ساهم في تأليف هذا الكتاب عشرات الكتاب والباحثين العالميين. وأشرف على إنجازه كل من الباحثين اميل بيطار وروبير فاضل وهما من أصل لبناني. وقد استكتبا واستجوبا ما لا يقل عن عشرين شخصية دولية وطلبا رأيها عن فرنسا. والسؤال المطروح هو التالي: كيف يرى كبار مفكري العالم فرنسا؟ هل هي في حالة صعود أم هبوط؟ هل هي في حالة نهضة أم انحطاط وأفول؟

وكانت الأجوبة متناقضة مختلفة. فمنهم من يرى فرنسا تتمتع بأوراق كبيرة لا يستهان بها، ومنهم من يرى أنها تعاني من صعوبات ضخمة وسوف تدخل في مرحلة الأفول الحضاري إذا لم تواجهها بشكل فعال وتنتصر عليها. وكان من بين المستجوبين شخصيات رفيعة ليس أقلها المؤرخ الانجليزي الشهير تيودور زيلدين الأستاذ في جامعة أكسفورد والمختص بتاريخ فرنسا وقضاياها منذ حوالي النصف قرن. ويمكن أن نذكر أيضاً الباحث الأميركي المعروف جوزيف ناي الذي كان مسؤولا عن شؤون الأمن والدفاع في ظل الرئيس السابق بيل كلنتون. وهو الآن أستاذ في جامعة هارفارد وأحد كبار الاختصاصيين الأميركان في الشؤون الدولية.

ولا ينبغي أن ننسى الروائي المكسيكي الشهير كارلوس فونتيس السفير السابق لبلاده في باريس وأحد كبار المعجبين بالثقافة الفرنسية. ومن بين المشاركين في الكتاب أيضاً البروفيسور ستانلي هوفمان أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد وأحد المعارضين الكبار لسياسة الرئيس بوش حاليا. ومن الجهة العربية شاركت في الكتاب أربع شخصيات سياسية وعلمية مشهورة ليس أقلها ادوارد سعيد قبيل وفاته، ومحمد اركون، وجورج قرم، وبطرس بطرس غالي.

والأول أعطى المشرفين على الكتاب آخر مقابلة أدلى بها للصحافة قبل أسابيع قليلة من رحيله عن هذا العالم. وأما اركون فقد أجاب على الأسئلة الموجهة إليه بشكل مطول وفي العمق. وشرح نظريته عن الإسلاميات التطبيقية والإسلاميات الكلاسيكية (أي الاستشراق) والفرق بينهما. وأما بطرس بطرس غالي، السكرتير العام السابق للأمم المتحدة فقد تحدث عن مستقبل فرنسا والدور الذي يمكن أن تلعبه في منطقة الشرق الأوسط. هذا في حين أن جورج قرم كتب مداخلة مطولة تحت عنوان: «مكانة العلمانية الفرنسية في عصر العولمة وما بعد الحداثة».

أما المؤرخ البولوني الشهير برونيسلو جيريميك النائب في البرلمان الأوروبي حاليا ووزير الخارجية سابقا فقد قال بما معناه: لا أستطيع أن أصف السعادة التي شعرت بها عندما زرت فرنسا لأول مرة. كنت أعرف هذه البلاد عن طريق الخيال: أي عن طريق أدبها وشعرها ونثرها وفلاسفتها وعظمائها. كنت مجبولا بالثقافة الفرنسية حتى وأنا في بولونيا. ولكن لم يتح لي التعرف على فرنسا الحقيقية إلا عام 1956.

وعندئذ اكتشفت جمال باريس وغنى متاحفها ومسارحها ومكتباتها وجامعاتها. وأتيح لي أن أتعرف على المدرسة التاريخية الفرنسية المدعوة بمدرسة الحوليات. وهي من أشهر المدارس التاريخية في العالم إن لم تكن أشهرها. وقد أثرت علي كثيرا كمؤرخ وكأستاذ لعلم التاريخ في الجامعات البولونية. كما وأثرت عليّ كمناضل سياسي وفتحت لي آفاق المستقبل. عندئذ تعرفت على أعلام هذه المدرسة التاريخية العظيمة، أي على فيرنان بروديل وجاك لوغوف وجورج دوبي. كما وتعرفت على أعمال مارك بلوخ ولوسيان فيفر مؤسسي المدرسة.

والآن، وبعد نصف قرن من ذلك التاريخ، لا أستطيع أن أقدر حجم التأثير الذي مارسته هذه المدرسة التاريخية عليّ وعلى توجهي الفكري بشكل عام. لقد كان تأثيرا حاسما. أما الروائي المكسيكي كارلوس فونتيس فيقول ما معناه: في المكسيك وبلدان أخرى عديدة كثيرا ما ينظر إلى فرنسا كبديل عن الولايات المتحدة. فالبلد الذي يريد أن ينجو من هيمنة أميركا عليه أن يتوجه صوب فرنسا. نقول ذلك على الرغم من أنها لم تعد قوة عظمى كما كان عليه الحال سابقا. إن المكسيك وكندا هما البلدان الوحيدان المجاوران للولايات المتحدة الأميركية. وهذا الوضع ليس سهلا. ولذلك فنحن بحاجة إلى بديل سياسي وثقافي أيضا. ومن الناحية الثقافية يمكن القول بأن فرنسا قدمت لنا البديل.

