مؤلفة هذا الكتاب هي السيدة بيا ماهتيني، وهي عضوة لجنة الإصلاح الاقتصادي في غرفة التجارة الهندية. وقد اشتغلت سابقا كأستاذة جامعية وككاتبة في بعض المجلات الهندية الناطقة بالانجليزية، وبالتالي فنشاطاتها مختلفة ومتنوعة.

وفي هذا الكتاب الجديد تستعرض المؤلفة تاريخ الصعود الهندي والصيني طيلة السنوات الماضية. ومعلوم أن هذين البلدين يقفان على رأس البلدان التي استفادت من العولمة والتي يتوقع لها مستقبل كبير في السنوات القادمة. بل إن البعض يعتقد أن المستقبل لآسيا وللصين والهند على وجه الخصوص لأنهما شهدتا نموا اقتصاديا كبيرا ومتسارعا وربما حلّتا محل الغرب الأوروبي الأميركي في قيادة العالم ولكن ليس قبل عشرين أو ثلاثين سنة. تقول المؤلفة بما معناه:لقد حققت الهند تقدما اقتصاديا هائلا منذ الاستقلال، والآن أصبحت عملاقا ديمغرافيا واقتصاديا يصل عدد سكانها إلى مليار شخص. وبالتالي فقد أصبحت الدولة الثانية في العالم بعد الصين. ويتوقع لها مستقبل باهر على كافة الأصعدة والمستويات. وهي الآن أول مصدّر عالمي لأجهزة الحاسبات الالكترونية والآلات الخاصة بالمعلوماتية.

نعم لقد سيطرت الهند مؤخرا على التكنولوجيا العليا، ويقال بأن مدينة بنغالور وحدها تحتوي على مائة وخمسين ألف مهندس في المعلوماتية وسواها من أنواع التكنولوجيا المتقدمة. وقد وصل نموها الاقتصادي مؤخرا إلى 8 بالمائة، وهو من أعلى المعدلات في العالم بعد الصين. ويصل المدخول الإجمالي للهند حاليا إلى 8000 مليار دولار، وبالتالي فهي ثامن أو تاسع بلد في العالم بعد الولايات المتحدة، واليابان، وألمانيا، وانجلترا، وفرنسا، والصين، وإيطاليا، وروسيا. ولكن سوف تسبق بعض هذه الدول خلال العشر سنوات المقبلة.

وترى المؤلفة أن الهدف الإستراتيجي للحكومة الهندية يكمن في تسريع التطور الاقتصادي للبلاد عن طريق تقليص مساحات الفقر والجوع في البلاد. فلا تزال قطاعات واسعة من السكان تعيش تحت مستوى عتبة الفقر. كما وتهدف الحكومة إلى تطوير الزراعة التي تطعم السكان. والواقع أنها حققت نجاحات كبيرة في هذا المجال مؤخرا. ولكن بإمكانها أن تفعل أكثر فأكثر. فالهند قارة من حيث الاتساع والمساحة وإذا ما عرفت كيف تستغل معظم أراضيها الزراعية فلن يبق فيها شخص واحد جائع أو فقير بشكل مدقع.

والواقع أن الهند التي عانت من الركود الاقتصادي والانحطاط الحضاري على مدار قرن ونصف انطلقت مؤخرا لكي تصنع المعجزات. ومعلوم أنها كانت عام 1700، أي في بداية القرن الثامن عشر في طليعة البلدان الحضارية الكبرى بالإضافة إلى الصين، ولكنها دخلت في عصر الانحطاط بعدئذ، في الوقت الذي نهضت فيه أوروبا وأميركا حتى وصلتا إلى الذروة.

ثم دخلت اليابان إلى حلبة الحضارة والدول الغنية ذات التكنولوجيا العالية في أوائل القرن العشرين. وظلت الهند والصين راكدتين ومتخلفتين جدا. وكم كان يحز في نفس الهنود والصينيين أن اليابان استطاعت أن تقلع حضاريا وتلحق بركب الغرب في حين فشلوا هم. ولهذا السبب فعلت الهند المستحيل في العشر سنوات الماضية لكي تلحق بركب الحضارة وسجلت عدة نقاط هامة كما ذكرنا. وترى المؤلفة أن الطبقة الوسطى الهندية يصل عددها إلى ثلاثمائة وخمسين مليون شخص. وهي طبقة ديناميكية وقادرة على أن تجعل من الهند دولة حديثة من الطراز الأول.

ينبغي العلم بأن الدول الصاعدة الآن هي التالية: الصين، الهند، روسيا، البرازيل، المكسيك، كوريا الجنوبية، إفريقيا الجنوبية. صحيح أنها لم تصل بعد إلى مستوى دول الغرب المتقدمة كالولايات المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وانجلترا، هذا دون أن ننسى اليابان العملاق الاقتصادي الثاني في العالم بعد أميركا. ولكنها لن تلبث أن تلحق بها خلال السنوات المقبلة. وعندئذ سيتغير وجه العالم وسينتقل مركز الثقل من أوروبا وأميركا الشمالية إلى آسيا. فالهند والصين وحدهما تشكلان ثلث سكان العالم. ويتوقع أن تلحق الصين بأمريكا اقتصاديا حوالي عام 2040 ثم تتفوق عليها حوالي منتصف هذا القرن. أما الهند فتجيء بعدها مباشرة، وبالتالي فالمستقبل لآسيا والعرق الأصفر.

