يستعرض القائد سلطان باشا الأطرش في كتابه «الثورة السورية الكبرى» الصادر عن دار طلاس، مذكراته الخاصة عن تجربته الكفاحية في محاربة الغزو الفرنسي وذلك بسرد أحداث ووقائع الثورة السورية الكبرى. سلطان باشا الأطرش من مواليد مارس 1888 ببلدة القريا ـ محافظة السويداء، من والدين ينتميان إلى الأسرة الطرشانية وهو بطل من أبطال الثورة السورية الكبرى، وقائدها العام.
استعرض القائد النزعات التي كانت قائمة في الجبل مع السلطة العثمانية والتي كانت تلجأ إلى أسلوب إثارة الأحقاد الدينية في المنطقة، واستغلال الحوادث التي كانت تقع لتبرير الحملات العسكرية الكبيرة التي كانوا يجرونها بقصد إخضاعهم لأنظمتهم الفاسدة وقوانينهم الجائرة في غفلة من ضمائر العرب في كل مكان، وذلك عن طريق ترويج الدعايات الكاذبة المغرضة والتهم الباطلة الموجهة للدروز، كالكفر والإلحاد والزندقة والتمرد على الخلافة، وذلك بواسطة الفتاوى الصادرة عن بعض المشايخ المأجورين في الحواضر الكبرى والتي تبيح قتل الدروز وتدمير قراهم وحرق بيوتهم، وذلك أثناء حملات عديدة، ضدهم وضد أبناء طائفتهم بلبنان في أزمنة سابقة.
تطرق سلطان باشا إلى آخر الحملات التي أقيمت في الجبل وهي حملة سامي باشا الفاروقي التي عاصر حوادثها وعاش بعض وقائعها، فكانت مهمة سامي باشا في قيادة الحملة والدخول بها إلى الجبل وذلك لرغبة الحكومة العثمانية الملحة في توطيد سلطتها في المنطقة وإشاعة الأمن والطمأنينة في ربوعها - وذلك بسبب خلافات أهالي بصرى الحوارنة وأهالي القريا الدروز التي أدت إلى اشتباك قتل فيه بعض الأفراد من الفريقين ـ وضرورة تجريد السكان من السلاح دون استثناء وجباية الأموال الأميرية، وسوق الشبان المكلفين إلى الجندية.
واستعرض القائد أحداث المعركة الحامية التي حضرها بمعية والده وذلك في أكتوبر عام 1910 ضد حملة سامي باشا، والتي كبدو فيها الأتراك خسائر فادحة بالرجال زادت عن 1000 قتيل من جملتهم قائد الحملة.وسلط سلطان باشا الضوء على إحدى المعارك الرهيبة التي جرت عند فجر 18سبتمبر 1911 ضد الأتراك، والتي قتل فيها خاله سليم وألقي القبض على مئات الوجوه والأعيان، وإصدار المحكمة العرفية بدمشق حكمها بالإعدام شنقاً على والده وخمسة من أعيان الجبل الآخرين، ومن التهم التي وجهت إليهم، تهمة الخروج على الخلافة والكفر بالإسلام، وقد نفذ الحكم بهم تباعاً وبوالده في 5 مارس 1911.
كما أصدرت المحكمة ذاتها أحكاماً بالسجن لمدد مختلفة على زعماء آخرين ونفي عمه يحيى إلى جزيرة رودس. وأشار القائد أن هذه الوقائع قد حدثت في غضون خدمته الإلزامية بالجيش العثماني نوفمبر 1910 والتي كانت في «الألاي» المتمركز في مدينة موناستير وهي تابعة اليوم ليوغوسلافيا وتقع في أقصى الجنوب الشرقي منها، بالقرب من الحدود اليونانية الألبانية، وكانت مدة الخدمة بكاملها ثلاث سنوات ولكن السلطة العثمانية قبلت البدل عن نصف الخدمة الثانية المتبقية ومقداره خمسون ليرة ذهبية، وقد كان ذلك تنفيذاً لرغبة والده الأخيرة وهو على حبل المشنقة.
