في منتصف رواية «مقاومة» للشاعر والكاتب المسرحي والروائي الويلزي أوين شيرز يصادف القارئ فقرة تبعث الرعدة في أوصاله، حيث تتعلق بأسطورة ويلزية قديمة حول أمير ينام في كهوف سرية مع رجاله، في غمار انتظارهم لنداء وطنهم بالنهوض إلى السلاح والإشارة الأسطورية تقريباً من جانب الشاعر الويلزي ديفيد جونز إلى أنه ربما كانت الأرض نفسها هي «ذلك النبيل نفسه الذي يغفو».
إن «مقاومة» هي رواية أبدعها رجل من ويلز تحفل بالعواطف والشعر والشك والغموض الويلزي، ولاشك في أن إدراج تلك الفقرة في منتصفها تماماً كان مقصوداً، بحيث تحتل جوهر العمل، وتوحي بذلك المعنى التجاوزي للاتحاد مع الأرض، متجسدة هنا في جيب جبلي بعيد قرب الحدود الانجليزية. الرواية هنا ليست محدودة في أفقها بأي شكل من الأشكال، لأن موضوعاتها ذات طابع شامل، حيث تدور حول حب الأرض والبلاد، حب الأمم وكراهيتها، الحب والشك بين الناس، الخوف والحرب والاعتماد المتبادل.
وعلى الرغم من أن الخواص الداخلية للرواية هي خواص ويلزية على وجه التحديد، إلا أن شيرز من خلال وضع أحداث روايته على مسرح أرض محدودة وضيقة الاتساع منحها شحنة إضافية من الرمزية. تفترض حبكة الرواية مسبقاً أن الألمان قد أحبطوا عمليات الإنزال على شاطئ نورماندي في 1944، وشنوا هجمات مضادة بالغة القوة بحيث أنهم تمكنوا سريعاً من احتلال بريطانيا بكاملها تقريباً، بل وأرسلوا دورية مؤلفة من سبعة رجال للسيطرة على وادي الجبال السوداء الصغير، الذي يشكل ساحة الرواية. والغرض الذي يرمي الرجال إلى تحقيقه هناك لا يتم إيضاحه، ولا يبدو أن هناك سبباً لوجودهم، ويتبين أن الوادي محدود السكان ليس به رجال على الإطلاق، فكل ما هنالك زوجات المزارعين وحيواناتهم.
هكذا فإن «مقاومة» تعطي في البداية انطباعاً بأنها راية تحدث في فراغ. غير أن الإحساس بالرمز يتعمق تدريجيا، فنسوة الوادي وجنود الاحتلال الألمان، الذين يشعرون بالاكتئاب بالقدر نفسه من جراء ثلوج الشتاء الفظيع، يتعلمون كيف يكونون رفاق المحنة. والعالم الخارجي المعزول تماماً عن الوادي الضيق، والذي اكتسحته الحرب وغدا يحكمه الآن أناس غرباء تماماً، يبدو لشخصيات الرواية وللقراء على السواء وجوداً آخر. ونحن نشرع في معرفة أن الرجال الغائبين قد تركوا الوادي لكي يصبحوا أعضاء في المقاومة السرية البريطانية المعروفة بالوحدات المعاونة (وهي بالمناسبة ليست وليدة خيال شيرز، وإنما لها وجود فعلي، وتصور في ختام الكتاب من خلال مجموعة من الصور لناجين واقعيين تماماً).
ويقبل الحب الرمزي، فيما النسوة الويلزيات المحرومات من أزواجهن والجنود الألمان المشتاقون إلى وطنهم يصبحون معتادين بعضهم على البعض الآخر. ولا تزال البطلة، سارة لويس، في حداد على اختفاء زوجها توم الذي لا تدري إلى أين مضى، ولكنه ربما يمضي تحت الأرض في مكان ما شأن جنود ذلك الأمير الأسطوري. وسارة لا تزال تحبه، وتكتب كل يوم سرداً لما يجري إلى أن يحين وقت لقائهما، إذا قدر لهما أن يلتقيا أبداً، ولكن إحدى ذرى الكتاب تتبدى لنا عندما نراها في إحدى لحظات الحنين والعذاب لا تتذكر توم، وإنما تتخيل البريخت النقيب بفرقة البانزر الألمانية الرابعة عشرة الذي يقود الألمان السبعة في الوادي.
