مؤلف هذا الكتاب «ستيفن هاوكنغ» هو أحد أكبر الفيزيائيين في العالم بعد اينشتاين، وهو وريث مقعد إسحاق نيوتن في جامعة كامبردج. أصدر العديد من الكتب منها «بداية الزمن ونهاية الفيزياء؟» و«من أنت سيد هاوكنغ؟» و«العالم داخل قشرة جوزة» و«طبيعة المكان والزمان». كما أشرف على العديد من الأعمال الجماعية وقدّم الكثير من المساهمات في الدوريات العلمية المختصة.
«تاريخ مختصر جداً للزمن» هو كتاب مطوّر ومتجدد لعمل آخر للمؤلف كان قد صدر قبل تسع عشرة سنة تحت نفس العنوان تقريباً. وقد اعتمد المؤلف في تحليلاته الجديدة على آخر منجزات العلم ونظرياته الفيزيائية.
وهو يدعو قارئه إلى تتبع مسيرة شرح الظواهر الكونية ونظرياتها الأساسية منذ قانون الجاذبية لنيوتن إلى نظرية النسبية التي قال بها اينشتاين ومروراً بمحاولة شرح ظواهر أخرى مثل «الثقوب السوداء» و«إمكانية أو عدم إمكانية الأسفار داخل الزمن»، وغير ذلك من الظواهر التي انكبّ العلماء على دراستها. ويقول المؤلف نفسه عن هدفه من الكتاب: «هدفي ليس جعلكم تشاركون في الانفعالات العنيفة التي تثيرها هذه الاكتشافات فحسب وإنما أيضاً في التعرّف على الصورة الجديدة للواقع التي تتأتي منها».
كان الكتاب الأول الذي أصدره المؤلف حول «تاريخ الزمن» قد وجد مكانه طيلة 237 أسبوعاً في قائمة الكتب الأكثر انتشاراً كما حددتها «الصاندي تايمز». وقد بيعت منه عدة ملايين من النسخ في شتى أنحاء العالم، الأمر الذي شكّل نجاحاً كبيراً بالنسبة لكتاب علمي وبالتحديد أكثر بالنسبة لكتاب يعالج المسائل الأكثر صعوبة في الفيزياء. ويشير المؤلف نفسه في المقدمة: «لقد أخذنا في هذا الكتاب الجديد جوهر مضمون الكتاب الأول ثم أعدنا هيكلته وأثريناه، مع حرصنا على أن يبقى دقيقاً وسهلاً في القراءة».
وفي الكلمات الأولى من الكتاب يقول المؤلف: «إننا نعيش في عالم غريب ورائع». ثم ينقل أن عالماً شهيراً - ربما يكون برتراند رسّل ـ كان يلقي ذات يوم محاضرة حول علم الفلك وكيف أن الأرض تدور حول الشمس وكيف أن الشمس تدور بدورها حول مركز الكواكب التي تشكل المجموعة الشمسية كلها. وفي نهاية المحاضرة قالت له امرأة عجوز كانت تجلس في نهاية القاعة: «كل ما قلته ليس سوى مجرد ترهات. فالعالم في الواقع هو قرص مسطّح تحمله سلحفاة عملاقة».
وهذا ما ردّ عليه العالم بالقول: «ومن يحمل السلحفاة؟» فأردفت: «أنت مخاتل أيها الشاب، مخاتل جداً. هناك سلاحف منضّدة الواحدة فوق الأخرى حتى المستوى الأسفل». ما قالته تلك السيدة العجوز قد يبدو منطقياً اعتماداً على مجرّد الملاحظة البسيطة. لكن العلم سمح لنا أن نعرف الحقيقة. ولكن لم يزل هناك ما لم يسمح لنا بمعرفته، وهذا ما يحاول أن يلقي عليه المؤلف بعض الضوء.