وينقلنا سلطان باشا الأطرش إلى أحداث الثورة العربية الكبرى مستعرضاً سوء نوايا الأتراك ضد الأمة العربية التي بدت واضحة من خلال العمل على تنفيذ سياسة الاتحاديين التي اتخذها أحمد جمال باشا (القائد العام للقوات العثمانية في بلاد الشام) المقررة بنقل الفرق العربية من الجيش الرابع إلى خارج بلاد الشام وإحلال الفرق العثمانية محلها فيه، ثم ملأ السجون بالمعتقلين بعد الهزيمة التي مني فيها في جبهة السويد ونفي مئات العائلات إلى الأناضول، وتقديم الأحرار إلى الديوان العرفي بـ عالية، وتنفيذ حكم الإعدام شنقاً ببيروت ودمشق بأصدقهم وطنية وأخلصهم لأمتهم العربية، والذين كانوا بنظر شيوخ الدولة العثمانية (كفاراً، زنادقة، ملحدين).
وفي السياق نفسه، استعرض القائد الدور الإنساني الكبير الذي قام به أهالي الجبل تجاه المنكوبين المعوزين من أشقائهم والنازحين من معاملة كريمة، فكانت قراهم ملجأ أميناً لعدد كبير من أحرار العرب ومنطلقاً لنشاطهم السياسي المناهض للحكم العثماني الجائر.وبعد إعلان الثورة العربية ضد الأتراك، أكد سلطان باشا على المشاركة والانضمام إليها بطلب من الأمير فيصل بالتعاون معه، وكان ذلك نتيجة استلهامه من تاريخ طائفته الطويل ومواقفها السياسية والحربية المماثلة ضد العناصر الأعجمية التي تحكمت بهم في الداخل، والغزاة والطامعين الذين جاؤوا لاستعمارهم وسلب خيراتهم من الخارج.
وفي هذا الإطار، أكد القائد على جذور راسخة للحركة العربية في الجبل منذ أن كانت تنشط في الخفاء ببلاد العرب وفي عاصمة الدولة العثمانية. وبعد انضمام سلطان باشا الأطرش، وجيشه المؤلف من حوالي 3000 شخص في عام 1917 بقوات الأمير فيصل بن الحسين لشن حملتهم ضد السلطة العثمانية، ليعلن في 7 مارس عام 1920 استقلال سوريا بحدودها الطبيعية ومبايعة الأمير فيصل ملكاً عليها في اليوم التالي.
ويعتبر القائد الثورة العربية الكبرى وأمجاد معاركها المظفرة في جزيرة العرب وبلاد الشام من أعز الذكريات وأعمقها أثراً في نفسه على الرغم مما ظهر من محاولات فردية للتشكيك بجدواها في أول عهدها، ومما يطلقه البعض في أيامنا هذه من تهم باطلة وأحكام جائرة عليها لإخراجها من دائرة الحركات النضالية والثورات التحررية الأصلية في تاريخ العرب الحديث.
وينتقل سلطان باشا إلى مرحلة ما بعد الدولة العثمانية، وهي مرحلة الانتداب الفرنسي لسوريا بعد انهيار المقاومة الوطنية في 24 يوليو عام 1920 واستشهاد يوسف العظمة، وتقدم القوات الفرنسية نحو دمشق، مشيراً إلى استغلال المؤيدين للانتداب الفرنسي في الجبل تدهور الوضع السياسي العام في البلاد اثر انهيار الحكم الفيصلي، وقد باشر بعض مؤيديه سياسة فرنسا بعقد الاجتماعات في بعض القرى كان آخرها في مدينة السويداء بتاريخ 20ديسمبر عام 1920، قرر فيه المطالبة رسمياً باستقلال الجبل في ظل الانتداب الفرنسي.
