في بداية القرن السابع عشر الهجري، في الوقت الذي أخذت فيه مملكة الإسلام بالتداعي بسبب ما أصابها من الانقسام والضعف، في هذا العصر المضطرب عاش الإمام «زكريا بن محمد بن محمود القزويني» الذي ينحدر من أسرة عربية استوطنت العراق العجمي من زمن بعيد.
ولد العلامة «القزويني» في «قزوين» سنة 600 هجرية وشب فيها وعاصر هجوم المغول على الجناح الشرقي لمملكة الإسلام، فأحس في وقت مبكر بالخطر فقرر الارتحال إلى الشام والعراق، إذ نجده في دمشق سنة630 هـ حيث اجتمع بالشيخ الأكبر «محيي الدين بن عربي».
وقد تولى «القزويني» القضاء «بواسط» و«الحلة» في العراق أيام الخليفة المستعصم بالله آخر الخلف العباسيين في بغداد وعاصر استيلاء «هولاكو» على عاصمة الخلافة الإسلامية «بغداد سنة 656 هـ كما شهد ما حل بها من خراب وقتل وتدمير.
يستشف من النظر في مؤلفات «القزويني» صاحب كتاب «آثار البلاد وأخبار العباد» أن الرجل كان عالماً ومؤرخاً وجغرافياً بالإضافة إلى تضلعه في الفقه وكثيراً ما قارنه العلماء بهيرودوت وبليني.
وتعود شهرة «القزويني» إلى مصنفين اثنين أولهما عجائب المخلوقات وغرائب الموجدات وثانيهما كتابنا هذا آثار البلاد وأخبار العباد.
كتاب آثار البلاد وأخبار العباد فقد جمع فيه ما كان من البلاد مخصوصأ بعجيب صنع الله تعالى ومن كان من العباد مخصوصا بمزيد لطفه وعنايته، لذا فهو نموذج جغرافي خاص يمكن تسميته بجغرافيا العجائب، وهو مزيج منتقى بعناية من الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا البشرية بالإضافة إلى معلومات أخرى متنوعة.
افتتح«القزويني» كتابه بخطبة موجزة تشير إلى المصادر التي استمد منها الكتاب ويمكن حصر هذه المصادر في مصدرين اثنين أولهما: ما وقع له، وما اطلع عليه من الكتب والمدونات ثانيهما: ما سمع به وما شاهده بأم عينه خلال ارتحاله وتنقله في البلاد.
وقد ألمح إلى أن الهدف من الكتاب هو: الإمتاع والتهذيب، إذ وصف كتابه بأنه «جليس أنيس يحدثك بعجيب صنع الله تعالى ويعرفك أحوال الأمم وما كانوا عليه من مكارم الأخلاق ومآثر الآداب».
ثم شفع خطبة الكتاب بثلاث مقدمات موجزة تناول في الأولى الحاجة الداعية إلى أحداث المدن والقرى وفي المقدمة الثانية: تحدث عن خواص البلاد وتأثيرها في سكانها من جهة وتأثيرها في المعادن والنبات والحيوان، من جهة أخرى.
أما المقدمة الثالثة: فقد خصصها للحديث عن أقاليم الأرض السبعة وفق ما أصطلح عليه الجغرافيون القدامى والكتاب في معظمه منقول عن مدونات سابقة لم يتوان في مواضع كثيرة من الكتاب عن التصريح بأسمائها أو أسماء مؤلفيها، وقد عد المستشرق الألماني «فستنفلد» ما يقرب من خمسين مؤلفاً من المؤلفات التي رجع إليها «القزويني» في تأليف كتابه هذا.
مصنف القزويني هذا يتجلى في تبسيطه للمعارف، وجمعه بين البساطة والتنوع، بالإضافة إلى إحاطته بالكثير من معارف عصره، ممّا مكنّه من وضع مصنف تركيبي سهل المأخذ، يستسيغه جمهور عريض من القراءّ في زمانه، وفي الأزمنة اللاحقة.
مصنف «القزويني» يشبه في بعض جوانبه معجم «ياقوت الحموي» الشهير من حيث التزامه بالترتيب المعجمي للبلدان والمواضع ولكن مؤلفه جعل لكل إقليم من الأقاليم السبعة معجماً خاصاً به، فجاء الكتاب مشتملاً على سبعة معاجم متوالية، بتوالي الأقاليم، في حين أن معجم ياقوت، رتب البلدان والمواضع في الأقاليم السبعة مجتمعة ترتيباً معجمياً.
الإقليم الأول: فجنوبيه ما يلي بلاد الزنج والنوبة والحبشة، وشماليه الأقاليم الثاني وأوله حيث يكون الظل نصف النهار إذا استوى الليل والنهار قدما واحدة ونصف وعشراً وسدس عشر قدم.. ثم يعدد من أقاليمه: إرم ذات العماد بين صنعاء وحضرموت ثم بلاد الحبشة،بلاد الزنج، بلاد النوبة، بلاد السودان.. ويتحدث عن كل بلد من هذه البلدان حدودها، وما تتميز به من خيرات، وأهم ما هي العجائب في هذا البلد أو ذاك دون أن ينسى ما قاله أحد الشعراء في ذلك.
أما الإقليم الثاني فهو حيث يكون ظل الاستواء في أوله نصف النهار إذا استوى الليل والنهار قدمين وثلاثة أخماس قدم وآخره يكون ظل الاستواء فيه نصف النهار ثلاثة أقدام ونصف عشر سدس قدم يبتدئ من المشرق فيمر على الصين وبلاد الهند والسند، ويمر بملتقى البحر الأخضر ويقطع جزيرة العرب في أرض نجد وتهامة والبحرين، ثم يقطع نيل مصر إلى أرض المغرب، ويعدد بعد ذلك البلدان وهنا يذكر «الأبلق» حصن السموأل الذي يضرب به الوفاء والأشعار التي قالها السموأل دفاعاً عن موقفه. الكتاب معجم جميل وشيق، قد تلتقي فيه الأسطورة مع الواقع.