ساهم في تأليف هذا الكتاب عدد من الباحثين والاختصاصيين وأشرف عليه المفكر أليكس دوفال الأستاذ في جامعة هارفارد ورئيس منظمة تدعى «العدالة لإفريقيا». وخلال ثلاثين عاما تقريبا راح يدرس الأبعاد الاجتماعية والسياسية للجماعات والحروب الأهلية في القرن الإفريقي.
وقد كان المسؤول العالمي عن دراسة مشاكل الصومال ودارفور وسواها من أجل إيجاد حل لها. وفي هذا الكتاب الجديد يحاول البروفيسور أليكس دوفال تشخيص مشكلة دارفور التي تشغل العالم حاليا. ثم يتناول مختلف الحلول المطروحة من أجل معالجتها، وهو يقول بما معناه: لكي نفهم مشكلة دارفور ينبغي أن نعرف أولا ما هي القوى الموجودة في الساحة والتي تتصارع فيما بينها. وبهذا الصدد يمكن القول بأن القوة الأولى تتمثل بما يدعونه هناك بالجنجاويد: أي فرسان الحرب. وهم عبارة عن ميليشيا عربية مجندة من الأوساط التابعة لقبائل معينة ومدعومة من قبل الحكومة السودانية. وهي المتهمة بارتكاب المجازر هناك بحق السكان السود وعليها تنصب إدانات المجتمع الدولي وفرنسا وانجلترا وأميركا، الخ. ولكن الحكومة السودانية تنكر أن تكون وراء هذه الميليشيا المرعبة التي قتلت السكان المدنيين بعشرات الآلاف وربما مئات الآلاف وشردتهم عن أرضهم ومناطقهم. ولهذا السبب فإن الخبراء يتحدثون عن حصول مجزرة ضد الإنسانية في دارفور أو حتى محرقة بالمعنى الواسع والقوي للكلمة.
ومعلوم أن المنظمات غير الحكومية وكذلك المثقفين في مختلف أنحاء العالم تحركوا مؤخرا لتحسيس الرأي العام العالمي بخطورة ما يجري في دارفور من مجازر وانتهاك لحقوق الإنسان. ويحاول الغرب الآن الضغط على الحكومة السودانية لكي تتخلى عن دعمها للميليشيات المسلحة. ولكن الصين تقف إلى جانب الرئيس عمر البشير وقيادته لسبب بسيط هو أنها تشتري ثلثي بترول دارفور. ولهذا السبب فإن بعض قادة فرنسا والغرب دعوا المجتمع الدولي للضغط على الصين ذاتها عن طريق تهديدها بعدم المشاركة في الألعاب الأولمبية التي ستجري هناك في السنوات القادمة. والهدف من ذلك إجبارها على سحب دعمها للنظام السوداني.
ثم يردف المؤلف قائلا:أما القوة الثانية الموجودة في الساحة فهي بالطبع قوات التمرد الإفريقية غير العربية والتي يمثلها أساسا جيش تحرير السودان، وكذلك الحركة من أجل العدالة والمساواة. وتهدف هاتان القوتان إلى إقامة نظام ديمقراطي في جنوب السودان، وهما حركتان غير عربيتين وغير مسلمتين. ولذلك فإن حكومة الخرطوم تقف ضدهما. وأما القوة الثالثة الموجودة في الساحة فهي قوات حفظ السلام. ويبلغ عددها حوالي السبعة آلاف رجل، وهي مشكلة من بلدان الاتحاد الإفريقي. ولكن يبدو أنها غير فعالة. والواقع أنها لم تستطع حماية السكان المدنيين العزل ولم تستطع منع حصول المجزرة.
ولهذا السبب فإن سكان جنوب السودان يطالبون بإرسال قوات تابعة للأمم المتحدة: أي قوات القبعات الزرقاء التي لن يتجرأ الجيش السوداني أو الجنجاويد على التعرض لها بسوء أو منعها من أداء عملها. ولكن حكومة الخرطوم لا تزال تمانع حتى الآن في إرسال هذه القوات إلى المنطقة. وبما أن الولايات المتحدة تعتبر الأعمال الإجرامية التي ارتكبها الجنجاويد هناك بالمجزرة الوحشية فإنها تطالب المجتمع الدولي بتطبيق العقوبات التجارية والاقتصادية على السودان. ولذلك اندلعت مشكلة كبيرة مؤخرا بين واشنطن والخرطوم ولا تزال آثارها تتفاعل حتى الآن. ثم يردف المؤلف قائلا:
بل وإن الولايات المتحدة تتحدث عن ضرورة التدخل العسكري ضد الجيش السوداني وميليشيا الجنجاويد من أجل وضع حد للمجازر وانتهاكات حقوق الإنسان في إقليم دارفور. ولكن دول الاتحاد الأوروبي لا تزال تعارض ذلك وتفضل استخدام الوسائل الدبلوماسية لحل المشكلة. ولهذا السبب فإن أوروبا أرسلت إلى هناك بعثات عديدة وجمعيات خيرية بمساعدة السكان المحليين من كافة النواحي المادية والمعنوية. وكل ذلك خوفا من أن تستفحل الكارثة الإنسانية هناك.
