قامت بتأليف هذا الكتاب الباحثة كارين ساغنير المختصة بتاريخ الفن والأدب الألماني الحديث. وهي أستاذة في جامعة ميونيخ بألمانيا. وكانت قد حصلت على شهادة الدكتوراه عام 1983 بعد أن ناقشت أطروحة كبيرة عن الفنان الفرنسي الشهير كلود مونيه.

وفي هذا الكتاب الجديد تواصل المؤلفة أبحاثها عنه وتبين للقارئ مدى جمال لوحات هذا الفنان الذي يعتبر أحد الرواد الكبار للمدرسة الانطباعية في الفن التشكيلي. ومنذ البداية تتحدث عن نشأته وحياته والمراحل الكبرى التي مر بها وتقول: لقد ولد كلود مونيه في باريس بتاريخ 14 نوفمبر 1840 ومات في ملكيته الخاصة بقرية جيفرني الواقعة في منطقة النورماندي على نهر السين. وهي منطقة جميلة جدا ،حيث يمتلك بيتا يشبه المتحف بل تحول بعد موته إلى متحف يؤمه الزوار من شتى أنحاء العالم. نقول ذلك وبخاصة أنه ليس ببعيد عن العاصمة باريس. لقد استقرت عائلته في منطقة الهافر بالنورماندي وعمره لا يتجاوز الخامسة. وفي عام 1861 ـ 1862 أجبر على الخدمة العسكرية في الجزائر.

ولكن عمته الغنية والنافذة قبلت لحسن الحظ بأن تخرجه من الجيش بشرط أن يدخل إلى كلية الفنون الجميلة ويدرس الفن التشكيلي. وهكذا حسمت أموره منذ تلك اللحظة. وما كان أحد يعرف أنه سيصبح أحد كبار الفنانين أو الرسامين في عصره وربما في كل العصور. ولكن كلود مونيه لم يحب الأساليب التقليدية لتعليم الفن في الجامعة. فخرج عليها وأسس مع اوغست رينوار المدرسة الانطباعية التي سيكون لها شأن كبير في الفن. بل وستصبح إحدى أهم مدارسه. وقد نتجت عنها لوحات خالدة لا تزال تعرض حتى الآن في أعظم المتاحف العالمية.

حقا إن لوحات رينوار هي متعة للعين أو عيد وبهجة. ويكفي أن تنظر إليها لكي تشعر بالارتياح والفرح حتى ولو كنت مغموما حزينا. فتصوير مناظر الطبيعة على هذا النحو يدخل البهجة إلى الروح. نقول ذلك وبخاصة أن الطبيعة في فرنسا ساحرة غناء. وعلى ضفاف نهر السين راح هذا الفنان العبقري يرسم أجمل اللوحات كما فعل زميله رينوار. بل وقد رسما معا بعض اللوحات المشتركة.

وهذا من أغرب الأمور. فالعادة جرت أن يكون الفنان أو الشاعر شخصا أنانيا متقوقعا على ذاته وكارها للآخرين من أمثاله. وكثيرا ما سمعنا بقصص الحسد والعداءات بين الفنانين والشعراء الكبار. ولكن رينوار ومونيه لم يكونا من هذا النوع على الإطلاق. وهذا أكبر دليل على مدى اتساع فكرهما والكرم الروحي والإنساني الذي كانا يتمتعان به. ثم تقول المؤلفة بما معناه: التقى كلود مونيه في شبابه الأول بفتاة تدعى كاميليا دونسيو. وقد أصبحت النموذج الذي يستوحيه في رسم لوحاته. ومعلوم أن كل فنان بحاجة إلى نموذج أنثوي من أجل الرسم. ولكنه أحبها وتزوجها بعد بضع سنوات وبعد أن ألهمته العديد من اللوحات الجميلة.

وللأسف فإن زوجته لم تعمر طويلا. فقد توفيت عام 1879 وعمرها لا يتجاوز الأربعين. وقد رثاها على طريقته الخاصة: أي برسم لوحة لها وهي على فراش الموت. ويقال بأنه بكاها بكاء مرا. وبعد موتها انتقل إلى قرية جيفرني حيث عاش من عام 1883 وحتى موته عام 1926. لقد ألهمته زوجته كاميليا عدة لوحات شهيرة من بينها لوحة (المتجولون) ولوحة (نساء في الحديقة)، وسواهما. ولكن الأوساط الأكاديمية الرسمية كانت معادية لمونيه وتوجهه في الفن. وكانت تعتبر أنه خرج على القواعد الكلاسيكية لفن الرسم. ولهذا السبب حاربته ومنعته من عرض لوحاته في الصالونات الرسمية.