ما يؤكده المؤلف ـ الفيزيائي الكبير هو أن رؤيتنا للعالم هي في تطور مستمر. ويشير إلى أنه كان هناك عدد كبير من البشر في زمن اكتشاف كريستوف كولومبس للقارة الأميركية «العالم الجديد» لا يزالون يعتقدون أن الأرض مسطّحة، فإنه يحدد أصول علم الفلك إلى الحقب اليونانية القديمة. إذ في حوالي عام 340 قبل الميلاد كتب الفيلسوف أرسطو دراسة تحت عنوان «عن السماء» وقدّم فيها عدداً من الآراء التي تشير إلى أن الأرض «مستديرة» وليست مسطّحة. لقد قدم مثلا حجّة «خسوف القمر» وفسّرها بـ «مرور» الأرض بين الشمس والقمر. كما يشير إلى أن اليونانيين كانوا قد أشاروا إلى رؤية أشرعة السفينة أولاً في الأفق ثم يظهر بعد ذلك هيكلها كلما اقتربت. وهذا يصب في تأكيد مقولة ان الأرض كروية.
ثم ينتقل المؤلف للحديث عن أعمال «نيكولا كوبرنيك»، الكاهن البولندي الذي قدّم عام 1514 «فكرة ثورية» مفادها أن الأجرام السماوية كلها لا تدور بالضرورة حول الأرض. لقد كان يفكر، كما يؤكد المؤلف، أن الشمس هي مركز المنظومة كلها وأن الأرض والكواكب الأخرى تدور حولها. لكنه لم يتجرأ على قول ذلك صراحة في البداية، بل إنه نشر أفكاره خفية ودون البوح باسمه «دون شك خشية أن تدينه الكنيسة بالقتل على أساس تهمته بالزندقة».
جاءت بعد ذلك أعمال غاليلي غاليليو اعتباراً من عام 1609 حيث بدأ بمراقبة السماء عبر المنظار المقرّب المكتشف حديثاً آنذاك. لقد قال ان الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس. ثم ذهبت أعمال كيبلر أبعد قبل أن يقدّم إسحاق نيوتن تفسيراً «نهائياً» لآلية حركة المنظومة الشمسية عام 1687، إذ شكّلت أعماله «أهم عمل قام به شخص واحد في مجال الفيزياء»، كما يعبر المؤلف.
وعلى سؤال: «ماذا تعني نظرية علمية؟» يجيب المؤلف بالقول: «إن أية نظرية علمية ليست نظرية جيدة إلا إذا حققت شرطين أساسيين. الشرط الأول هول أن تصف بدقة عدداً كبيراً من الملاحظات انطلاقاً من نموذج ـ موديل ـ لا يحتوي سوى على عدد صغير من العناصر. والشرط الثاني هو أن تسمح بصياغة مقولات محددة وثابتة حول نتائج ملاحظات مستقبلية».
ويرى المؤلف أنه «يمكن أن نحدد الهدف النهائي للعلم بأن يقدّم لنا نظرية واحدة فريدة قادرة على وصف الكون بمجمله». لكنه يؤكد أنه «من الصعب جداً تصور إيجاد نظرية يمكنها أن تصف الكون بمجمله بكل تفاصيله». وبالنتيجة يحدد القول انه من الأفضل «تجزئة المشكلة وصياغة عدة نظريات «جزئية».
بكل الحالات يتم التأكيد على أن أفكارنا الحالية حول حركة الإجرام تعود إلى غاليلي ونيوتن. ثم يكرس المؤلف عدداً من الصفحات لدراسة «النظرية النسبية» لاينشتاين. ويقول انه في عام 1676، كان عالم الفلك الدانماركي «اولي كريستنس رومر» هو أول من اكتشف أن الضوء «يسير» بسرعة محدودة، وإنما مرتفعة جداً. وكان لا بد من انتظار عام 1865 لامتلاك نظرية متكاملة عن سرعة انتشار الضوء، وذلك عندما استطاع الفيزيائي الانجليزي جيمس كليرك ماكسويل توحيد «النظريات الجزئية المستخدمة حتى آنذاك» لوصف الكهرباء والساحة المغناطيسية.
وقد كانت بعض الظواهر «الكهربائية» و«المغناطيسية» معروفة منذ زمن طويل ولكن لن يتم التوصل إلى وضع «قوانين كميّة» إلا في القرن الثامن عشر على يد الكيميائي الانجليزي هنري كافنديش والفيزيائي الفرنسي شارل اوغست دو كولومب. ثم برهن ماكسويل «رياضياً» أن القوى الكهربائية والمغناطيسية لا تأتي من جزيئات يفعل بعضها على البعض الآخر وإنما أن كل شحنة وكل تيار كهربائي يخلق «مجالاً» في المحيط المجاور، وهو مجال يمارس قوة على كل شحنة وكل تيار موجودين في ذلك المحيط.
