«اكتب كيفما تشاء، فالنقاد في شتى الأحوال كفيلون بالتأكيد للعالم أنه كان بإمكانك أن تكتب أفضل مما قدمت»، ذلك ما قاله أوليفر غولد سميث الروائي والمسرحي والشاعر الإيرلندي الذي اعتبر من أكثر كتاب اللغة الانجليزية شعبية سواء في عصره أو في العهود التالية. عرف عن كتاباته بأنها لامست كل أنواع الكتابة، لكنه لم يكتب أبدا عن أي أمر لم يستهوه، كما تميز أسلوبه بالكوميديا الساخرة واللغة الجميلة إضافة إلى تناوله المواضيع المرتبطة بالقيم الإنسانية النبيلة.

ولد غولدسميث عام 1730 في كنف عائلة متدينة، وبعد وفاة والده بعامين أتم دراسته لدورة في الأدب من جامعة دبلن عام 1749. وحينما كان في الثامنة عشر من عمره أصيب بمرض الجدري مما أدى إلى تشوه وجهه إلى الأبد مما دفعه لاحقا إلى تبذير ماله على الملابس الثمينة والحفلات الصاخبة.

ونظرا لكونه شخصا فوضويا لا مبالي، فقد أضاع العديد من فرص الحياة مثل الهجرة إلى أميركا وذلك بسبب تأخره عن موعد إقلاع السفينة. قدم له عمه بعد ذلك، دعما ماليا لدراسة القانون في لندن إلا أنه لم يذهب أبعد من أدنبرة حيث صرف ما في حوزته من مال على المقامرة. وفي عام 1752 تلقى مجددا معونة مالية لدراسة الطب في أدنبره إلا أنه بعد مضي عامين، ذهب في رحلة إلى أوروبا سيرا على الأقدام ويقال أنه تابع دراسته للطب خلالها، وكان يعيش من الأعمال المتفرقة التي كان يقوم بها.

وحينما وصل لندن عام 1756 كان معدما وعمل كطبيب للفقراء، وفي العام التالي عمل ككاتب بالقطعة في شتى المواضيع التي كلف بكتابتها وذلك للتحرر من ديونه بسبب إدمانه القمار. وتمكن أخيرا من الحصول على مورد مالي لا بأس به من خلال كتاباته في عدد من الدوريات. وفي عام 1761 ربطته صداقة متينة بالدكتور صموئيل جونسون الذي شكل دعما له سواء على الصعيد المالي أو الأدبي. وكما ساعده عمه في تخليصه من ديونه مرارا فإن صديقه جونسون قد حرره من السجن بسبب ديونه المتراكمة.

وأول عمل أدبي ناجح نشر له كان عام 1757 ويتمحور حول تجاربه التي اكتسبها خلال جولته في أوروبا. وفي عام 1773 حقق له عرض مسرحيته «انحدرت لتكتشف» على خشبة المسرح نجاحا أدبيا رسخه بعد ذلك بروايته «قس ضاحية ويكفيلد» التي نشرت عام 1776. وتحكي روايته «قس ضاحية ويكفيلد» حياة الدكتور القس بريمورس وزوجته وأبنائه الستة الذين عاشوا حياة متواضعة في بلدة بارس. كان وضعه المادي جيدا بعد استثماره لميراث من أحد أقاربه، وقد حظي بحب الجميع واحترامهم نظرا لتبرعه بدخله من عمله الذي يبلغ 34 باوند للأيتام وجنود الحرب.

تبدأ الأحداث مع الليلة السابقة لزواج ابنه البكر جورج من أرابيلا ويلموت الثرية التي تجمع بين والدها القس أيضا ووالده صداقة قديمة، وإن اختلف عنه والد أرابيلا بحبه للمال. في تلك الليلة يعلم القس بريمورس بخسارته لثروته بالكامل وذلك بسبب إفلاس وهرب التاجر المستثمر لأمواله. ونظرا لفضيلة القس وإصراره على إعلام عائلة العروس بوضعهم المالي الجديد، يبطل والد العروس الزواج. وتقرر العائلة الانتقال إلى ضاحية أكثر تواضعا وإرسال جورج الذي حظي بتعليم جيد في جامعة أوكسفورد إلى المدينة لبناء ثروته.

وخلال رحلتهما يعلمان بأن مالك الضاحية الجديدة ثورنهيل رجل مستهتر وزير نساء، وذلك بعكس عمه ويليام الذي عرف بكرمه وأخلاقه الحميدة وبحب وتقدير الجميع له. يلتحق بهم على الطريق رجل نبيل غير أنه فقير يدعى بورشيل. وحينما يواجههم الفيضان ينقذ بورشيل ابنة القس الكبرى وتدعى صوفيا، وذلك في الوقت الذي تسمر المفاجأة والدها. ومنذ تلك اللحظة تنجذب صوفيا إلى بورشيل إلى أن طموحات والدتها لا تشجع مشاعرها. يتبع ذلك فترة سعادة تعيشها العائلة بعد أن استقرت على الرغم من تدني وضعهم المالي. ويقتحم حياتهم الجديدة زيارات متكررة من قبل الشاب ثورنهيل وبورشيل. يشجع الشاب طموحات الوالدة والفتاتين في نشدان حياة أكثر رفاهية.

وفي حين يعترض القس على تلك الطموحات وبشأن تشجيع ثورنهيل من قبل الوالدة على زيارتهم والتودد من ابنته الثانية أوليفيا، إلا أنه ضمنيا يتماشى مع الوضع ويحاول نصح أوليفيا بصرف النظر عن بورشيل المعدم الذي لن يستطيع أن يوفر لها حياة مريحة. وأخيرا يعلن نبأ هرب أوليفيا. في البداية تحوم شكوك القس حول ثورنهيل لكنه ينقاد ببساطة لما أدلاه بعض الشهود أن المشتبه به هو بورشيل. وبعد مطاردة طويلة هي بمثابة هرب الوالد من الأزمة والمواجهة، يعثر على ابنته التي خدعت من قبل ثورنهيل الذي تزوجها بمراسم وهمية وهجرها سريعا مثلما فعل بعدة نساء قبلها.

لدى عودته مع أوليفيا، يجد بيته تأكله النيران، وبعد تردد قصير ونظرا لاكتسابه قوة داخلية بسبب مواجهته لتناقضاته مع نفسه على مسار رحلته، يسارع في إنقاذ طفليه من النيران في اللحظة الأخيرة. وعلى الرغم من أن العائلة خسرت كل ما تملك، يصر ثورنهيل على دفعهم للإيجار المترتب عليهم عندما يرفض والده مهادنته بشأن استمرار علاقته بأوليفيا بعد أن يتم زواجه من أرابيلا الثرية. ونظرا لعدم توفر المال تشرد العائلة ويودع القس في السجن.

وبعد تتالي الأحداث المأساوية التي يقحم فيها جورج بسبب طلبه لمبارزة مع ثورنهيل، والإعلان عن موت أوليفيا واختطاف صوفيا، وإصرار القس على التمسك بقيمه بلا أية مساومة أو لين، يصل بورشيل ليحل كافة المشاكل. يبدأ أولا بإنقاذ صوفيا والكشف عن شخصيته الحقيقية بحضور جورج الذي عمل معه وهو ليس إلا العم الثري ويليام ثورنهيل الذي يسافر متنكرا، وأخيرا تأكيد مصداقية زواج أوليفيا التي لم تفارق الحياة. وتأتي النهاية بمراسم زواج كل من جورج وأرابيلا وصوفيا وويليام ونبأ القبض على التاجر الهارب واستعادة القس لثروته.

rmaleh57@hotmail.com