في رواية «المنزل المقابل»، التي تعد بمثابة متابعة متألقة لرواية هيلين أوييمي الأولى «فتاة إيكاروس»، يجد القارئ نفسه على موعد مع المحاولة المدهشة التي تقوم بها الكاتبة النيجيرية لاستكشاف مغاليق وأسرار الجدار الفاصل بين الواقع والأسطورة من خلال المراوحة بين حكايات امرأتين في مقتبل العمل وبحثهما عن الحقيقة فيما يتعلق بالدين وبالهوية.

كانت ماجا في الخامسة من عمرها، عندما هاجرت عائلتها الكوبية السوداء من الكاريبي إلى لندن. أما الآن، وبعد عشرين عاماً تقريباً، فإنها تعمل مغنية، وتحب آرون، وهي حامل منه، ويطاردها ما تسميه «كوبا الخاصة بي». وفي غمار نشأتها في لندن كافحت لمعرفة تاريخها والمعنى الذي من خلاله يجعلها حديثها بالأسبانية أو الإنجليزية فتاة سوداء بدرجة أقل. ولكنها عاجزة عن أن تجد نفسها في جذور الانوي أوالايجبو أو الأكوم التي تنتمي إليها. حيث يبدو أن كل ما بقي هو الصمت.

وفي غضون ذلك، فإن الابتعاد عن كوبا لم يؤد إلا إلى تعميق إيمان أم ماجا بالسانتيريا، أي ذلك المزيج من الكاثوليكية وديانة يوروبا الأفريقية الغربية، ولكنه قسم العائلة كذلك حيث إن أباها يقف ضد خرافات زوجته وأحلامها المفقودة المتعلقة بثورة كاسترو. على الجانب الآخر من جدار الواقع، فإن يمايا سارارماجوا، مبعوثة السانتيريا، تقيم في المنزل الذي يقع في مكان ما، ذي البابين، اللذين يفضي أحدهما إلى لندن، ويفضي الآخر إلى لاغوس، تثير اضطرابها السهولة التي تمكن بها المبعوثون الآخرون من التنكر وراء أشخاص القديسين وعجزها عن معرفتهم.

وهذه الرواية ذات الطابع الغنائي، والتي تتمتع بزخم قوي، تدور حول الصخب الذي يطاردنا عبر الأماكن واللغات، والشعور به الذي ينتقل من الأم والأب إلى الابن والابنة. والتركيز في الرواية ينصب بقوة، ضمن أمور أخرى، على الهوية، من خلال ماجا كاريرا وأخيها الأصغر وأمها وأبيها الذين يتناولون باستمرار قضية هويتهم، حيث تقطن ماجا في ييكهام مع صديقها الطبيب آرون، الذي يجسد شكلاً آخر من أشكال الصراع الثقافي، فهو أبيض ويهودي ويحمل جنسية غانا، وغالباً ما تثير ماجا حيرته.

والرواية تزداد ثراء من خلال الحكاية السايكودرامية التي تدور في «المنزل الذي يقع في مكان ما» ببابيه العجيبين المفضيين من خلال أحدهما إلى لندن ومن خلال الآخر إلى لاغوس. وفي السياق البريطاني فإن الهوية الكوبية السوداء تثير الاهتمام، لكنها تبدو بعيدة عن إمكانية الرصد السهل لها، حيث يلتقي التراث النيجيري بالثقافة الكاثوليكية في سلسلة متألقة من التحولات. وفيما يتعلق بالمرأة التي تراها ماجا في صقال المرآة فإن الشيء الوحيد الذي تجده مؤكداً فيما يتعلق بها أنها سوداء.

وفكرة الوطن تضطرب بصورة مضاعفة من خلال التاريخ السياسي الكوبي، فليست هناك لطخة العبودية فقط. والتي تدفع أم ماجا إلى استخدام مواد التحلية الصناعية احتجاجا على تجارة السكر، وإنما هناك أيضاً الثورة الكوبية التي دفعت العائلة إلى الهرب من كوبا. ويصف والدها رحيلهم عن هافانا بأنه محاولة بائسة للوصول إلى الوضوح. ويقول: «إنك تدرك أنك تغدو غبر معقول لأنه ما من أحد آخر معقول.. ولابد لك من الهرب من الجنون».

وإحساس ماجا بالانتزاع من المكان يزداد عمقاً كل يوم، ولا يستطيع آرون، والد طفلها أن يفهم ما يحدث لها على وجه الدقة مع إيغالها في حملها الذي يبعدها عن الحياة اليومية باتجاه عالم هو إلى الخيال أقرب منه إلى الذاكرة، وأمها لا تفهمها كذلك بإيمانها الموغل في العمق بالسانتيريا، وكذلك لا يفهمها أبوها بتمسكه الشديد بالعقل والمنطق. وربما كان الشخص الأقرب بها والأقدر على فهمها يتمثل في إييمي إيليني، صديقتها التي لا تكف عن الحوار معها.

