عرفت الحياة الاجتماعية في الحجاز قبل الإسلام مرحلة أمامية في تاريخ العرب قبل القرن السادس، فقد كانت الحياة فيها قائمة على نظام القبيلة وطبقاتها وتقاليدها، في هذا المجال يأتي كتاب سطور منسية في تاريخ الحجاز للدكتورة شكران خربطلي ـ الأستاذة بجامعة دمشق في كلية الآداب قسم التاريخ ـ ليتناول موضوع الحياة الاجتماعية بتسليط الضوء على الجوانب الحياتية الاجتماعية لسكان الحجاز، وذلك بالدراسة والتحليل .

تطرقت الباحثة من خلال كتابها الأول إلى الوضع الجغرافي لهذه المنطقة الذي تحددت ملامحه في القرن السادس ميلادي حيث أصبح مركز الاستقطاب الأول ومحور الحركة التجارية في الجزيرة العربية، وحدد بالجبال الحاجزة بين الأرض العالية نجد وبين الساحل الوطيء تهامة. ويبلغ طوله من الشمال إلى الجنوب حوالي 700 ميل وعرضه من الشرق إلى الغرب 250 ميلا، متفاوت الارتفاع تخترقه أودية قلما يجري الماء فيها. وفي السياق نفسه أشارت المؤلفة إلى الوضع الاقتصادي في الحجاز الذي كان يتكون من الزراعة، الصناعة، والتجارة بحيث نشأت الأسواق وتزامنت مع موسم الحج، وظهرت الملكية الخاصة وانقسم المجتمع على أحرار وعبيد وفئات متمايزة عن بعضها في الثروة بناءً على المصلحة الاقتصادية المشتركة .

وفي السياق نفسه ترى الكاتبة بأن الحجاز عرف حركة تجارية واسعة، فأصبح جسراً يربط بلاد الشام وحوض البحر المتوسط باليمن والحبشة والصومال والسواحل المطلة على المحيط الهندي، مما أدى الى تطور التجارة وتأثيرها في تحديد اتجاه التطور الاجتماعي آنذاك من حيث متنت الروابط القبلية والأسرية والتوجهات السياسية والثقافية والإيديولوجية. وسلطت خربطلي الضوء على الوضع السياسي في الحجاز الذي كان لا يتعدى نطاق الترابط الجماعي البدائي على أساس صلة الدم والنسب إلى حين ظهور الملكية الخاصة التي أدت إلى التفاوت والتمايز بين أعضائه وترتيب مواقفهم الاجتماعية ضمن المجتمع على أساس الثروة، وهكذا ارتبطت السلطة بالثراء وأصبحت مراكز النفوذ تقررها الأهمية الاقتصادية والثروة.

ومن جهة أخرى تطرقت الباحثة إلى الوضع الديني في الحجاز وارتباطه مع تطور القوى المنتجة وحدوث التقسيم الاجتماعي للعمل، قد أدى إلى ظهور أشكال عديدة له كالطوطمية، والتوحيدية والحنيفية واليهودية والمسيحية والوثنية تأثرت بمؤثرات خارجية بحكم صلات العرب التجارية والحضارية مع بلاد الشام وفارس وغيرها إلى أن تطور المجتمع المرعي وحاجاته الذي أدى إلى دخول مرحلة جديدة وهي المرحلة التي مهدت لظهور الإسلام.

«القبيلة العربية في الحجاز قبل الإسلام» أشارت فيه خربطلي إلى التنظيم الاجتماعي لدى البدو والحضر الذي كان قائما على نظام القبيلة التي كانت تضم إليها عناصر متعددة وفئات مختلفة فالصرجاء هم الفئة الممتازة التي لها الصدارة في القبيلة والمركز المرموق ثم الموالي والرقيق والمستحلقون والأدعياء والخلعاء والصعاليك.

وتؤكد المؤلفة على أن المكانة الاجتماعية للفرد كانت تتعلق بنسبه وثرائه المادي، وكانت القبيلة عبارة عن فئات اجتماعية على درجات من القوة والعدد، وكانت تستعمر بعضها البعض وتتحالف حرصاً على سلامة كيانها وهذا التحالف هو الطور الأخير من أطوار نظام القبائل وتوجه العرب نحو الوحدة .

ثم وقفت المؤلفة عند «عادات وأعراف قبلية» التي كانت في الحجاز وهي عبارة عن قوانين ناظمة للأوضاع القبلية ودعامة للحياة السياسية وأساس الحياة الاقتصادية ودور البيئة الطبيعية في ذلك، واعتبر الكرم من أهم عادات القبيلة، وهو انعكاس لشدة الجوع الذي عانى منه المجتمع، وكانت الشجاعة تطبيقاً لحاجات الوسط الطبيعية والاجتماعية وركناً من أركانها .

وأكدت خربطلي على الوفاء كونه من أهم العناصر المكونة للأخلاق عند العرب، فكانت الكلمة عهداً يجب الوفاء به، بالإضافة إلى ما كان يرفع من القدر ويزيد من المكانة الشرف والعفة، فكل ذلك من شروط السيادة .وأشارت الباحثة إلى دستور القبائل العربية آنذاك الذي كان ينحصر في كلمة واحدة وهي العصبية وهي تعني أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والوقوف إلى جانبهم ظالمين كانوا أم مظلومين .

كما استعرضت خربطلي نشأة الأسرة وأنواع الزواج التي عرفها المجتمع الحجازي قبل الإسلام، فقد وجدت أنواع متعددة من الأنكحة كنكاح البعولة ونكاح المتعة والسبي والمقت والمخادنة والاستبضاع ، ولا تعد هذه الأنواع زواجاً بالمعنى المقصود من الزواج ما عدا زواج البعولة الذي كان أول شكل للعائلة ارتكز على الشروط الاقتصادية. أما بالنسبة للطلاق ذهبت الباحثة إلى أنه كان سهلاً ويسيراً وهو أنواع كالطلاق ثلاثاً على التفرقة أو كالظهار أو الخلع أو الإيلاء . وكانوا يفضلون البنين على البنات لذا فقد كان الإرث من حق الرجل فقط وحرمت منه المرأة والأولاد الصغار والجواري والبنات ولكنه لم يكن عاماً، ولقد اهتموا بالحمل والإرضاع واعتبروا غاية الزواج النسل.

وختاما استعرضت المؤلفة المناسبات عند العرب لما لها من علاقة بالحياة الاجتماعية، فهناك مناسبات عامة وخاصة مفرحة ومحزنة وتمثلت الأفراح في الأعياد والمواسم كالخطبة والزواج والحج والختان وحفلات السمر وشرب الخمر والانتصار في الحرب، والعودة من السفر ونبوغ شاعر،وشفاء من مرض. ومن الأحزان موت أحد الأفراد وولادة أنثى وقد عرفوا العرب بوأدهم البنات وذلك لأسباب دينية كوفاء لنذر أو إرضاء للألهة أو لعوامل مرضية أو خوفاً من الوقوع في الأسر بيدي المغيرين المغتصبين ولحاق العار بهم. وبالمحصلة يندرج الكتاب ضمن الأبحاث التاريخية التي تتناول حياة القبائل العربية في الجاهلية من مختلف النواحي الدينية، السياسية، الاجتماعيةوالاقتصادية.

ناهد رضوان

*الكتاب: سطور منسية في تاريخ الحجاز

*الناشر: دار رسلان - دمشق 2006

*الصفحات: 232 صفحة من القطع الكبير