هذه السلسلة عن نجيب محفوظ والتي صدر جزؤها الأول بعنوان «نجيب محفوظ.. ببليوجرافيا تجريبية وسيرة حياة ومدخل نقدي» تعنى بنشر البحوث والدراسات العلمية في جميع التخصصات التي تتناول عالم نجيب محفوظ الحافل وإنجازه الإبداعي الكبير.

وهذا الجزء الذي أعده وأشرف عليه حمدي السكوت أستاذ الأدب العربي بالجامعة الأميركية بالقاهرة ورئيس لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة وصاحب أول ببليوجرافيا علمية شاملة للرواية العربية، وأول سلسلة بيوجرافية نقدية ببليوجرافية لأعلام الأدب المعاصر في مصر، يلقي الضوء على جوانب غير مألوفة من حياة نجيب محفوظ ويقدم دراسة موجزة ومركزة عن أعماله الروائية والقصصية، فضلا عن الببليوجرافيا التي يخصص لها القسم الأعظم من الكتاب.

وقد قدم للكتاب د.ناصر الأنصاري رئيس الهيئة المصرية للكتاب حيث أكد أن أعمال نجيب محفوظ مادة خصبة وثرية للباحثين في مجالات كثيرة، وبخاصة في العلوم الإنسانية، إذ تصلح هذه الأعمال كمادة للتحليل النفسي، وللدراسات الاجتماعية، وللتعرف على معالم التاريخ المصري الحديث ـ للمؤرخ والسياسي علي السواء ـ بالإضافة إلى أن هذه الأعمال تمثل منجما لدارسي الفولكلور والأنثروبولوجيا والحضارة والأدب المقارن والنقد الأدبي وعلوم اللغة.. إلخ.

وأكد حمدي السكوت أن هذا الكتاب كان من المفترض أن يكون الكتاب التاسع في سلسلة أعلام الأدب المعاصر التي تصدرها الجامعة الأميركية، لكن الظروف اختلفت وتوقف العمل في هذه السلسلة تقريبا لتتحول إلى ببليوغرافيا الفنون الأدبية، التي صدر منها كتاب «الرواية العربية 2000» ثم «قاموس الأدب العربي» الذي أوشك على الصدور.

وأضاف السكوت أن الأقدار لم تمهل محفوظ حتى تخرج هذه الببليوغرافيا في حياته، وإن كان الكتاب قد خطط له أن يسير وفق النظام نفسه الذي رضي عنه نجيب محفوظ في حياته، والذي طبق على طه حسين والعقاد والمازني وغيرهم، على الرغم من أنه يظهر تحت مسمى جديد لسلسلة جديدة يتصدرها كتابه هذا.ويقوم الجانب الببليوجرافي في هذا الكتاب على الاستعانة بما نشر في مجلة الجديد (العدد الأخير من عام 1972 والأعداد الأولى من عام 1973) وبما تجمع في وحدة بحوث الأدب العربي في الجامعة الأميركية في القاهرة حول نجيب محفوظ وأعماله.

فضلا عن المادة الببليوجرافية التي نشرت في كتاب الرواية العربية: ببليوجرافيا ومدخل نقدي (1865 ـ 1995)، سواء في ذلك النقد الخاص بكل رواية أو النقد العام الذي يدور حول حياة محفوظ أو حول ظواهر واتجاهات بعينها في أعماله، وسواء في ذلك ما إذا كان هذا النقد مكتوبا باللغة العربية أو باللغات الأجنبية.وتنقسم الببليوجرافيا إلى ثلاثة أقسام الأول بعنوان «نجيب محفوظ: سيرة حياة» ويتناول حياة محفوظ والثاني بعنوان «نجيب محفوظ: دراسة وتقويم» ويشتمل على «نجيب محفوظ والرواية»، «نجيب محفوظ والقصة القصيرة».

أما القسم الثالث فعنوانه «نجيب محفوظ: ببليوجرافيا» ويشتمل أولا على روايات محفوظ مرتبة أبجديا، وكل منها مشفوع بالدراسات التي كتبت حولها سواء بالعربية أو اللغات الأخرى. ثانيا «نجيب محفوظ والقصة القصيرة» ويشتمل مجموعات القصص مرتبة تاريخيا، فضلا عن القصص المفردة التي لم تنشر في مجموعات. ثالثا «نجيب محفوظ والنقد العام» وهو عبارة عن كتب ومقالات حول حياة نجيب محفوظ أو أي دراسات لا تركز على أعمال محفوظية مفردة. ورابعا فيلموجرافيا: وتشمل الأفلام التي كتب لها محفوظ سيناريوهات، والأفلام التي بنيت علي رواياته وقصصه القصيرة.

