مؤلف هذا الكتاب هو باحث في قسم الإدارة والتخطيط بجامعة مونبلييه بفرنسا. كما أنه يقدم برامج لإذاعة فرنسا الدولية وإذاعة فرنسا الثقافية. وهو يترأس في فرنسا جمعية خيرية هدفها تعليم أولاد البدو الرحل في إفريقيا. وبالتالي فالرجل متعدد المواهب والإمكانيات على الرغم من صغر سنه.
فقد ولد موسى الصريد في شمال «مالي» بإفريقيا عام 1975 من أبوين بدويين يعيشان في الصحراء تحت الخيام. وهو ينتمي إلى إحدى قبائل الطوارق الشهيرة. وقد عاش طفولته الأولى وشبابه في الصحراء كغيره من البدو الرحل. ثم شاءت الصدفة عام 1999 أن يحظى بمساعدة للمجيء إلى فرنسا لإكمال دراسته فيها. وكانت تلك الصدفة بمثابة المعجزة التي أنقذته من التهميش والفقر والجوع والجهل. وقد استطاع تعلّم الفرنسية بسرعة إلى درجة أنه أصبح يؤلف فيها الكتب. وقد لاقى كتابه هذا نجاحا في المكتبات نظرا لبراءته وصدق لهجته وعمق أفكاره أحيانا. فهذا الرجل الطوارقي يلقي نظرة جديدة على فرنسا، نظرة تكشف عن أشياء كثيرة لا يراها الفرنسيون أنفسهم بحكم العادة والألفة التي تعمي العيون. ثم يتحدث الكاتب عن دهشته من كل شيء يراه في فرنسا: من مطارات، وفنادق كبرى، وميترو باريسي، وعادات اجتماعية، وعلاقات بين الرجل والمرأة، إلخ.
ولكنه يتحدث أيضاً عن ذكرياته في صحراء مالي وعن أمه وأبيه وجده العجوز وما حصل له من أحداث هناك. ويروي قصة مرعبة جرت له مع أمه وأخيه الصغير عندما كانا مسافرين في الصحراء بحثا عن الكلأ. وكانت أمه راكبة على الحمار مع أخيه وهو يمشي إلى جانبهما. وعندما وصلوا إلى منطقة معينة قالت له أمه: انتبه يا موسى جيدا، هذه المنطقة مشهورة بالثعابين، ولكنه لم يعر انتباها كبيرا لما قالته نظرا لصغر سنه ثم لأنه يحب صحراءه كثيرا ولا يعتقد بأنها قد تشكل خطرا عليه. فهو ابن الصحراء. فلماذا يجيئه الأذى من وطنه الذي يحبه؟
ولكن فجأة أحس بشيء يجري تحت الحمار فنظر إلى أسفل فوجد ثعبانا مرعبا يلتف على ساق الحمار ويتلوى ويكاد يلدغ ساق أمه المتدلية على الحمار. وعندئذ جمد الدم في عروقه ولم يعد يعرف ماذا يفعل. فإذا ما انحنى على الأرض لكي يمسك بحجرة ويضربه فإن الثعبان سوف يحس به فورا ويسبقه إلى الضرب وربما عضه وقتله فورا وقتل أمه أيضا.
وهكذا مضت عدة لحظات وهو في حالة من الرعب لا توصف. وفجأة نظر مرة أخرى إلى الثعبان فوجده مقتولا. ودهش أشد الدهشة ولكنه عرف بعدئذ أن أمه هي التي قتلته. وبرهنت بذلك على رباطة جأشها وقوة شخصيتها. والواقع أنها استخدمت عمود الخيمة لتوجيه ضربة دقيقة إلى الثعبان الواقف تحت رجلها ويكاد يلدغها أو يلدغ الحمار. وهكذا قتلته بضربة واحدة على الفور. ونجت العائلة كلها من شره.
ثم يضيف المؤلف قائلا ان هذه الحادثة من أقوى ما جرى له في حياته. وهكذا أعطته أمه درسا في برودة الأعصاب والشجاعة والصبر على المكروه حتى تكون الأمور قد انفرجت.ثم يتحدث المؤلف عن جمال الصحراء الذي لا يدركه جيدا إلا من خبرها وعاش فيها. صحيح أن الحياة هناك صعبة وقاسية إلى أقصى الحدود وبخاصة فيما يتعلق بالأكل والشرب والبحث عن الكلأ للمواشي ولكن امتداد الصحراء اللانهائي وكثبانها ورمالها وهواءها العليل وسماءها، كلها لا يمكن أن تنسى.
