صدر عن دار نهضة مصر كتاب «الدبلوماسية في زمن الهيمنة الأميركية، مفاهيم وممارسات في السياسة والعلاقات الدولية»، للكاتب محمد عبد الهادي علام، الذي عمل لسنوات محللاً للعلاقات السياسية الدولية في صحيفتي الأهرام والحياة اللندنية.
ينطلق الكتاب من حقيقة استخدام مفاهيم ومصطلحات وتعبيرات وأدوات في السياسة والعلاقات الدولية، بعضها موجود منذ زمن بعيد، وبعضها الأخر ارتبط بالتطورات والأحداث التاريخية، ولكن قسماً كبيراً منها كان نتاج الحربين العالميتين الأولى والثانية، وانهيار الاتحاد السوفييتي، والذي انهارت معه موازين القوى، والقيم الأخلاقية، حيث تشيع في عصر الهيمنة الأميركية دولياً والهيمنة الإسرائيلية إقليمياً ممارسات غير أخلاقية في السياسة والعلاقات الدولية ابتعدت بالدبلوماسية كثيراً عن قيم العدالة واحترام القانون. وقد شهدت أدوات الدبلوماسية ـ في السنوات الأخيرة ـ طبقاً لما يقدمه المؤلف في كتابه، تطوراً ملحوظاً.
حيث ظهرت في ممارستها مجموعة من المفاهيم، يبدو بعضها طريفاً وبعضها يثير الاشمئزاز، وتدخل في صلب العمل السياسي على مستوى التخطيط والتنفيذ، فقد كانت استخدامات الكذب مثلاً في السياسة هي: المراوغة والتهرب من الاستحقاقات، أما الآن فقد بات الكذب أداة أو مظلة، وسياسة لشن عدوان واحتلال بلدان، كما هو الحال في العراق.
ومن النماذج التي يعرضها المؤلف للدلالة على مفاهيم سياسية هامة مفهوم «اعتذار تحت الابتزاز»، فمن المعروف أن السياسة الدولية لا تخلو من اعتذارات تحت الابتزاز، حيث تحفل السياسة الدولية بالعديد من الاعتذارات لإسرائيل تحت ضغط الابتزاز وشن الحملات الدعائية ومقصلة الاتهام بمعاداة السامية.
فقد اضطرت شركة الطيران الفرنسية (إيرفرانس) إلى نشر اعتذار رسمي للإسرائيليين الذين أقلتهم طائرة الشركة من باريس إلى تل أبيب في أحد أيام شهر يوليو 2002؛ لأن قائد الطائرة أعلن، قبل الهبوط، قرب الوصول إلى «فلسطين ـ إسرائيل»! وذلك بعدما نجحت حملة الابتزاز ضد محطة التلفزيون الأميركية «سي إن إن» في يونيه 2002، بسبب مساواة صاحب المحطة تيدي تيرنر بين الإرهاب الإسرائيلي والإرهاب الفلسطيني ـ على حد زعمه ـ في إجبار المحطة على تقديم اعتذار لإسرائيل برغم أن نصف هذه التصريحات لم تكن محايدة.
وتحت ابتزاز آلة الدعاية الصهيونية واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة لبولندا، بعدما ذكر كتاب صدر في مارس 2001 بعنوان «الجيران» للكاتب اليهودي البولندي جان توماس جروس أن المسؤولين البولنديين والكنيسة الكاثوليكية يتحملون مسؤولية تنفيذ عمليات حرق لليهود خلال الحرب العالمية الثانية في مدينة جيدوابن عام 1941، نجحت إسرائيل في الحصول على وعد من الرئيس البولندي ألكسندر كواسينوسكي بتقديم اعتذار ليهود المدينة، وإن كان رفض تحمل المسؤولية؛ لتجنب الدخول في نفق التعويضات الذي لا يبدو ضوء في نهايته بالنسبة لألمانيا.
وخلال نفس الشهر اعتذر الرئيس اليوغوسلافي فويسلاف كوستونتيشا لليهود والغجر عن حملة نازية استهدفتهم ضمن موجة من الهجمات النازية بالملصقات ضدهم. وفي اعتذار عبر الهاتف، أبلغ وزير خارجية النرويج توربيو نياغرون، في مارس 2001، نظيره الإسرائيلي شيمون بيريز اعتذار بلاده عن تصريحات مدير عام الوزارة بحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال المشروعة بالسلاح، في اعتذار عما لا يجب- حسب المواثيق الدولية والقانون الدولي- الاعتذار عنه.
أما أسوأ اعتذار جاء ضد حركة التاريخ، فقد صدر من السكرتير العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان، في ديسمبر 1999، خلال لقائه مع ممثلي المنظمات اليهودية في نيويورك، فالرجل قلب حقائق التاريخ، وسار عكس مبررات قرارات الشرعية الدولية، واعتذر لليهود؛ لأن «الأمم المتحدة قدمت خدمات لكل شعوب العالم باستثناء الشعب اليهودي... ولأنها اتخذت أيضاً مواقف منحازة ضد إسرائيل!!».
خالد عزب
*الكتاب:الدبلوماسية في زمن الهيمنة الأمريكية مفاهيم وممارسات في السياسة والعلاقات الدولية
*الناشر:نهضة مصر ـ القاهرة 2007
*الصفحات:327 صفحة من القطع المتوسط