فثقافتها كانت دائما مزدهرة وطليعية. وفي القرن العشرين أنجبت كبار الفلاسفة والشعراء والروائيين من بيرغسون، إلى جان بول سارتر، إلى ميشيل فوكو، إلى رينيه شار، وأراغون، وسان جون بيرس، والبير كامو، واندريه جيد، الخ. وبالتالي فنحن جميعا تلامذة للثقافة الفرنسية بشكل أو بآخر. وتأثيرها كبير على أدباء أميركا اللاتينية. ولا أحد يستطيع أن ينكر الدور الذي لعبته الفلسفة الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية. فقد كانت منارة لبقية الشعوب. أقول ذلك وأنا أفكر بجان بول سارتر، وموريس برلوبونتي، وبول ريكور، وجاك دريدا، وجيل ديلوز، وميشيل فوكو، وعشرات الآخرين.

ثم يردف الروائي المكسيكي قائلا: أما أطروحات جان بودريار الذي مات مؤخرا وجان فرانسوا ليوتار عن فلسفة ما بعد الحداثة فإني لا أتبناها. لماذا؟ لأنهما انتقدا الحداثة كثيرا بل وحاولا تدمير كل إنجازاتها وإيجابياتها. فهل هذا معقول؟ هل يخدم فكرهما حقا قضية التقدم في العالم الثالث يا ترى؟ أشك في ذلك. ثم ما معنى هذه النزعة التشاؤمية في وقت حققت فيه الحداثة حضارة عظيمة؟

أما ادوار سعيد فيقول بما معناه: لقد نشأت وترعرعت في ظل النظام الثقافي الكولونيالي البريطاني سواء في فلسطين أو في مصر. ولذلك فإن بلد التحرر والحرية بالنسبة لي كان دائما فرنسا. كنت أريد أن أهرب من الانغلوساكسون لكي ألقي بنفسي في أحضان الثقافة الفرنسية. كانت الحرية بالنسبة لي في جهة فرنسا لا في جهة الانجليز.

وبالتالي فالثقافة الفرنسية كانت بالنسبة لي هي البديل عن الثقافة الانكليزية والثقافة الأميركية. ولكني لم أطلع فعلا على الأدب الفرنسي إلا بعد مجيئي إلى أميركا في بداية الخمسينات من القرن الماضي. عندئذ رحت أقرأ سارتر وفلوبير وكامو وسواهم عديدين. ثم اطلعت على فكر فلاسفة ما بعد الحداثة كميشيل فوكو، وجاك دريدا، وجان فرانسوا ليوتار، وأعجبت كثيرا بفوكو ومنهجيته الراديكالية.

ومعلوم أنه كشف عن العلاقات أو الملابسات الضمنية الموجودة بين المعرفة والسلطة، أي معرفة وأي سلطة. وقد استفدت كثيرا من نظريته في تأليفي لكتاب الاستشراق. وهو الكتاب الذي أحدث ضجة في العالم كله وأثار ردود الفعل العنيفة من طرف المستشرقين وسواهم.

وأما بطرس غالي فيقول ما معناه: لقد تعرفت على فرنسا لأول مرة عام 1937، أي قبل سبعين سنة بالضبط. ولكني لم أقم فيها إقامة طويلة إلا عندما جئتها طالبا لإكمال دراساتي الجامعية عام 1946. وقد سجلت نفسي في كلية الحقوق بالسوربون حيث تخرجت لاحقا ونلت شهادة الدكتوراه. وبعدئذ عدت إلى مصر للتدريس في الجامعة.

ثم يردف بطرس غالي قائلا: في الواقع أني أنتمي إلى عائلة تتقن الفرنسية تماما وتحب فرنسا تاريخيا. فجدي كان رئيسا للوزراء وعارفا بالفرنسية وثقافتها وكذلك أبي واخوتي. والواقع أننا كنا نمضى عطلتنا الصيفية غالبا في فرنسا. وكنا نجيء إليها غالبا عن طريق البحر حيث نركب السفينة من الإسكندرية لكي تحط بنا في نهاية المطاف على شواطئ مرسيليا. وبعدئذ نأخذ القطار إلى باريس.

ويعترف بطرس غالي بأنه ناضل كثيرا في مصر لكي يقنع النواب والأحزاب بضرورة انضمام مصر إلى منظمة الفرانكوفونية. وقد عارضوه بقوة قائلين: نحن لسنا بحاجة إلى استعمار جديد، ولا إلى لغة فرنسية. تكفينا اللغة الانجليزية. ولكنه نجح في مسعاه أخيرا. ويقول بأنه فعل ذلك لأسباب سياسية وليس فقط لأسباب عاطفية تربطه بفرنسا. فقد كان يريد تقليص النفوذ الأميركي في مصر عن طريق تقوية النفوذ الفرنسي الذي يشكل بديلا له أو عنه.

*الكتاب: نظرات على فرنسا

*الناشر: سويل - باريس 2007

*الصفحات:640 صفحة من القطع الكبير

Regards sur la France

Emile Bitar et Robert Fadel

Seuil- Paris

p.640