وللأسف فإن الجفاف الذي ضرب البلاد عام 1984 قضى على الحرث والضرع فحصلت المجاعات وماتت الأغنام والأبقار والجمال ومات خلق كثير. وربما كانت أمه من ضحاياها، ذلك أنها ماتت على الطريق وهم راحلون بحثا عن العشب والكلأ ولم يكن عمره يتجاوز العاشرة. ولكنها لم تمت قبل أن توقفهم على الطريق لكي تتجه نحو القبلة وتؤدي فريضة الصلاة. وهكذا غادرت راضية مرضية عند ربها وهي تمسك طفلتها في حضنها.
إن المؤلف يصور بشكل مؤثر كيف أن والده تزوج عدة مرات وهو يبحث في كل مرة عن زوجته السابقة في هذه النساء المتتاليات. ولكنه لم يجدها ولم يستطع أن يتعزّى عنها أو ينساها إلا بعد أن وجد المرأة التي أحبها من جديد مثل امرأته السابقة.
ويركز المؤلف على مسألة الإيمان ويقول ان إيمان الطوارق بالإسلام هو إيمان عميق وصاف جدا ولا تشوبه شائبة. ولكنه ليس إيمان التعصب والتزمت والعنف على الإطلاق. فهم متسامحون مع الآخرين من غير المسلمين لأن رحمة الله وسعت كل شيء.
وفي فرنسا التقى المؤلف بعائلة مكونة من أب مسيحي كاثوليكي وأم يهودية. وقد استقبلته في بيتها لشهور عديدة قبل أن يجد عملا. وكانوا يصلون معا قبل تناول وجبة الغداء كلٌ بلغته الخاصة وطبقا لشعائره المختلفة. ولكنهم كانوا يشعرون بأنهم يتوجهون نحو نفس الخالق إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب والنبيّين.
وبالتالي فالإيمان يشمل جميع مخلوقات الله، والإيمان يقوي عزيمة الإنسان ويجعله صلبا في مواجهة الشدائد والمحن. الإيمان ينظف القلب من الغلّ والأحقاد والحسد والضغينة، وحياة بدون إيمان تبدو قاحلة، فارغة، عبثية.
وينتقد المؤلف أثناء الكتاب بعض عادات الفرنسيين التي فوجئ بها، ومن بينها اعتبار الجنس مجرد تبادل المتعة بين الرجل والمرأة دون أن يكون هناك حب بالضرورة. ومن خلال تجارب مع بعض الفرنسيات اكتشف مدى السهولة التي تسلّم بها المرأة نفسها للرجل. وقارن ذلك بما يحصل في الصحراء عند الطوارق فوجد البون شاسعا.
ففي الصحراء لا تحصل العلاقة بين الرجل والمرأة إلا بعد قصة حب حقيقية. وتتوج عادة بالزواج وليس فقط بممارسة المتعة الجنسية لعدة أسابيع أو أشهر ثم الافتراق.
ولكنه يبدي إعجابه بجمال فرنسا الطبيعي وحالة التقدم والازدهار التي وصلت إليها. وقد تعلم الكثير بعد وصوله إلى بلاد فولتير وفوجئ بكل مظاهر الحضارة والحياة تقريبا. والشيء الغريب العجيب هو أن هذا الشخص الصحراوي البدوي الذي لم يكن يعرف كيف يركب الميترو أو حتى يستخدم أبسط أنواع الآلات والأدوات المنزلية أصبح خلال ست سنوات فقط أحد المذيعين ومقدمي البرامج في المحطات الإذاعية الفرنسية الكبرى. كيف حصل ذلك؟ من أين أتته هذه الجرأة على اجتياز العقبات والتوصل إلى النجاح؟
من تربية أمه وأبيه على ما يقول. من الإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع بالدين الإسلامي. من محبة الناس والتسامح معهم ومعاملتهم كإخوة لا كأعداء. من حياة الصحراء التي جعلته بسبب قسوتها شخصا قويا صلبا قادرا على مواجهة التحديات أيا تكن. هذه هي قصة الشاب الطوارقي الذي هبط يوما ما في مطار أورلي من صحراء مالي البعيدة وأصبح بعد سنوات قلائل أحد الوجوه الإعلامية في فرنسا. إنها قصة رائعة لا تكاد تصدق.
*الكتاب:لا توجد زحمة في الصحراء مذكرات أحد الطوارق في باريس
*الناشر: منشورات اللوب - باريس 2007
*الصفحات: 253 صفحة من القطع المتوسط
Y a pas d'embouteillage dans le désert, chroniques d'un
Touareg en France
Moussa Ag Assarid
Editions de la Loupe-Paris 2007
p.253