أجرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية هذه المقابلة مع الكاتب والروائي والشاعر الألماني غونتر غراس الفائز بجائزة نوبل للأدب، بمناسبة صدور الجزء الأول من سيرة حياته بعنوان «تقشير البصلة» في ترجمته الانجليزية والذي يغطي السنوات من الثانية عشرة إلى الثلاثين من عمره، والذي كان قد أثار ضجة كبرى لدى صدوره بالألمانية، حيث كشف فيه النقاب عن انخراطه في صفوف فرق «وافن ـ إس. إس» النازية، وإن كان قد أكد أنه لم يقترف أياً من الجرائم التي نسبت إلى رجال هذه الفرق. وألقى غراس الضوء في المقابلة على دوافعه لكتابة سيرة حياته وعلى رؤيته لمفهوم الذنب الذي غمر الروح الألمانية.
كما تناول التحفظات التي واكبت استحضاره لذكريات المرحلة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية والسر في أنه تجاوز هذه التحفظات لإنجاز كتابه المثير للجدل. وفيما يلي نص الحوار: *تعرضت للهجوم بشدة لكشفك النقاب في هذا الكتاب للمرة الأولى عن حقيقة أنك كنت عضواً في فرق «وافن ـ إس.إس» قرب نهاية الحرب العالمية الثانية. لماذا قمت بذلك في هذا الكتاب وليس قبل هذا التوقيت؟ ـ كنت قد قمعت الأمر في ذاكرتي. وليس بمقدوري حقاً تقديم أسباب محددة. لقد كان الأمر في ذهني على الدوام، واعتقدت أن ما أقوم به ككاتب وكمواطن ألماني، وهي أمور تعني على وجه الدقة نقيض الأفكار التي كانت قد شكلتني في صدر عمري، خلال المرحلة النازية، كانت كافية. ولم يراودني أي شعور بالذنب، فقد تم توزيعي على فرق وافن ـ إس. إس، ولم أقترف أي جرم، ولم أحس بأي ذنب.
وبالإضافة إلى ذلك فقد أحسست على الدوام بالحاجة إلى الكتابة عن تجاربي في سياقها لأشمل يوماً ما. ولم يتطور هذا إلا حديثاً، بعد أن تغلبت على نفوري الداخلي من كتابة سيرة ذاتية في المقام الأول، وهو نفور له علاقة بسنواتي المبكرة. وهذا الكتاب يغطي السنوات من الثانية عشرة إلى الثلاثين من عمري. وفي إطار هذا السياق الأشمل أحسست أن بمقدوري الحديث عن الأمر بصراحة.
*في أعمالك الكاملة هناك خطاب مهم للغاية هو «خطاب التعود» الذي كنت قد ألقيته عام 1967. وفي هذا الخطاب تقول إنك لم تخف قط الحقيقة القائلة إنك كنت عضواً في تنظيم الشباب الهتلري في الرابعة عشرة من عمرك وإنك قد تطوعت وأنت في السادسة عشرة من عمرك وفي السابعة عشرة من عمرك أصبحت أسير حرب. ألم يكن بمقدورك وقتها القول إنك كنت جندياً في فرق وافن. إس. إس.
ـ بلى، كان بمقدوري أن أذكر ذلك. أعني أن من اليسير القول بذلك الآن، وأنا أطرح السؤال نفسه على نفسي. وقد ناقشت هذا في كتابي، بما في ذلك التزامي الصمت حيال هذه القضية، والكتاب الآن مطروح في الأسواق وفي ترجمات عدة، بحيث يمكن للقراء تكوين آرائهم الخاصة. وهذا هو السر في أنه في الموقف الراهن يمكنني فحسب أن أحيل القراء إلى كتابي.
*إنك تقول إنه ما من شيء كان يمكن أن يخفف من عبء ذكرياتك. كان بوسعك أن تخفف من هذا العبء عن طريق الإعلان عن هذا في وقت سابق!