ويقال بأن عائلته أيضاً لامته على هذا الخروج على قواعد الفن الموروثة أبا عن جد. وطالما حدثت المناقشات والمجادلات العنيفة في البيت حول الموضوع. ولكنهم ما كانوا يعرفون أنه فنان عبقري يريد أن يؤسس مدرسة جديدة لم تعرف من قبل. ثم تطرح المؤلفة هذا السؤال: كيف حصل ذلك؟ كيف ولدت المدرسة الانطباعية في الفن؟

وعليه تجيب قائلة: في عام 1874، أي عندما كان في الرابعة والثلاثين من عمره، اجتمع مونيه مع بعض أصدقائه من الفنانين الآخرين وعرضوا لوحاتهم في قاعة خاصة خارجة على القاعات الرسمية المكرسة عادة لعرض اللوحات الفنية. ومن بين هذه اللوحات كانت لوحته التي اتخذت العنوان التالي: (انطباع: شروق الشمس). وقد اشتقت كلمة الانطباعية منها ثم سادت وذهبت مثلا وتكرست حتى أصبحت أعظم حركة فنية في العصور الحديثة.

وهكذا انتصرت على المدرسة الكلاسيكية التي كانت سائدة سابقا بعد صراع طويل وعنيف. والواقع أنها لم تنتصر تماما إلا بعد سنوات عديدة وبعد أن قدم الفنانون الجدد لوحات خالدة تدعم هذه الحركة الجديدة وتشدّ من أزرها كما يقال. ثم تقول المؤلفة بما معناه: في البداية كان مونيه فقيرا وقد عانى كثيرا من الظروف المادية الصعبة من محاربة السلطات الرسمية له. فالفنان كان قد أصبح مستقلا في عصره ويعيش على بيع لوحاته.

وزمن المحسنين الكبار كان قد انتهى: نقصد الزمن الذي كان فيه الفنان مرتبطا بأحد الأمراء أو الأثرياء الكبار. فالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي طرأت على فرنسا في ذلك العصر أصبحت تمنع الفنان من التبعية الإقطاعية المذلّة لهؤلاء الأشخاص. وبما أن الأوساط الفنية الرسمية كانت تحاربه فإنه لم يكن يجد الجمهور القادر على شراء لوحاته. ولذلك عاش في الفقر لسنوات طويلة.

ولكن في نهاية الثمانينات من القرن التاسع عشر وبداية التسعينات ابتدأ الجمهور يهتم به أكثر فأكثر. وكان قد أصبح في الخمسين من عمره. وعندئذ راح الناس يشترون لوحاته بأسعار متزايدة. وهذا ما مكّنه من شراء بيت كبير في قرية جيفرني وتأسيس حديقة ضخمة ورائعة حوله وحسنا فعل فقد أصبحت تجذب إليها الزوار والسواح من كافة أنحاء العالم كما ذكرنا سابقا. ثم تردف المؤلفة قائلة: كان الضوء أو النور هو الموضوع الأساسي للوحات مونيه. وقد اعتاد على رسم نفس اللوحة في ساعات مختلفة من النهار حيث يتغير الضوء من فترة الصباح إلى فترة الظهيرة، إلى فترة المساء وغروب الشمس. وعندئذ تتشكل عدة لوحات عن نفس الموضوع.

لقد رسم مونيه بعضا من أجل اللوحات الفنية في تاريخ الفن. يكفي أن نذكر من بينها: شارع البافول في مدينة هوفنلير. وهي معروضة الآن في متحف بألمانيا. ويكفي أن نذكر لوحة بعنوان: سباق الزوارق. وهي معروضة الآن في مدينة نيويورك، وسعرها خيالي. ويكفي أن نذكر لوحته التي يصور فيها محطة سان لازار الشهيرة في باريس. وهناك أيضاً لوحة تصور موسم الحصاد في الصيف. وهي معروضة الآن في متحف أورسي بباريس. هذا بالإضافة إلى لوحات الانطباعية الآسرة التي يصور فيها منزله بقرية جيفرني، وكذلك حديقته الشهيرة المحيطة بالمنزل، والجسور والمناظر الخلابة على نهر السين القريب.

* الكتاب:كلود مونيه (1840 ـ 1926): عيد مبهج للعيون

* الناشر:تاشين ـ ميونيخ 2006

* الصفحات:220 صفحة من القطع الكبير

Claude Monet (1840 - 1926) a feast for the eyes Karin Sagner

Taschen - Munich 2006

P .220