كان عمر إسماعيل باه 13 عاما عندما انفصل عن أسرته ليجد نفسه تائها وسط مجموعة من المقاتلين الذين يقارب سنهم سنّه. كان ذلك في سيراليون البلد الإفريقي الذي عرف حربا أهلية طاحنة خلال سنوات 1991-2001.جاب إسماعيل مع رفاقه «الأطفال» أدغال بلاده متنقلا من قرية إلى أخرى حيث قوبلوا في كل مكان بكثير من الريبة والشكوك، ولقوا في أحيان كثيرة نزعة عدائية شرسة حيث فقد الكثيرون منهم حياتهم. أمّا هو فقد نجا من الموت بأعجوبة مرات عديدة.
وذات مرّة وصلت مجموعة الأطفال التائهين في الغابات إلى بلدة صغيرة كانت القوات الحكومية تتمركز فيها وتقوم بالدفاع عنها أمام المتمردين على السلطة المركزية. توقّع إسماعيل ورفاقه أنهم قد وصلوا آنذاك إلى بر الأمان وأن السلطات الحكومية سوف تحميهم من نار الحرب الأهلية التي كانت تعيث فسادا وقتلا في البلاد. لكن الأمر لم يكن كذلك ولم يقم الجنوب بحمايتهم وإبعادهم عن المشاركة بالحرب الأهلية الدائرة. كل ما فعله الجنود هو أنهم قدّموا للأطفال الذين وقعوا بين أيديهم هو الاختيار بين أن ينخرطوا في صفوف المقاتلين كجنود رسميين في مواجهة المتمردين الذي لا يترددون هم أيضاً في استخدام الأطفال لخدمة مخططاتهم وأهدافهم السياسية وأن يغادروا البلدة التي وصلوا إليها إلى بلدات مجاورة يسيطر عليها المتمردون.
كان الاحتمال الأكبر لمثل هذا الخيار هو أن يعتبرهم المتمردون كـ «جواسيس» يعملون لحساب القوات النظامية، وهذا ما قد يترتب عليه ما لا تحمد عقباه. هكذا غدا إسماعيل الذي فقد أهله، أباه وأمه، واثنين من اخوته منذ بداية الحرب الأهلية، كما فهم ذلك من شهادات معارف لهم، جنديا في عداد القوات الحكومية لسيراليون وهو لم يزل طفلا، أو على الأقل في المرحلة الأولى من المراهقة، فيما بعد الطفولة. لقد قاتل عندها في صفوف «الجيش» لمدة ثلاث سنوات هذا قبل أن يتم إنقاذه على يد منظمة «اليونيسيف»، المهتمة برعاية الأطفال والتابعة لمنظمة الأمم المتحدة.
وطيلة وجود إسماعيل في صفوف الجيش كان يتلقّى يوميا مثل غيره من الجنود ـ الأطفال «جرعة» من المخدرات تتألف من الماريجوانا والكوكايين ومادة مخدّرة أخرى كانوا يطلقون عليها تسمية «المادة السمراء»، التي لم يعرف أبدا مكوناتها والتي يحددها أنها كانت «مزيجا من البودرة ومن المواد المخدّرة». وفي بداية الانضمام إلى صفوف الجيش تلقى إسماعيل مثل غيره من رفاقه «جرعة صغيرة» من التأهيل «السياسي» من أجل التعرف على أهداف «المعسكر» الذي يحاربون بين صفوفه، أو على الأقل من أجل التعرف على الأصدقاء وعلى الأعداء.
وبالإضافة إلى ذلك كله كانوا يعرضون كل مساء على الأطفال الجنود أفلاما سينمائية زاخرة بالعنف مثل أفلام «رامبو» البطل الأميركي الذي لا يُقهر. وفي عام 1998، أي بعد إنقاذه بدأ إسماعيل، الذي حصل على عائلة تبنّته في نيويورك وحيث أصبح يدعو أمّه بالتبني السيدة «لورا سميس» بأمه، بالتردد على المدرسة الدولية التابعة للأمم المتحدة في حي مانهاتن. ثم تابع دراساته، بعد نيله الشهادة الثانوية في جامعة «اوبرلاين» حيث حصل عام 2004 على إجازة جامعية بالعلوم السياسية.
ويؤكد إسماعيل في روايته لسنوات الحرب التي شارك فيها أنه قد «قتل الكثير من الناس». كما أن الخيار الوحيد الذي كان متاحا أمامه هو أن «يبقى حيث هو»، ذلك أن مغادرته كانت تعني «الموت حتما». وهو يؤكد أيضاً أن «الفترة الانتقالية» التي أمضاها ما بين «إنقاذه» من قبل منظمة اليونيسيف بمساعدة إحدى المنظمات غير الحكومية وفترة «اندماجه» في المجتمع الجديد «الأميركي» كانت في غاية الصعوبة، إذ أن للعنف «سلطته» على أولئك الذي يمارسونه. وكان لا بد أن يمضي وقت طويل قبل أن يستطيع «تمثّل» ما كان يقال له حيال ما مارسه من عنف وقتل وأن «الخطأ لم يكن خطأه».
ولا شك أن هذا الكتاب يحتوي على الكثير من الشروحات والتعليقات وتوصيفات للحرب الأهلية في سيراليون، وحيث أن الصورة تتكرر في مختلف البلدان الإفريقية المجاورة وعلى رأسها رواندا التي بلغ عدد ضحايا الحرب الأهلية فيها بين قبيلتي الهوتو والتوتسي ما يقارب المليون شخص. وهذه الشروحات والتوصيفات تثير رعب القاريء الذي قد يصعب عليه تصديقها، بينما أن المعني (الراوي) قد عاشها هو نفسه وحيث كانت المعادلة مطروحة أمامه بسيطة جدا وتقول «عليك أن تقتل أو أن تُقتل».