ـ نعم، وذلك هو ما فعلته في تأليف هذا الكتاب. والبعض يقول إن ذلك جاء متأخراً للغاية. وأنا لم أتمكن من القيام بذلك حتى الآن، ومن يريدون الحكم على وانتقادي فعليهم المبادرة بذلك. ولكن ما أعايشه الآن وفي الوقت الحالي يفترض لدى هؤلاء أن يضع كل شيء يتعلق بي موضع المساءلة، كل شيء جعل حياتي اللاحقة ما هي عليه، حياة اتسمت أيضاً بإحساس بالعار وبمحاولة للتغلب عليه لا تزال مستمرة حتى اليوم.
*هل يمكن أن يحفزك هذا على الكتابة عن موضوعات معينة، هذا المحظور الذي كان باستمرار في خلفية ذهنك؟
ـ نعم، بالطبع، حسنا، لست أدري ما إذا كنت بحاجة إلى تحفيز إضافي في هذا الصدد، ولكن من المؤكد أن هذا قد شجعني.
*عندما قام الفيلسوف كارل ياسبر بتمحيص قضية الذنب في 1946، خلص إلى أنه ليس هناك شيء يدعى الذنب الجماعي الألماني، وإنما هناك بالأحرى الذنب الفردي للجناة. هل تحس بالذنب؟ هل قمت بأي شيء من شأنه تبرير شعورك بالذنب؟
ـ حسنا، إذا كنا نتحدث عن جرائم يمكن التحقق منها، فإنه ما من شيء من ذلك القبيل حدث. ولكنني أفضل التعامل مع هذا كإنجاز. ولو أنني كنت أكبر بعامين أو بثلاثة أعوام، وكنت ضالعاً في جرائم، ليست تلك التي ارتكبتها فرق وافن ـ إس. إس.، ولكن كما نعرف الآن تلك التي ارتكبتها جماعات أخرى داخل القوات المسلحة، مثل إطلاق النار على الأسرى، لما كان بمقدور أحد ضمان أي شيء. وعلى أي حال، فإنني ما كان يمكن أن أفعل ذلك.
*في وقت متأخر من حياتك دافعت عن الروائية كريستا وولف، عندما اتهمت بضلوعها مع الشرطة السرية الألمانية الشرقية، المعروفة باسم «ستازي»، ودافعت عن الكاتب والتر جينز لضلوعه في الماضي مع الحزب النازي. فهل كنت في غمار القيام بذلك تفكير في شبابك؟
ـ لديّ مشكلة مع هذه النوعية من التعميمات الشاملة. وكل شخص مولود في عصر معين. ولست أريد رؤية أي شخص يواجه هذه الظروف التي سادت في ذلك الوقت، عندما كانت هناك بدائل محدودة، أو لم تكن هناك بدائل على الإطلاق.
*تعرضت لموقف فظيع في عام 1967 خلال قراءة لـ «مسكن موضعي» في مؤتمر كنسي. فقد أقبل رجل إلى المنصة، وقال إنه يريد أن يكون استفزازياً، وحيا رفاقه من رجال فرق إس.إس وابتلع كبسولة من سم السيانيد، ولقي حتفه. ما الذي اعتقدته في ذلك الوقت؟
ـ كانت حادثة تبعث على الشعور بالصدمة. وعندما زرت عائلة شويب، بعد ذلك بعدة أسابيع، وتحدثت مع أرملته وأبنائه، وعرفت المزيد عن هذا الرجل، الذي كان متمزقاً تماماً، فهو من ناحية كان من رجال فرق الإس.إس، وفي الوقت نفسه كان يعتبر نفسه من دعاة التهدئة والسلام كنتيجة لتجاربه في زمن الحرب، وساعد اثنين من أبنائه اللذين أرادا الامتناع عن التجنيد لأسباب تتعلق بالضمير على كتابة بيانات اعتراضهما. يا له من رجل غريب! وقد أصدرت إحدى بناته لتوها كتاباً اقتطفت فيه فقرات كنت قد كتبتها عن هذه الحادثة في كتاب «مذكرات حلزون» لأن الأمر أثر فيَّ بعمق.