وقد أشار حمدي السكوت إلى أن الببليوجرفيا لا تدعي أنها قد احتوت على نصف فضلا عن كل ما كتب عن نجيب محفوظ سواء باللغة العربية أو في اللغات الأخرى، ولقارئها ـ حسب قوله ـ أن يتصور مدى صعوبة حصر كل ما كتب عن نجيب محفوظ عند حصوله على جائزة نوبل أو عقب وفاته في كل الصحف والمجلات في العالم العربي وحده، بالإضافة إلى ما كتب باللغات الأوروبية والصينية واليابانية والأوردية وغيرها.

وقد تكفل بمراجعة الجانب الأجنبي للببليوجرافيا وتحديثه ويليام كوبكي رئيس وحدة قسم الشرق الأوسط بمكتبة جامعة بنسلفانيا حاليا ومساعد البحث في وحدة بحوث الأدب العربي بالجامعة الأميركية سابقا.وقام بالإشراف على هذا الجانب إيهاب السكوت وقام بقراءة الببليوجرافيا كلها حسين حمودة كعالم جاد وكصديق مقرب من الأديب الكبير حتى لحظاته الأخيرة.

ويتوقف د.حمدي السكوت مع متاعب نجيب محفوظ حيث يؤكد أنها لم تتوقف بسبب كتبه بعد صدور (أولاد حارتنا) كانت الصفحة الأولى في سجل هذه الأزمات فبعض قصصه القصيرة مثل (سائق القطار) من مجموعة (دنيا الله) سببت الرعب لمحفوظ، لدرجة أن بعض أصدقائه كانوا يتصلون به في ساعات متأخرة من الليل ليطمئنوا على أنه لم يعتقل، وأنقذ محفوظ من الرعب مقال لمحمد فريد أبو حديد فسر فيه سائق القطار، لا على أنه الرئيس عبد الناصر كما يقول الرمز بوضوح.

وإنما القصة ترمز للصراع بين أميركا وروسيا الذي يدمر العالم، وكان طه حسين قد أنقذ ثروت أباظة بمقال مماثل عن رواية ثروت الجريئة «شيء من الخوف»، ومثل قصة الخوف من مجموعة بيت سيئ السمعة التي أثارت الرعب في داخل جريدة الأهرام التي تنشر أعمال نجيب محفوظ في ذلك الوقت كما سببت الرعب لمحفوظ نفسه.

ويضيف السكوت: كذلك أثارت رواية «ثرثرة فوق النيل» امتعاض المشير عبد الحكيم عامر الذي كان يرى ضرورة عقاب كاتبها وتأديبه، لولا تدخل ثروت عكاشة الذي أقنع جمال عبد الناصر بسلامة موقف الكاتب، بعد أن دافع عنه دفاعا أنقذه من المساءلة. كما أثار الفيلم المأخوذ عن رواية « ميرامار » اعتراضات بعض القيادات في الاتحاد الاشتراكي الذي هاجمته الرواية كما هاجمت الديكتاتورية، لكن أنور السادات نائب رئيس الجمهورية آنذاك شاهد الفيلم قبل عرضه وأقر بعرضه.

وكل ذلك تم في عهد الرئيس عبد الناصر، أما في عهد الرئيس السادات فإن رواية الكرنك التي تصور طغيان سلطة الأمن في العهد الناصري أثارت محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام وقتئذ حين قدمها له محفوظ للنشر في عام 1972 ورفض نشرها وشكا الأديب الكبير إلى توفيق الحكيم، وتعرضت الرواية لحذف كثير من أجزائها قبل أن تنشر من قبل الأهرام والرقيب، ولهذا فقد نشرت مشوهة، وقد هاجمته بسببها فصائل اليسار والناصريين بشدة أدت إلى متاعب صحية في القلب لمحفوظ.

وقد أكد د. السكوت في قراءته النقدية أنه رغم أن إنجاز نجيب محفوظ الأدبي الضخم يتمثل في الرواية فإن الكثير والكثير من قصصه الاجتماعية والميتافيزيقية والسياسية هو في الواقع روائع أدبية على أعلى مستوى وتستحق دون أدنى شك أن يعترف بها عالميا.

محمد الحمامصي

*الكتاب:نجيب محفوظ - ببليوجرافيا تجريبية وسيرة حياة ومدخل نقدي

* الناشر:الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2007

* الصفحات: 416 صفحة من القطع الكبير