ويقول إسماعيل باه عن عقدة الذنب الكبيرة التي عاشها بعد «نجاته» من موت كان مرّات عديدة على قاب قوسين أو أدنى منه، ما معناه: «إذا اخترت أن يمتلكني الإحساس بعقدة الذنب فذلك لأنني كنت أريد أنا نفسي أن ألقى الموت» ويضيف: «إنني أعيش وأنا أدرك تماما بأنهم قد وهبوني حياة ثانية». يقصد أولئك الذين قد انقذوه. وعلى قاعدة التجربة التي عاشها وما يختزن في أعماقه من مشاعر جعل إسماعيل باه، مؤلف هذا الكتاب، من قضية استغلال وتجنيد الأطفال في فترات الحرب موضوع حياته. وقد تحدّث في العديد من المحافل الدولية عنها، بما في ذلك منبر منظمة الأمم المتحدة. وقابل في إطار هذا النشاط الكثير من قادة العالم وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون والرئيس والمناضل الإفريقية الشهير نلسون مانديلا.
إن هذا الكتاب ـ الشهادة الشخصية عن حياة جندي ـ طفل في صفوف القوات «النظامية» في سيراليون الإفريقية خلال عدة سنوات خلال عقد التسعينات الماضي يشكل عملا «توثيقيا» يفوق أي تحقيق صحافي.
ذلك أنها شهادة من الداخل عن ويلات الحرب الأهلية التي يدفع في الكثير من الأحيان الأطفال الثمن الأكبر فيها. وتدل الإحصائيات المقدّمة على أنه يوجد اليوم أكثر من ثلاثمئة ألف طفل في 44 بلدا في العالم لا تزيد أعمار البعض منهم عن ثماني سنوات، يشاركون في النزاعات المسلحة وسيقتلون و«يُقتلون».
ويتحدث إسماعيل في العديد من الصفحات عن سنوات حياته قبل أن يتوه مكرها مع رفاقه في الأدغال دون هدف آخر سوى البقاء. إنه يرسم حياة طفل إفريقي بكل ما فيها من تفاصيل وبؤس، ولكن أيضاً بكل ما تحمله الطفولة مع ذلك من أحلام جميلة. لقد كان، كما يقول، طفلا يحب الموسيقى ويمضي شطرا طويلا من الليل وهو يستمع لها ويرقص على أنغامها. وكان مثل جميع الأطفال يتذوق طعم الحنان في أحضان أسرته قبل أن تحل الحرب الأهلية وتكسر كل شيء حوله، ولكن أيضاً كل شيء في داخله.
تلك الحرب الأهلية، كما يصفها، حطّمت «براءة الطفولة» في أعماقه وهدمت بيته وقتلت أباه وأمه وأخواه ثم دفعته نحو الأدغال. الحرب الأهلية قبيحة دون شك في كل مكان. لكنها أكثر قبحا في بلد إفريقي فقير مثل سيراليون وتمزقه النزاعات على خلفية اثنية، كما يمارس فيه الجميع من متمردين وجنود حكوميين «القوات المسلحة السيراليونية» كل أشكال الفظاعات.
إن «الطريق الطويل» الذي ولجه إسماعيل باه مرغما جعله يطّلع على العديد من المعلومات، ويقوم بدوره في إطلاع القارئ عليها حول ما يتعرض له الأطفال في الحروب الأهلية. والجنود ـ الأطفال في النزاعات المسلحة يقومون بأدوار مختلفة ليس أقلها خطورة واستغلالا أن يمارسوا نزع الألغام و«لا يهم كثيرا إذا انفجرت بهم»، أو قد يعملون ك«جواسيس» إذ يستطيعون التغلغل إلى كل مكان دون أن يثيروا الكثير من الشكوك، أو ربما يتم الاكتفاء بتسخيرهم في حمل المؤن والأعتدة لـ «الكبار» من الجنود، أو في حراسة المنشآت التي تدرّ الكثير من المكاسب للجيش أو للمتمردين. وتغدو الحراسة أكثر أهمية إذا كانت تتعلق بأي شيء له علاقة بمناجم الألماس أو تجارته، إذ أن هذا «القطاع» يشكل المصدر الأول لتمويل النشاطات التمردية في إفريقيا. لكن يبقى أسوأ «استخدام» للأطفال هو «استغلالهم جنسيا».
بكل الحالات تبقى القارة الإفريقية هي أكثر الميادين التي يتم فيها «تجنيد» الأطفال من اليتامى غالبا أو من الذين انفصلوا عن أسرهم عنوة، كما في حالة إسماعيل صاحب هذه الحكاية عن «الدروب الطويلة»، ليصبحوا أعضاء في صفوف الجيش أو في إطار «العصابات» المتمرّدة التي تقاتل ضد السلطة القائمة. في المحصلة هذا كتاب عن رحلة إلى جحيم الحرب باسم شعارات مزيفة تدفع الطفولة الكثير من ثمنها... وكتاب عن مقاومة إنسان بدافع البقاء حيث عاش لسنوات في جوار الموت.
*الكتاب:طريق طويل، ذكريات جندي طفل
*الناشر:فيرار ستروس - جيرو 2007
*الصفحات : 240 صفحة من القطع المتوسط
Along way gone, memoirs of a boy solder
Ishmael Beah
Farrar Straus- Giroux 2007
p.240