازاكو بالجملة التقليدية التي حددت بقية مسار حياتها. قالت: «أقبل وسأحاول أن أكون مفيدة لسموكم». وبتاريخ 30 نوفمبر 2001 أنجبا ابنتهما الأولى. لكن مشكلتها الكبرى هي أنها لم تلد ولدا ذكرا يرث عرش أبيه كما تنص القوانين الخاصة بانتقال السلطة العائدة لعام 1889. الإمبراطور الأب أكيهيتو، والإمبراطورة الأم ميشيكو يقفان إلى جانب «مازاكو» وكذلك الشعب الياباني. لكن أركان الدولة يطالبون بوريث للعرش ومصيرها لا يزال معلقا، مثل سعادتها بـ«خيط».
وفي الفصل المكرّس ب«رانيا ياسين» زوجة الملك الأردني عبد الله تعود مؤلفة الكتاب إلى توصيف حياتها في الكويت حيث وُلدت بتاريخ 31 أغسطس 1970 حيث كان يعمل والدها طبيبا للأطفال والذي تعود أصوله إلى مدينة طولكرم في فلسطين. حصلت رانيا على الشهادة الجامعية ب«إدارة الأعمال» من الجامعة الأميركية بالقاهرة. هاجرت أسرة رانيا من الكويت بعد الاجتياح العراقي لها عام 1991. وقبل أن تبدأ تحضير شهادة الدكتوراه كان عليها أن تقوم بدورة تدريبية.
هكذا دخلت إلى «سيتي بنك» في عمان وكان مديره هو الصهر القادم للملك عبد الله. وقد دعاها للعشاء ذات مساء من شهر يناير 1993. كان الملك الحالي عبد الله آنذاك قائدا لكتيبة دبابات في الصحراء، وقد مرّ صدفة ذلك المساء لرؤية أخته حيث قابل رانيا للمرة الأولى. وكانت «ضربة الصاعقة» بالنسبة له. لكن «رانيا» قابلته بالحذر بسبب شهرته أنه «دون جوان» يرمي شباكه للنساء.
بعد شهرين فقط اتجه الملك حسين مع ابنه عبد الله إلى منزل أسرة رانيا لطلب يدها «حسب التقاليد المتبعة». وبتاريخ 10 يونيو 1993 اجتمع الملك الراحل حسين وأبناؤه جميعهم ـ خمسة أولاد وست بنات ـ في حفل الزواج إلى جانب العديد من كبار المدعوين والمدعوات من مختلف أصقاع العالم والذين بلغ عددهم 2000 مدعو. كانت رانيا هي «ملكة» تلك السهرة وقد أصبحت فيما بعد «ملكة» الأردن.
كان الأمير عبد الله عو الابن الأكبر للملك حسين. وكان مسؤولا في الفترة الأخيرة من حياة أبيه عن أمن المملكة، وقائدا للعمليات الخاصة في الجيش الأردني. بالإضافة إلى قيامه بالتنسيق بين الشرطة والحرس الملكي والأجهزة الخاصة. وكان قد قام بمهمات إدارة الدولة أثناء مرض والده. لكنه كان يحرص بنفس الوقت على تكذيب «الإشاعات» التي كانت تقول انه سيكون الملك القادم، ذلك أن عمّه الأمير حسن، كان هو ولي العهد رسميا آنذاك.
أما رانيا فلم تحلم أبدا عندما كانت فتاة في مقتبل العمر أن تصبح ذات يوم زوجة ملك. فقط كانت تحلم ب«زوج جيد وبأب جيد». وقد جعلت قضية حياتها مكافحة سوء معاملة الأطفال. كانت قد نالت لقب «ملكة» في اليوم التالي لمراسم دفن الملك الأب حسين. لكنها حافظت على بساطتها ما جعلها تحظى بشعبية كبيرة لدى الأردنيين. وتنقل المؤلفة عن العديد من الدبلوماسيين الغربيين العاملين في العاصمة الأردنية تأكيدهم أن «الملكة الشابة قريبة جدا من الناس ومن مشاغلهم اليومية».
وفي المحصلة يتم تقديمها على أنها «تملك جميع الصفات والأوراق الرابحة» بالنسبة للذين يحبونها، أما بنظر أولئك الذين لا يكنّون لها الحب فإنها تبدو «مفرطة في شبابها من أجل شغل مكانة الملكة، ومفرطة في حداثتها ببلد تقليدي. ومفرطة في فلسطينيتها في مجتمع نادرا ما يصل الفلسطينيون فيه إلى مواقع المسؤوليات العليا».
وحكايات أخرى عن «السندريلات الجديدات»، وفي كل مرّة لا يسمع فيها رجال من علية القوم سوى نداء قلبهم. وهكذا تدخل نساء من بنات الشعب إلى القصور الملكية كزوجات. مثل هذا الأمر لم يكن ممكنا قبل فترة من الزمن دون دفع أثمان غالية قد تصل إلى حرمان الرجال المعنيين من عروشهم. العالم يتغير والبشر يتغيرون، هذه هي الرسالة التي توجهها مؤلفة الكتاب عبر سبع حكايات جميلة.
* الكتاب:السندريلات الجديدات
* الناشر:ميشيل لافون ـ باريس 2006
* الصفحات:237 صفحة من القطع المتوسط
Les nouvelles Cendrillons
Agathe Godar
Michel Lafon- Paris- 2006
p.237