والواقع أنه توجد عشر منظمات فرنسية غير حكومية في إقليم دارفور، فما بالك بالدول الأوروبية أو الغربية الأخرى؟ هذا وقد أطلق الصليب الأحمر الفرنسي نداء من أجل فتح مسارات خاصة للتوصل إلى ضحايا النكبة هناك. فأكبر مشكلة تواجه المنظمات الخيرية والإنسانية هي عدم قدرتها على التوصل إلى هؤلاء الضحايا من أجل مساعدتهم.
وتحاول هذه المنظمات الدولية غير الحكومية إقناع الناس على البقاء في ديارهم بدلا من الهجرة إلى معسكرات التجمع سواء داخل السودان أم خارجه في البلدان المجاورة وبخاصة التشاد. ومعلوم أن مئات الآلاف نزحوا عن مناطقهم خوفا من انتقام الجنجاويد الذي بثوا الرعب في كل أنحاء دارفور.
ولكن معسكرات التجمع أصبحت مليئة باللاجئين ولم تعد قادرة على أن تستقبل المزيد. يضاف إلى ذلك أن الأوبئة أصبحت تنتشر في أوساط هؤلاء السكان المتكدسين فوق بعضهم البعض. وأحيانا يحصل نقص في المواد الغذائية بل وفي أكثر الأحيان. وبالتالي فالمشاكل ضخمة هناك ويخشى أن تقضي المجاعة على ما تبقى من سكان دارفور إذا لم يجيّش المجتمع الدولي طاقاته لإنقاذهم.
ثم يردف المؤلف قائلا:إن إقليم دارفور هو جزء من منطقة الساحل الإفريقي، وهو يقع غرب السودان ويضم ما لا يقل عن ستة ملايين شخص. وقد أهملت الحكومة المركزية لهذا الإقليم وحرمته من المشاريع التنموية. ولذلك ظل فقيرا متخلفا على الرغم من كثرة المصادر الطبيعية فيه وبخاصة البترول والغاز.
ولكن حكومة الخرطوم تستغل كل هذه الموارد لصالحها ولا تترك لسكان الإقليم إلا الفتات. ولهذا السبب فإن الإقليم متخلف وذو تنمية ضعيفة المستوى جدا. فمثلا ثلثا البنات لا يذهبن إلى المدرسة الابتدائية، ولا توجد خدمات صحية ولا مشاريع تنموية في الإقليم. إنه متروك لحاله ومهجور.
يضاف إلى كل هذا أن اكتشاف البترول فيه كان نقمة لا نعمة عليه. فالدول الكبرى أصبحت تتنافس على الإقليم من أجل السيطرة على بتروله. وهذا الكلام ينطبق على الصين كما ينطبق على فرنسا أو الولايات المتحدة أو سواها من البلدان الكبرى. ومن أسباب الصراع أيضاً الاختلاف العرقي والقبلي واللغوي بل وحتى الديني بين سكانه. فهناك القبائل المسلمة العربية، وهناك القبائل المسيحية، وهناك القبائل الإحيائية، أي التي تدين بالعقائد الإفريقية القديمة السابقة على الإسلام والمسيحية بكثير.
ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: إن نكبة دارفور نكبة كبيرة ومؤلمة حقا. فقد سقط هناك ما لا يقل عن مئتي ألف قتيل بحسب الإحصائيات المحلية. ولكن إحصائيات الأمم المتحدة تتحدث عن موت الضعف في المجازر المرعبة التي ارتكبت هناك: أي أربعمئة ألف شخص، والبعض يتحدث عن نصف مليون أو حتى ستمئة ألف قتيل.
وأما المهجرون والنازحون من ديارهم فيتجاوز عددهم الثلاثمئة ألف شخص. بل ويتحدث البعض عن وجود مليوني نازح من ديارهم. وهناك في التشاد وحدها ما لا يقل عن ربع مليون شخص نازح يعيشون في المعسكرات التي أقيمت خصيصا لهم. إنهم يعيشون تحت الخيام وضمن ظروف لا إنسانية مرعبة. وبالتالي فالكثيرون يموتون بسبب سوء التغذية أو عدم وجود مشافي لمعالجتهم أو بسبب نقص الأدوية، الخ.
*الكتاب: الحرب في دارفور والبحث عن السلام
*الناشر: مطبوعات جامعة هارفارد 2007
*الصفحات :350 صفحة من القطع المتوسط
War in Darfur and the search for peace
Alex de Waal
Harvard University Press 2007
P. 350