مؤلف هذا الكتاب هو السفير الراحل نجم الدين عبد الله حمودي عمل في السلك الدبلوماسي العراقي ثم انتقل الى الإمارات حيث ساهم في تأسيس وزارة الخارجية لدولة الاتحاد وشغل مناصب عدة فيها الى أن رحل عن عالمنا عام 1999. وقد صدر له من قبل عدة كتب يقوم على مشروع إصدارها نجله وفاء لذكرى والده وتنفيذا لرغبة منه. من هذه الكتب والتي عرضنا لبعضها من قبل «رؤى حضارية» و«قيام دولة الإمارات العربية المتحدة» و«الطاقة والعلاقات الدولية».
والكتاب الذي نعرض له حصيلة سنوات عمل وذكريات في مجال الخدمة في السلك الدبلوماسي العراقي قاربت العقدين تبعتها حقبة ثرية من الخدمة السياسية دامت لما يقارب الثلاثة عقود تركزت بشكل أساسي حول الخدمة في موطن المؤلف الجديد ـ إمارة أبوظبي. وقد اهتم المؤلف بتدوين المعلومات والملاحظات عن الأحداث التي مرت اثناء اشتغاله في السفارات العراقية في بروكسل وجدة والقاهرة وكابول ولندن وغيرها. ومن خلال صفحات الكتاب نلحظ تاريخا مدونا من خلال أوراق دبلوماسية ومذكرات وتقارير وملاحظات ومحاضرات واستنتاجات مشبعة بالأراء تعتمر بها ذاكرة السفير مستقاة من قنوات دبلوماسية بعضها سلس وبعضها وعر وغيرها موصد وأصم أحيانا.
ويقدم لنا المؤلف من خلال مذكراته التي تضمنها الكتاب لمحة عن مرحلة خدمته في السلك الدبلوماسي منتقلا بنا الى ما يصفه بـ «دراسات دبلوماسية»، عارضا لنا بعض ذكرياته في عدد من محطات عمله ومن خلالها ينقلنا الى تناول مجموعة من القضايا التي عايشها يقدمها لنا بأسلوب المحلل الخبير الذي زادته خبرة المعايشة الدبلوماسية واقعية وحنكة في نظرته لتلك القضايا.
ما أشبه الليلة بالبارحة.. هي العبارة التي ترد على البال لدى الإنغماس في متابعة مادة الكتاب والتي نتابع من خلالها المساحة الشائكة التي تحركت عليها العلاقات البينية من مصالح وتضادات وتنازلات وتجاوزات وما تخللها من أساليب ضغط ترهيبا أو ترغيبا الأمر الذي وصل حد العدوان وضرب المدن والإحتلال العسكري أحيانا.
في سياق المحطات التي يتطرق لها المؤلف نتوقف في محطة موسكو حيث يقدم لنا الكثير من القضايا الهامة بخصوص هذه المرحلة نشير منها الى تناوله لجانب العلاقات الخليجية السوفييتية حيث يؤكد على الهدف الروسي الأصيل بالحصول على مرفأ على الخليج العربي يؤدي الى مياه المحيط الهندي الدافئة الأمر الذي بقي في مخيلة الروس حتى مرحلة متأخرة ولجأوا من أجل تحقيقه الى أساليب عدة منها إرسال بعثات وتقديم مشروعات مد خطوط سكك حديد أو زيارات تقوم بها قطع الأسطول الروسي.
ويشير المؤلف الى رأيه الشخصي في تلك الفترة حيث كان يرى ضرورة النظر في إقامة علاقات خليجية مع الإتحاد السوفييتي باعتبار المحافظة على التوازن في علاقات دول الخليج مع الدول الكبرى وأن تكون هذه الدول حذرة من الاندفاع في مسايرة هذه القوى لأنها لا تنظر في تطوير علاقاتها إلا من ناحية المنافع المادية التي تجنيها من تلك العلاقات. ثم يعرض لنا بعض ملامح عن محطة القاهرة متطرقا الى أزمة العلاقة بين النظام المصري برئاسة عبد الناصر والعراق.
ومن الجوانب المثيرة التي يتطرق اليها المؤلف ـ والعهدة عليه حسبما ورد في الكتاب ـ أن نوري السعيد كان قد حصل على موافقة شفوية من ناصر بالشروع في خطوات حلف بغداد إزاء ظروف العراق آنذاك وعلاقاته خاصة مع الجارة تركيا حيث أنه رجا مشاركة مصر واذا تعذر ذلك فعلى الأقل عدم المعارضة وأخذ وعدا بذلك غير أنه فجأة بعد قيام الحلف إنبرت مصر في الحملة الشديدة التي كانت من بين أسباب ثورة 14 يوليو ـ تموز ـ 1954 في العراق.