أي بمعنى آخر تنبأ ماكسويل بوجود تموجات كهربائية ـ مغناطيسية تنتشر بسرعة محددة، على غرار التموجات على سطح مستنقع. وعندما حسب سرعة الانتشار تلك لاحظ أنها تتناظر تماماً مع سرعة الضوء.
كل ما سبق، كان بمثابة مقدمات لنظرية انيشتاين المعروفة بـ «النسبية» والتي تتمثل مقولتها الأساسية في اعتبار أنه ينبغي على قوانين الفيزياء أن تكون هي نفسها بالنسبة لجميع الملاحظين في حالة الحركة ومهما كانت سرعة انتقالهم. وبالتالي يشير المؤلف إلى أنه قبل عام 1915، كان يتم تصور الحيّز المكاني ـ المكان والزمان مثل «حلبة ثابتة تجري بداخلها أحداث لا تواتر بها أبداً.
ولكن مع النظرية النسبية العامة تغيّر الوضع إذ أصبح المكان والزمان «وحدتين ديناميتين»، إذ عندما ينتقل «جرم» ما أو عندما تؤثر عليه قوة ما، فإن ذلك يكون له تأثيره على «منحنى الزمان والمكان» وبالطريقة نفسها يؤثر هذا «المنحنى» على «طريقة انتقال الأجرام وعلى القوة المؤثرة فيها».
أي أن المكان والزمان يؤثران، ويتأثران، بكل ما يجري في الكون. وفي محصلة شروحات علمية «اختصاصية» دقيقة يؤكد المؤلف أن «رؤيتنا للكون قد تغيرت» على قاعدة النظرية النسبية لاينشتاين، إذ «جرى استبعاد الفكرة القائلة بوجود كون ثابت ومستقر، وأنه كان موجوداً وسيبقى موجوداً مثلما نلحظه، وحلّت مكانها فكرة وجود كون ديناميكي له عمر محدد، قد يبلغ نهايته في لحظة ما من المستقبل».
ومن الشروحات التي يقدمها المؤلف - الفيزيائي الكبير حول الكون الذي يحيط بنا قوله انه كلما ابتعد جرم عن الشمس تزداد سرعة انتقاله. لكن مفهوم القرب والبعد هنا يقاس بالسنوات الضوئية، وهكذا يوجد الكوكب الأكثر قرباً من الأرض على مسافة تقارب الأربع سنوات ضوئية، أي ما يعادل 35 مليون كيلومتر. وإن أغلبية الكواكب التي نراها بالعين المجرّدة تبعد عدة مئات السنوات الضوئية.
كما تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن آلات الرصد الفلكي الحديثة ـ مثل التلسكوب «هابل» ـ سمحت بإمكانية تصنيف الكواكب في «فئات» تبعاً لإشعاعاتها الضوئية. وبالتالي تسمح بإمكانية قياس «بعدها» التقريبي عن الأرض.
وفي الوقت الذي حاول فيه اينشتاين إيجاد وسيلة من أجل استبعاد فرضية وجود عالم دينامي حسب النظرية النسبية العامة، فإن الفيزيائي وعالم الرياضيات الروسي الكسندر فريدمان، قرر، على العكس، إيجاد تفسير لتلك الفرضية.
وبعد أن يستعرض المؤلف المحطات الرئيسية التي حققها علم الفيزياء وعلم الفلك خلال مسيرتهما «الظافرة» طيلة القرن العشرين، وما تمّت ترجمته في إنجازات هائلة، في جميع الاتجاهات التي تخدم الإنسان أو يمكنها أن تدمره، يؤكد أنه «لم يستطع أحد أن يصيغ نظرية كاملة وموحّدة للكون بضربة واحدة. وكان ينبغي التقدم خطوة خطوة عبر نظريات جزئية تصف كل منها بعض مظاهر الواقع وتهمل مظاهر أخرى». وفي المحصلة يبدو أن ما عرفه الإنسان عن الكون هو أقل بكثير مما ما زال يجهله.
*الكتاب: تاريخ مختصر جداً للزمن
*الناشر: بانتام بوك ـ نيويورك 2006
*الصفحات:176 صفحة من القطع الكبير
A briefer history of time
Stephen Hawking
Bantam Books
NEW YORK2006
p.176