وينبغي الاعتراف بأن الصعود الهائل للصين والهند مؤخرا ناتج عن العولمة الرأسمالية. وهذا يعني أن العولمة ليست شرا كلها على عكس ما يزعم الكثيرون. لا ريب في أن المستفيد الأول منها هو الولايات المتحدة وأوروبا الغرب عموما. ولكن دول العالم الثالث التي عرفت كيف تشتغل وتتحرك استفادت منها أيضا. وحدهم الكسالى ظلوا على قارعة الطريق. هذا لا يعني بالطبع أن العولمة هي خير كلها. فالواقع أنها جائرة وظالمة. ولكن من يعرف أن يستفيد منها يصل إلى مبتغاه. بالطبع فإننا نحلم بعولمة أكثر إنسانية وأقل جورا ولكن هذا لن يتحقق إلا بعد نضالات عديدة.

بالطبع فإن الصين بسبب ضخامتها الجغرافية والسكانية هي المرشحة لأن تصبح أعظم قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية في العالم بعد ثلاثين أو أربعين سنة. وعندئذ سوف تحل محل الولايات المتحدة الأميركية التي ستصبح القوة الثانية، ثم تجيء بعدها الهند كقوة ثالثة.

هذه هي تنبؤات الخبراء وقد تصدق تماما أو لا تصدق. ولكن هناك شيء مؤكد على أي حال، هو أن المستقبل للصين وللتجمعات البشرية الكبرى. ويمكن القول بأن حركة التصنيع الواسعة التي قامت بها بعد موت ماو تسي تونغ وانتهاء المرحلة الإيديولوجية والشعارات الصاخبة تشبه ما حصل في أوروبا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية. فبعد أن خرجت هذه الدول مدمرة من الحرب راحت تبني نفسها وتنخرط في حركة تصنيع هائلة لم يسبق لها مثيل من قبل.

والصين تصنع الآن نفس الشيء. فبعد انتهاء الثورة الثقافية والمرحلة الماوية الديماغوجية انخرطت الصين عام 1978 في حركة تحديثية شاملة على أربعة مستويات: صناعية، وعلمية، وزراعية، ودفاعية. لقد راحت تبني المصانع الضخمة لكي تحقق الاكتفاء الذاتي للبلاد. وأصبحت عندئذ أول مصدر للجرارات أو الآلات الزراعية في العالم.

كما انخرطت في بناء الجامعات الحديثة والسيطرة على علوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات والبيولوجيا وسوى ذلك. وهكذا استوعبت كل علم الغرب خلال عقدين من الزمن فقط. ثم انخرطت بعدئذ في تحديث الزراعة لكي تحقق الاكتفاء الغذائي الذاتي للبلاد. وحققت بعض النجاحات في هذا المجال. فقد زادت مساحة الأراضي الزراعية لكي تستوعب كل هذا العدد الهائل من السكان.وأما فيما يخص شؤون الدفاع والجيش فقد استطاعت أن تحقق إنجازات كبيرة أيضا عن طريق تحديث أسلحتها ومناهجها ومصانعها الحربية. لقد عرفت الصين كيف تنفتح على الاقتصاد العالمي وتستفيد منه إلى أقصى حد ممكن.

ثم تردف المؤلفة قائلة: هل نعلم بأن الاقتصاد الصيني يشهد منذ ثلاثة عقود نموا اقتصاديا مطردا يصل إلى عشرة بالمائة؟ وهو من أكبر معدلات النمو الاقتصادي في العالم إن لم يكن أكبرها. نعم لقد انتقمت الصين من الإهانة التي وجهها لها الغرب واليابان في آن معا. واستطاعت أن تلحق بهما أو على الأقل أن تضيق حجم المسافة التي تفصلها عنهما. وكان ذلك خلال ثلاثين سنة فقط. وهكذا انتقلت من مرحلة دولة عالمثالثية متخلفة إلى مرحلة دولة صناعية كبرى تسيطر على أحدث أنواع التكنولوجيا والعلوم والمعارف.

ثم تختتم المؤلفة كلامها قائلة: من المتوقع أن تلحق الهند بالصين حوالي عام 2015 بل أن تسبقها بعد ذلك. وإذا كان العملاقان الآسيويان لا يشكلان الآن إلا ستة بالمئة من المدخول الاقتصادي العالمي فمن المتوقع أن يصل إلى أربعين بالمئة حوالي عام 2050. وعندئذ يصبحان القطب الاقتصادي الأول في العالم. وهكذا يفقد الغرب، وللمرة الأولى في تاريخه، المرتبة الأولى ولا يعود قادرا على السيطرة كما يفعل حاليا. لأول مرة سوف تصبح مقاليد العالم في أيدي القادة الصينيين والهنود وليس في أيدي القادة الأميركان والأوروبيين. وقد أصبح هذا المنظور يقلق قادة الغرب فعلا.

*الكتاب: الهند والصين والعولمة

*الناشر:بالغريف ماكميلان ـ لندن، نيويورك 2007

*الصفحات :256 صفحة من القطع الكبير

India, China and globalisation

Pia Mahtaney

Palgrave MacMillan- London- New york

p.256