يتنقل بنا السفير نجم الدين حمودي بعد ذلك على عدد من القضايا الهامة والمصيرية التي واجهها العرب على مدى عقود النصف الثاني من القرن الفائت ومنها قضية السلام المصري الإسرائيلي وفي ذلك يصف تحرك الرئيس الراحل السادات بأنه كان بمثابة قفزة الى المجهول بمحض إرادته وبدون تحريضات وتخطيطات ملتوية ومدبرة. ويضيف واصفا موقف الرئيس المصري آنذاك: إنه أصبح أقرب الى المعالم التراجيدية البطولية المرتبكة كبطل من أبطال تراجيدا شكسبير. ويستطرد آخذا على خطوة السادات تلك بأنها جاءت فردية وأنه استغل تذمر الشعب المصري من أوضاعه المتعبة خلال العقد الأخير وما قبله فحمل السياسة والدبلوماسية العربية مسؤولية تلك المتاعب.
وفي تعليق على موقف الولايات المتحدة المساند لإسرائيل خلال تلك الفترة ـ وما زال ـ يشير المؤلف إلى أنها كغيرها وبرغم كل تصريحاتها عن المبادئ الديمقراطية وحق تقرير المصير وحقوق الإنسان تحترم القوة أولا وقبل كل شيء.. وإسرائيل تملكها (القوة).
وعن أبعاد التوتر في العلاقات السورية العراقية يشير المؤلف الى أنه رغم اشتراك قوات عراقية الى جانب السورية في حرب أكتوبر فإن التقارب الذي حصل في فترات متعددة ـ قصيرة الأمد ـ لم يتم على أسس متينة بل هو مجرد تصرفات ارتجالية اقتضتها الظروف الآنية والعاطفية المنبعثة من الأهواء الشخصية. وفي نبرة أسى على مآل العلاقات بين الدولتين يقول حمودي: في مقدمة مآسي الأمة أن تبقى الخلافات مستمرة بين بلدين يشكلان قلبها ورمز حيويتها ومما يدعو الى الغرابة أن عناصر الألفة والتوافق هى أكثر بكثير من عناصر الفرقة والتباعد بين الشعبين.
ثم يعرض لنا جانبا من تطور الأوضاع في اليمن في ضوء ما كانت تمثله قاعدة عدن من حيوية للاستعمار البريطاني، الأمر الذي ألقى بظلاله على وضع اليمن بشكل عام وبتأثيرات سلبية على العلاقات العربية وبشكل خاص لجهة التنافس المصري السعودي على الاوضاع هناك. ويخلص من ذلك الى أن التحديات الداخلية في اليمن إنما ترتبط ارتباطا وثيقا بالتركة الثقيلة التي خلفتها بريطانيا في جنوب اليمن.
وفي تحديد لرؤيته بشأن ما ينبغي عمله يعرب المؤلف عن اعتقاده بأنه اذا ما تكللت المساعي والجهود التي تبذل لتسوية الخلافات بين صنعاء وعدن ـ خلال عقد السبعينات ـ وشعر الجانبان بالإطمئنان ووجها جهودهما ومواردهما الى التنمية والبناء وانصرفا كليا عن التناحر والتآمر فإن الحملة الإصلاحية العارمة لابد أن تؤتي ثمارها ويستطيع هذا الشعب العبور ومواصلة طريقه نحو التقدم والإزدهار. وقد تحققت هذه الرؤية الى حد كبير حيث تم توحيد شطري اليمن لتبدأ مرحلة من التنمية في البلاد.
ومن القضايا القطرية يتطرق الى قضايا إقليمية ودولية ومنها قضية الحوار العربي الأوروبي وكانت كلمة الحوار كلمة جديدة في قاموس السياسة الدولية آنذاك وقد برزت فكرة الحوار العربي الاوروبي في أعقاب حرب أكتوبر 1973. أما عن الفشل الذي آل اليه هذا الحوار فيرجعه نجم الدين حمودي الى غياب استراتيجية عربية ذات أهداف وأولويات واضحة بالإضافة الى انعدام المتابعة في أعمال اللجان وفقدان الجدية في مواصلة العمل والإيمان بجدوى الحوار.
