مؤلف كتاب «شرح الفصيح في اللغة» هو: أبو منصور محمد بن علي بن عمر بن الجبّان الأصبهاني الرازي «اللغوي المعروف بابن الجبّان وقد نشأ في الري» وسكن «أصبهان» مدة من الزمن حتى عرف بالأصبهاني وكان إماماً في اللغة، قدم بغداد سنة 391 هـ وروى بها واستفاد الناس منه وأخذوا الكثير عنه وكان من أصحاب «أبي علي النحوي».
وقد تأثر به وانخرط في سلك ندماء الصاحب بن عبّاد وله قصائد في مدح الصاحب وبينهما مكاتبات ثم استوحش من خدمته فتركه وقد كان «ابن الجبّان» ذا مكانة مرموقة في صفوف علماء عصره واسع الاطلاع في علوم متعددة فقد كان ملماً بالحديث الشريف إلماماً كافيا كما كان ملماً إلماماً كافياً بالقراءات القرآنية وكان مطلعاً اطلاعاً كافيا على علوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة وعروض، كما ذكرت المصادر أنه كان شاعراً أيضاً وظل علماً إلى أن توفي. وقد ترك لنا كتباً ظلت منارة للعلم ومنها: أبنية الأفعال، الشامل في اللغة، انتهاز الفرص في تفسير المقلوب من كلام العرب، شرح فصيح ثعلب.
وشرح الفصيح في اللغة هو شرح لكتاب أبوالعباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب الذي ولد في بغداد سنة مئتين وتوفي فيها سنة إحدى وتسعين ومئتين وكان في أيامه إمام الكوفيين في النحو واللغة وصف ثعلب فصيحه في مقدمة الكتاب وخاتمته فهو يقول في المقدمة: هذا كتاب اختيار فصيح الكلام مما يجري في كلام الناس وكتبهم فمنه ما فيه لغة واحدة والناس على خلافها فأخبرنا بصواب ذلك ومنه ما فيه لغتان وثلاث وأكثر من ذلك فأخبرنا بأفصحهن، ومنه ما فيه لغتان كثرتا واستعملتا ولم تكن إحداهما بأكثر من الأخرى فأخبرنا بهما «وألّفناه أبواباً».
وبذلك فإن كتاب الفصيح هو كتاب لغوي جمع فيه ثعلب ما كان يتداوله الناس واكتفى بذكر الفصيح والصواب، ويتضح من دراسة الفصيح أنه يضم قسمين كبيرين الأول يضم أبواب الأفعال والثاني في الأسماء. قدم كثير من النحويين واللغويين شرحاً لهذا الكتاب الهام وقد استفتح «ابن الجبّان» كتابه بشرح مقدمة الفصيح ثم بدأ بعد ذلك بشرح ألفاظه.
وقد تميز منهجه بأنه كان في معظم الأحيان يسوق شرحه على النحو الآتي: قوله أو تقول: ثم يأتي بالفصيح وشرحه آخذا حسب الحاجة بذكر مضارع الفعل أو مصدره أو أحد مشتقاته مثال ذلك: وتقول ماء رواء ـ بالفتح والمد ـ إذا كان مروياً لعذوبته وكثرته ومياه رواء بلفظ واحد ولا يثنى ولا يجمع كالأول وهذا مشتق من روي يروي ريّا وتارة يورد الشرح المعنوي للألفاظ بعد تصريفها وتارة يفسر الألفاظ قبل التصريف كما ذكر في مواضع كثيرة من الكتاب ما تقوله العامة، وقد أشار في معظم الأحيان إلى خطئها معلقاً عليها بعبارة «وليس ذلك بصحيح» أو«وهو خطأ».
فعلى سبيل المثال قوله: وأغفيت في النوم، وهو شيء يسير منه، أغفي إغفاء فأنا مغف، والعامة تقول: غفوت، وليس ذلك بصحيح وقد أورد في كثير من المرات اللغات المختلفة للفظه الواحد مشيراً إلى مرتبة كل واحدة من الفصاحة وفي كثير من الأحيان كان يعلق على هذه اللغات بعبارة: أجود وليست رديئة، ونطق بها القرآن... الخ.
وقد ضم الكتاب شواهد كثيرة من القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر وكانت غاية المؤلف بيان السلامة اللغوية الأصيلة في مادة الفصيح شأنه في ذلك شأن ما نراه في كتب اللغة ومعجماتها المختلفة. وقد اهتم ابن الجبّان بالقياس اهتماماً كبيراً ولهذه النزعة أثر في إثراء اللغة عن طريق القياس وهذا الشرح معني عناية كبيرة به لأنه مقياس صوابي يحتكم إليه في الاستفادة من متن اللغة وبالأخص أن الشارح ينهج في كتابه نهج البصريين.