مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الأميركي توماس ستريسفوت المختص بكتابة سير العظماء، وهو يقدم هنا سيرة حياة واحد من أهم الكُتّاب الأميركان في القرن التاسع عشر وربما في كل القرون. فمن هو ادغار آلان بو يل ؟ من هو هذا الشخص الذي تحول إلى أسطورة فيما بعد؟
على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلاً: لقد ولد ادغار الآن بو عام 1809 في مدينة بوسطن ومات عام 1849 في مدينة بالتيمور عن عمر لا يتجاوز الأربعين إلا قليلاً. ومع ذلك فقد ملأ الدنيا وشغل الناس ولا يزال. ومعلوم أن الشاعر الفرنسي الشهير بودلير كان يعتبره من أعظم الكتاب ولا يحلف إلا باسمه، وقد أمضى عمره في ترجمة أعماله إلى اللغة الفرنسية. ولا تزال ترجمته مستخدمة ومعتمدة حتى الآن. وقد فقد ادغار الآن بو أمه وأباه بعد سنة أو سنتين من ولادته. وبالتالي فهو لا يتذكر شيئاً عن عائلته. ثم تبنته عائلة أميركية غنية وعطفت عليه وهو المحروم من كل عناية. وقد درس في أحسن المدارس الأميركية وابتدأ يهتم بالأدب منذ نعومة أظفاره كما يقال. وكان مولعاً بشعر اللورد بايرون أحد رواد الأدب الرومانطيقي في انجلترا.
ولكن والده بالتبني ابتدأ ينزعج منه بسبب شخصيته الفخورة والقوية. يضاف إلى ذلك أنه كان يريد أن يصنع منه تاجراً وأما هو فلم يكن يفكر إلا بالشعر والأدب. وعلى هذا النحو ابتدأت الخلافات بينهما. فشتان ما بين التجارة وما بين الأدب! ثم يردف المؤلف قائلاً: وفي عام 1826 دخل الشاب ادغار الآن بو إلى الجامعة لأول مرة في ولاية فيرجينيا وكان عمره سبعة عشر عاماً. وهي الجامعة التي أسسها توماس جيفرسون أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأميركية.
وهناك تابع بكل ألمعية وذكاء دروساً في الآداب وفي اللغات القديمة والحديثة. ولكن مصاريفه الزائدة عن اللزوم أزعجت والده بالتبني فرفض أن يدفع له أقساط الجامعة وسحبه منها في نهاية المطاف ووظفه في دكان للبيع لكي يشتغل بالتجارة. وفي ذات الوقت رفضته خطيبته بعد أن أقنعها والدها بالزواج من رجل غني. وهكذا ابتدأت المصائب تنهال على رأس كاتبنا الكبير المقبل. وسوف يكون لذلك تأثير كبير على نفسيته وشخصيته لاحقاً.
وفي عام 1827 هرب من البيت العائلي بعد أن رفض والده تسجيله في الجامعة من جديد. ثم ذهب إلى مدينة بوسطن لكي يعيش بشكل حر ويتفرغ للأدب. وهناك أمضى شهرين كممثل أو كجندي، لا أحد يعرف. والواقع أنه انخرط بعدئذ في الجيش لكي يكسب رزقه بكل بساطة. وفي ذات الوقت نشر أولى مجموعاته الشعرية بعنوان: تيمور لنك وقصائد أخرى. ولكن لم يُطبع منها إلا خمسون نسخة. وقد كانت بداياته صعبة في مجال الأدب لأن أحدا لم يعرف أهميته ولم يقدره حق قدره. وهذا ما يحصل لعباقرة عديدين في الواقع. ففي البداية نادراً أن تعرف قيمتهم.
واشتغل عندئذ في الصحافة الأدبية لكي يكسب عيشه كما يقال. ولكن مدير التحرير عاب عليه إدمانه على الشراب، وهي عادة سوف تلاحقه حتى النهاية بل وستكون السبب في موته المبكر.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ولكن ماذا يفعل إذا كانت التعاسة تلاحقه من مكان إلى مكان وإذا كان الفقر هو حظه ونصيبه؟ وهكذا ظل يتنقل من جريدة إلى جريدة ومن مجلة إلى مجلة دون أن يتوصل إلى نتيجة تذكر. ثم فجأة ابتسم له الحظ ووظفوه لأول مرة براتب سنوي يبلغ ثمانمئة دولار. وكان ذلك عام 1841، أي وهو في الثانية والثلاثين من عمره. وكان صاحب المجلة صديقه جورج غراهام. وفي مجلته نشر معظم مقالاته الكبرى. ومعلوم أنه كان ناقداً أدبياً من الطراز الأول وليس فقط شاعراً كبيراً أو روائياً خطيراً. كان حب الأدب يغلي في عروقه ويختلط بدمائه. وكانت تلك هي الفترة الأكثر سعادة في حياته. بعدها لم يعرف إلا الشقاء حتى مات.