وهناك ملحقات عديدة بدار الألغاز هذه، ومنها ما يتعلق بخريطة للعالم تعود إلى القرون الوسطى، كانت مودعة في كاتدرائية هيرفورد، ولكنها الآن موضوعة في مكان خفي من الوادي. وعلى الدوام يغيب عن العين وعن القدرة على الاتصال رجال الوادي، رجال الأمير الأسطوري. هل ما توا أم هم على قيد الحياة؟ هل هم في أعماق مخبأ في مكان ما أم يجوبون التلال المتشحة بالليل؟ هل هم رجال العصابات الذين أفضت عملياتهم إلى العديد من عمليات الانتقام النازية التي أودت بالعديد من القرى؟
إننا لا نكون على يقين من الإجابة في مواجهة هذه الأسئلة أبداً، فأوين شيرز يمضي على دربه ببراعة لا نهائية، وفي بعض الأحيان يمضي بنا إلى استنتاج معين، وفي أحيان أخرى يمضي بنا إلى استنتاج آخر. وهكذا تتبدى لنا «مقاومة» رواية إثارة متألقة وفي أحيان أخرى رواية مخيفة، ونجدها في كل الاحيان استكشافاً ناضجاً للغموض الإنساني وللحل الوسط. هناك بعض التفاصيل في الرواية تذكرنا بأن المؤلف لم يولد إلا بعد وقت طويل من وضع الحرب العالمية الثانية أوزارها، وهناك لحظات من الانقطاع أو الملل أيضاً، ولكن شيرز بالإضافة إلى كونه شاعراً فهو من أبناء المنطقة التي تجري فيها الأحداث، ونشأ في هذه التلال عينها، وكل ما يكتبه له بصمة شعرية من الحقيقة.
لكن ماذا عن هاتين الذروتين في الرواية اللتين تتعلق الأولى منهما بتلك الإشارة الأسطورية إلى الأمير وجنوده النائمين والثانية بالعاطفة الإنسانية؟ إنهما بمثابة نوع من الاندماج، ولكن سارة تظل مخلصة لتوم، الذي يتعين علينا أن نفترض أنه قد مات، وتسمح لألبريخت بأن يخرج من حياتها، ويبدو أن أسطورة أولئك المحاربين تتحقق في نهاية المطاف مع اختفائها وحيدة هناك فوق هضبة هاترال، سامقة فوق جبل لا نثوني، وفية لأرضها في نهاية المطاف تماماً كما هي وفية لرجلها الراقد تحت التراب.
وجع الغياب
كانت المحكمة هي التي جعلتها على يقين من أن ما حدث قد وقع بالفعل، ولم يكن خيالاً أو حلماً أو كابوساً سرعان ما يتبدد من دون أن يترك وراءه شيئاً يذكر غير هاجس يرفرف في الصدر لكنه سرعان ما يتبدد. لقد مضى كل رجل في الوادي. كان هناك البارحة سبعة منهم. كانوا هناك بغلايينهم وسجائرهم وحرملاتهم وأحذيتهم الطويلة وضحكهم النادر ووجوههم التي ترك عصف الرياح بصمته عليها وأيديهم التي تصلبت بفعل تقليب الأرض. ولكن في هذا الصباح لم يكن هناك أحد منهم، كان الأمر كما لو أن الوادي قد عايش عيد الفصح الخاص به، وهن، النسوة، تركن على نحو ما من دون أن يمسهن أي ملاك كائناً من كان ذلك الذي زار الوادي في الليل ومضى بعيداً برجالهن.
مقتطف من رواية «مقاومة»
*الكتاب:مقاومة
*الناشر:فيبر أند فيبرـ لندن 2007
*الصفحات:286 صفحة من القطع المتوسط
Resistence
Owen Sheers
Faber and Faber- London2007
P.286