وفي ربيع عام 1921 تشكلت حكومة جبل الدروز المستقلة برئاسة الأمير سليم الأطرش وقسم الجبل إلى ثلاث عشرة مديرية لكل منها مدير وضابط يديران شؤونها وانتخب أعضاء المجلس النيابي من معظم العائلات الوجيه في الجبل.
واستعرض القائد أحداث الثورة الأولى عام 1922 التي بدأ يشنها ضد الفرنسيين من خلال المعارك والغارات التي خلفت أثراً في الأوساط الفرنسية، والتي أدت إلى فتح الباب على مصراعيه لسماعي صلح جديدة.ونقلنا بعدها إلى الحوادث الممهدة للثورة الكبرى منذ عام 1922 ومنها الاجتماعات السرية في بعض القرى والمزارع للتداول في شؤون البلاد، خاصة منها اجتماع « مجدل الشور «، واستئناف الصلات بالعناصر الثورة الموثقة التي يمكن الاعتماد عليها في تكوين قيادات شعبية تنهض بأعباء الثورة بالمستقبل والتي أعطت ثمرتها المرجوة بعد قيام الثورة.
وأعلن القائد سلطان باشا الثورة الكبرى فجر 17 يوليو 1920 وذلك بعد أن تهيأت أسبابها وتفاعلات عواملها الأساسية بدوافع قيامها المباشرة والتحمت معها، فكانت واقعة الكفر التي انتصر فيها على المستعمر وبلغت الخسائر في الأرواح 54 شهيداً من بينهم أخوه مصطفى.
وتلتها معركة المزرعة في 31 يوليو التي انتهت في 2 أغسطس بعد الاندحار الحملة الفرنسية اندحاراً كاملاً وتبعثرت جثث قتلاها وهياكل مدرعاتها وآلياتها المختلفة وأسلحتها الثقيلة، وراح ضحيتها من الثوار 341 شهيداً عدى الجرحى والذين أصيبوا بعاهات دائمة من مجموع 4000 مقاتل من مختلف قرى الجبل. واستعرض القائد معاركه العديدة ضد الاستعمار الفرنسي ومن بينها حملة الجنرال غاملان ومعارك السويداء الأولى، ووقائع الثورة في حماة، ووقائع حملة الإقليم الأولى التي ضمت معارك مجدل عنجر، كفر مشكي، ينطى، حلوة، البيرة، والرفيد، الفالوج، قطنا، مجدل شمس الثانية.
كما تطرق سلطان باشا إلى حملة حوران والغوطة والقلمون واستئناف القتال فيهم، وبعدها امتداد الثورة إلى مناطق بعلبك وجبال أكروم والضنية، وامتدادها إلى الشمال والساحل السوري. إلى أن أثمرت هذه الجهود المبذولة في خدمة الوطن والقضية العربية برفع راية الاستقلال وجلاء الجيوش الأجنبية عن الأراضي السورية.
وفي إطار آخر سلّط سلطان باشا الأطرش الضوء على المذهب التوحيدي للطائفة الدرزية مؤكداً على أنه مذهب إسلامي في جوهرة وتعاليمه الدينية الصحيحة يدعو إلى توحيد الخالق وعبادته والقيام بجميع الفرائض الدينية والاعتراف بالشرائع السماوية المنزلة، ولم تقم به وتدعو له عناصر أعجمية شعوبية كما يتوهم الكثيرون وإنما دعاته عرب أقحاح كانت غايتهم منهم الإصلاح والتوحيد وهدفها الأسمى الوحدة العربية الشاملة وتحقيق العدالة والمساواة والتحرر سياسياً واقتصادياً من مختلف أشكال التبعية والسيطرة الأجنبية.
ناهد رضوان
*الكتاب: أحداث الثورة السورية الكبرى كما سردها قائدها العام سلطان باشا الأطرش (1925 - 1927)
*الناشر: دار طلاس ـ دمشق 2007
*الصفحات:423 صفحة من القطع الكبير