لكن ما هي بالضبط العلاقة بين ماجا ويمايا؟ هل إحداهما هي تجل لانفلات الأخرى من العالم الواقعي أم انهما تعكسان معاً حالة من الاندياح بلا قيد نحو البعيد؟إن هيلين أوييمي هي كاتبة تبلغ من البراعة والذكاء الحد الذي لا يسمح لها بكشف أسرار الاتصال بين الاثنتين، وبالتالي فهي تختار أسلوب الأصداء والإيماءات بدلاً من أسلوب التوصيل بين النقاط، وهي تستغل ببراعة تاريخ اله اليوروبا في كوبا، حيث كانت الطريقة الوحيدة لاستمرار بقاء آلهة اليوروبا في بلد كاثوليكي هي عبر التنكر في مجمع من القديسين. وهي قادرة بصورة كاملة على إدراك الجانب المرح والطريق في مثل هذا الموقف المعقد.

وهي تملك أيضاً البصيرة التي تتيح لها أن تفرض أن المشكلة فيما يتعلق بالتنكر لا تكمن في أنك لا تعود تعرف نفسك عندما تنظر في المرآة، وإنما في أن أولئك الذين كانوا يعرفونك يوما لا يرونك موجوداً الآن. والسؤال الآن هو: كم من الذات يبقى عندما تصبح ضائعاً بالنسبة لكل المقربين منك؟ إنه سؤال موجه إلى كل أولئك الأرباب والفانين الذين يغادرون أوطانهم السابقة.

ومن الإنجازات البارزة لهذه الرواية قدرتها على الربط المستمر بين الانقطاع الثقافي والعاطفي، مما يمحو مسألة الحدود بينهما ذاتها. ولكن على الرغم من ان هذه موضوعات كبرى، إلا أن هيلين أوييمي تعالجها من خلال صور بالغة الحميمية. ولو أنها كانت روائية أقل اقتداراً لأدى الاقتراب من شخصيات محاصرة وبائسة مثل ماجا ويمايا إلى البرهنة على أنه أمر لا يطاق ولا سبيل إلى احتماله، ولكن موهبتها في استخدام اللغة وتوظيف الذكاء الانفعالي وفي المقام الأول قدرتها على اجتذاب القارئ إلى أرواح شخصياتها لا تسمح له بأبعاد الرواية عن ناظريه لحظة واحدة.

السرد في ملاحظة ساخرة

«في بعض الأحيان يولد طفل بعينين توحيان بالحكمة. وعندئذ يصف بعض الناس هذا الطفل بأنه روح عتيقة. هذا كاف لجعل إله يضحك. وعلى سبيل المثال هناك يمايا ساراماجوا، التي تقيم في المنزل الواقع في مكان ما. المنزل الواقع في مكان ما هو برج متداع من الطوب الهش وخشب الأرز، وسقفه ملفوف بشبكة من الأغصان المقطوعة.

ويهيمن الصمت عليه، ذلك الهدوء الخاطئ للغابات عندما يهيمن الخوف على الطيور. والمنزل الواقع في مكان ما مؤلف من أربعة طوابق. والعلية هي مساحة ودودة من الغرف المتصلة، تتألق بالمرايا اللامعة المثبتة على الجدران. وفي الطابق الثاني تمتد غرف وغرف وغرف، بعضها صغير وشاحب ونظيف للغاية بحيث إنها لا تعدو أن تكون خيالات وأفكاراً تشبه قطع السكر محتشدة وراء الأروقة.

وفي الأسفل هناك قبو تدعمه أعمدة من الحجر، وتمضي العناكب على خيوطها فوق المقاعد. والجدار الخلفي للقبو به بابان يفضي أحدهما بيمايا إلى لندن مباشرة وإلى طنين المدينة بعد حلول الظلام. أما الباب الآخر فينفتح على العلم المقلم والهتاف الصادر عن ذلك المهرج ذي الثياب البالية، لاغوس. وعلى الدوام يفضي هذا الباب إلى مكان يسوده النهار على نحو زهري.

مقتطف من رواية «المنزل المقابل»

*الكتاب:المنزل المقابل

*الناشر: بلومزبري ـ لندن 2007

*الصفحات:288 صفحة من القطع المتوسط

The Opposite House

Helen Oyeyemi

Bloomsbury-London 2007

P. 288