وفي تأكيد على إيمانه بأهمية هذا الحوار وضرورة الحرص على إنجاحه يقرر المؤلف أنه.. علينا أن ندرك بأننا نتعامل مع أضخم منظمة دولية وهي السوق الأوروبية المشتركة التي تضم الكفاءات العالية والخبرات النادرة ولا بد لنا أن نواجه التنظيم بتنظيم مماثل وشامل. وعلى هذا الأساس يقدم تصورا بشأن الخطوات العملية التي ينبغي القيام بها عربيا خلال المراحل المقبلة.
وإزاء حيوية الدور التركي في المنطقة يرصد المؤلف بعض تطوراته وأبرزها رفض الحكومة التركية في السبعينيات توصيات المجلس الوزاري لحلف الأطلسي التي تقضي بزيادة عدد قواتها المسلحة ثم إعلانها الإنسحاب من مشروع القوة النووية المتعددة الأطراف وهو ما أرجعه الى خيبة أمل الأتراك من موقف الغرب من قضية قبرص خلال السبعينات، ويعتبره في الوقت نفسه بمثابة نهوض ما تبقى من الرجل المريض.
وعلى خلفية هذه التطورات كانت دعوة المؤلف الى تشجيع الأتراك في رغبتهم التي بدت آنذاك بالتقارب مع الدول العربية وهى الرغبة التي أعربت عنها حكومة إينونو بغض النظر عن اتجاه معظم أعضاء الوزارة التركية والميول الغربية المعروفة عن غالبيتهم. ويذكر في معرض التأكيد على ثمرة رؤيته أنه لأول مرة في ظل هذا التوجه في تاريخ العلاقات العربية التركية يقوم وزير خارجية تركي في خطاب له بالأمم المتحدة بذكر قضية فلسطين وهو ما يستحق الثناء والتقدير.
ويفرد المؤلف قسما خاصا للعلاقات العربية الأميركية وفيما يمثل ملخصا لمجمل مسيرة هذه العلاقات يعرض لنا مقولة دبلوماسي أميركي هو هارولد ماينر حيث يقول: «في رأيي أن أعظم خطأ اقترفناه في سياستنا الخارجية في الشرق الاوسط هو إعداد تلك السياسة على اعتبارات محلية دون النظر الى علاقتها بالأمن العالمي أو بمصالح الامة. وهنا أشير الى الطريقة التي آزرنا بها المصالح الصهيونية في فلسطين ومن ثم إسرائيل النابعة من رغبة الحزبين السياسيين في جلب أصوات الناخبين الصهيونيين في الولايات المتحدة، ونجم عن ذلك تقويض حسن النية والسمعة الحسنة التي نشأت عليها الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي».
ورغم ذلك يشير المؤلف الى أنه على رغم اتفاق الملاحظات كافة من قبل الكثيرين من الدبلوماسيين والمحللين الأميركيين بشأن التحديات والأخطاء التي وقعت فيها الولايات المتحدة بشأن الشرق الأوسط فإن هذه الرؤى تختلف الى حد كبير فيما يتعلق بالتوصيات حول الإجراءات التي تتخذ في المستقبل. ويقدم لنا نجم الدين حمودي رؤية متكاملة بشأن قضية التسلح النووي عرضها كممثل عن الإمارات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1978 حيث أشار الى أن سباق التسلح ولا سيما النووي يهدد البشرية بالفناء المحتم وأنه يزداد اتساعا ويستنفد المزيد من الموارد والطاقات.
وفضلا عن ذلك، حسبما ذكر في ذلك الوقت، فقد تكاثرت الدول التي تمتلك الأسلحة النووية كما أن عددا من الدول الأخرى في طريقها الى ذلك في المستقبل القريب ـ وهو ما تحقق بالفعل بدخول الهند وباكستان النادي النووي ـ وعلى هذه الخلفية يتساءل عن أنه اذا استطاعت الدول المالكة للأسلحة النووية أن تضع الضوابط التي تحول دون نشوب حرب نووية فيما بينها فكيف يكون الحال اذا ما اتسعت الدائرة النووية وشملت بعض مناطق التوتر؟ وعلى خلفية مثل هذا التناول للعديد من القضايا العربية والدولية يمكن لنا أن نفهم تطورات بعض ما يحصل في عالم اليوم.
ألفت عبدالله
*الكتاب:العلاقات البينية: العربية والدولية
*الناشر:المؤلف ـ أبوظبي 2007
*الصفحات:687 صفحة من القطع الكبير