وفي تلك الفترة راح يهاجم بعنف كبار المتسلطين على النقد الأدبي في المجلات والجرائد ودور النشر الأميركية. وقد اعتبرهم بمثابة الطغاة المستبدين ثم الجاهلين بالأدب الحقيقي في ذات الوقت. وقد أدت مقالاته الهجومية الناجحة إلى زيادة مبيع المجلة التي يشتغل فيها حتى وصلت إلى خمسة وعشرين ألف نسخة. وهو رقم زهيد حاليا ولكنه كان ضخما بالنسبة لذلك الزمان، وهذا أكبر دليل على مدى حجم موهبته الأدبية والنقدية. ولكن القدر كان له بالمرصاد، فقد أصيبت زوجته الشابة بالشلل، وبقيت بين الحياة والموت عدة أشهر. وأثر عليه ذلك كثيرا وجعله يمعن في السوداوية والشراب لكي ينسى همومه. وأصبح ادغار آلان بو رمزا للشعر الملعون أو المنبوذ الذي تحدث عنه بودلير وفيرلين لاحقا.
وفي عام 1842 التقى ادغار الآن بو بالروائي الانجليزي الشهير تشارلز ديكنز، وكان هذا الأخير يقوم بجولة في أميركا لإلقاء المحاضرات والاستمتاع بشهرته وأمجاده الأدبية التي وصلت أصداؤها إلى بلاد العم سام. ثم أغلقت مجلته أبوابها وراح يبحث عن عمل من جديد. وقد قدم أوراقه لكي يحتل منصب موظف في قسم الجمارك الأميركية. ولكنه في اليوم المحدد لمقابلة رئيس الجمهورية الأميركية لم يستطع أن يحضر لأنه كان سكرانا ينط في نوم عميق. ولذا عاد إلى الكتابة في الصحافة من جديد لكي يعيش من مقالاته الأدبية أو النقدية. وهكذا لم يحظ رئيس جمهورية أميركا بمقابلة أكبر كاتب في ذلك العصر.
وفي عام 1845 نشر قصيدته الشهيرة باسم «الغراب». وقد لاقت نجاحا منقطع النظير في أميركا. وقد تلقنتها مختلف الجرائد الأميركية ونشرتها بعد أن أخذتها عن الجريدة الأصلية «ايفنينغ ميرور». وعندئذ ابتدأت شهرته الأدبية تصعد فعلا في مختلف الأوساط المثقفة. عندئذ أصبح رمزا على الأدب الجديد والشعر الحر.
ثم يردف المؤلف قائلا: ولأول مرة قبلت كبريات دور النشر الأميركية بطباعة مؤلفاته ودواوين شعره، بل وراحت تتنافس عليه. وهكذا نشروا مجموعة الغراب وقصائد أخرى عام 1845 في إحدى أهم دور النشر في نيويورك. ثم ابتدأ في تلك الفترة يؤلف كتابا بعنوان: التاريخ النقدي للأدب الأميركي. ولكنه سرعان ما تخلى عنه لأنه ما كان يتحلى بالصبر الكافي للقيام بعمل أكاديمي من هذا النوع: أي عمل طويل الأمد ويحتاج إلى مثابرة.
ثم ماتت زوجته وهي في الرابعة والعشرين من عمرها. وأصبح هو الآخر مريضا أيضا. وفي عام 1947 ابتدأ كتابة قصدية نثر طويلة بعنوان: مقالة عن الكون المادي والروحي. وفي ذات الوقت راح ينخرط بشكل مسعور في البحث عن العلاقات النسائية. وقالت له إحداهن بأنها مستعدة لقبول عرضه بالزواج منها إذا ما كف عن شرب الكحول، فوعدها وتم الزواج. ولكنها تلقت بعد يومين رسالة سرية تفيد بأنه يخونها مع إحدى صديقاتها وأنه عاد إلى الشراب في إحدى الحانات، فتركت بيت الزوجية فورا. وفي تلك الفترة ألقى محاضرة هامة جدا عن الفن الشعري. ولكنها لن تنشر إلا بعد موته، وفيها يلخص نظريته عن الشعر. ومعلوم أن كل شاعر كبير ناقد كبير. انظر بودلير أو رامبو أو سواهما.
ثم وجدوه ميتا في الشارع في الثالث من أكتوبر عام 1849، أو قل أنه كان بين الحياة والموت فنقلوه إلى المستشفى حيث مات. ويبدو أنه كان سكرانا عندما خرج ليلا من إحدى الحانات فاعترضه بعض الزعران وضربوه وسرقوه وألقوه أرضا. وهكذا مات أكبر شاعر أميركي في ذلك العصر ميتة السوقة أو الصعاليك.
ويرى المؤلف أن تأثيره على الآداب العالمية كان كبيرا وبخاصة على الأدب الفرنسي والروسي هذا ناهيك عن الأميركي والانجليزي. ويعترف بودلير ومالارميه بتأثيره عليهما، وكذلك دوستويفسكي وأدباء آخرون كثيرون. ويبدو أنه كان يكتب على حافة الجنون، من هنا عظمة إبداعه واتساع خياله.
*الكتاب: إدغار آلان بو
*الناشر:مطبوعات ليرنير - نيويورك 2007
*الصفحات: 112 صفحة من القطع الكبير
Edgar Allan Poe
Thomas Streissguth
Lerner Publications-N.Y2007
p.112