*ألم يكن مصدر ارتياح بالنسبة لك أن تكون قادراً على الكتابة عن تجاربك المماثلة؟
ـ من الصعب القول بذلك. ولم أقم بهذا، وسيتعين على الاكتفاء بما قمت به، ومن المؤكد أنني سأستمع إلى هذه الاتهامات على امتداد وقت طويل في المستقبل. وكل ما يمكنني قوله حيال هذه القضية هي أنها موضوع من موضوعات هذا الكتاب. وقد أمضيت ثلاث سنوات عاكفاً على إنجازه، وقد كتبت كل شيء يتعين على قوله عنه، وكل شيء أقوله الآن هو على سبيل التفسير من حيث ارتباطه بالكتاب.
*تظهر كلمات «الذنب» و«العبء» و«الخوف» بصورة متكررة في الكتاب ، حيث تكتب، على سبيل المثال: «في اللحظة التي استحضر خلالها الفتى ذا الثلاثة عشر عاماً الذي كنته في ذلك الوقت، وأتابع ما كان بصدده وأحس بغواية إصدار حكم عليه، فإنه يراوغني. فهو لا يرغب في أن يقوَّم أو يصدر حكم عليه. وهو يهرب إلى جحر أمه. ويقول: (كنت صبياً فحسب). هل يكشف هذا عن دافع أوسكار (في رواية الطبل) والذي يقول: «إنني لست مسؤولاً من الأمور التي أتيتها وأنا طفل».
ـ من المؤكد أن ذلك جزء من المسألة. ولكن من الصحيح كذلك أنني ينبغي أن أفرض قيوداً على نفسي. وأنا أفاجئ نفسي في غمار حكمي على ذاتي باعتباري ذلك الفتى ذي الثلاثة عشر عاماً، الذي يشير محقاً بالطبع إلى أنه طفل فحسب. وعضويتي... حسناً، لقد تم تجنيدي في فرق وافن إس. إس. ولم أتطوع بالضبط، وهو تصرف غبي بالقدر نفسه. لقد أردت أن أكون في الغواصات، ثم انتهى بي الأمر إلى الانخراط في صفوف فرق وافن ـ إس. إس.
*لماذا تطوعت؟ هل أردت أن تكون بطلاً؟
ـ ربما كان ذلك جزءا من الأمر، ولكن ربما كان راجعاً كذلك إلى الافتقار إلى المجال في البيت في شقة أبوي. وكما كانت الحال مع الكثيرين ممن نشأوا في مثل هذه الأحياء الضيقة في تلك الأيام، فإن شق الطريق إلى الجبهة، والتحول إلى جندي كان تجربة محررة بمعنى من المعاني، تحرر من سوء الفهم القاتل هذا.
محطات في مسيرة غراس
*ولد الكاتب والروائي والشاعر والفنان التشكيلي الألماني غونتر غراس عام 1927 في دانزج لأبوين ألمانيين ـ بولنديين. وبعد أدائه الخدمة العسكرية في الجيش الألماني وأسره من قبل القوات الأميركية (1944 ـ 1946) عمل مزارعاً وعاملاً في منجم وبناء ودرس الفن في دسلدورف وبرلين. وفي السنوات 1956 ـ 1959 عمل في باريس نحاتاً وكاتباً ثم انتقل إلى برلين. صدر أول ديوان له في عام 1956 وقدمت أول مسرحية له في 1957. وعرف الشهرة العالمية عبر أول رواية له والتي حملت عنوان «الطبل» وتوالت منذ ذلك الحين أعماله الشهيرة، وأبرزها «قط وفأر» و«يوميات حلزون» و«الفأر» و«قرني».
*انخرط في العمل السياسي في الستينيات فصاعداً، وأصبح أقرب ما يكون إلى الناطق باسم الضمير الألماني، وهو من الأدباء القلائل على مستوى العالم الذين أقيم لهم متحف باسمهم وهم لايزالون على قيد الحياة.
* تلقى عدداً كبيراً من الجوائز وآيات التكريم، ومن بينها جائزة نوبل للأدب، جائزة بوكر، جائزة فونتاني، وسام الكسندر ماياكوفسكي ودرجات الدكتوراه الفخرية من العديد من جامعات العالم ومن بينها جامعة هارفارد.
*أثار ضجة كبرى بكتابه «تقشير البصلة» وهو الجزء الأول من مذكراته، والذي اعترف فيه بأنه عمل في يفاعته مدفعياً في دبابات فرق الإس. إس. الألمانية قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية.
منى مدكور