مؤلفا هذا الكتاب هما صحافيان أميركيان كانا قد أمضيا عدة سنوات في روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991. هذا الكتاب هو عملهما الأول المشترك عن روسيا من خلال تجربتهما الميدانية.

هذا الكتاب هو واحد من سلسلة طويلة من الكتب جعلت موضوعها كلها هو روسيا في عهد فلاديمير بوتين خاصة، وروسيا ما بعد انهيار جدار برلين عام 1989 عامة. روسيا هذه لا تزال محاطة بالألغاز والأسرار، كما كان قد عبّر عنها ذات يوم رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل عندما قال: «روسيا هي لغز محاط بسر داخل لغز».

وهذا اللغز هو الذي يحاول بيتر بيكر حلّه بمساعدة سوزان غلاسر. هكذا تتم متابعة مسيرة روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق) عام 1991 حتى الحقبة الراهنة. وبعد أن يتم تقديم لمحة عابرة عن المحطات الرئيسية التي عرفتها روسيا في ظل رئاسة بوريس يلتسين الذي تولّى السلطة من ميخائيل غورباتشوف إثر انهيار النظام السوفييتي تتركز التحليلات على فترة حكم الرئيس الحالي فلاديمير بوتين التي تجاوزت الآن الخمس سنوات.

ما يتم التأكيد عليه هو أنه بعد انهيار النظام السابق عام 1991 انطلقت روسيا في عملية تغيير جذري تهدف القيام بالتحوّل على مشربين أساسيين. المشرب الأول سياسي ويتعلق بتبني النهج الديمقراطي على طريقة الديمقراطيات الغربية، والمشرب الثاني اقتصادي ويخص تحويل البنية الاقتصادية من صيغتها «المخططة» التي كانت سائدة في الإطار الاشتراكي السابق إلى بنية جديدة تتأقلم مع اقتصاد السوق ولعبة المنافسة الدولية.

لكن ما يتم تأكيده في هذا الكتاب أيضا هو أن فترة حكم فلاديمير بوتين لا تمثل حقيقة مرحلة انتقالية من أجل تحقيق «الثورة الديمقراطية واللبرالية»، وإنما تشكل، على العكس، أكثر فأكثر عودة نحو إقامة دولة ذات طبيعة تسلطية تتقارب، في العديد من الوجوه، مع «الموديل» السابق.

بل ويؤكد المؤلفان، من موقع الشاهد المباشر للأحداث، أن هناك «عملا منهجيا» تقوم به السلطة الروسية الحالية من أجل تغيير التوجه الذي عرفته روسيا في الحقبة ما بعد السوفييتية بقصد الانضمام إلى المعسكر «الديمقراطي» الغربي.

ويحاول المؤلفان أن يشرحا على مدى صفحات هذا الكتاب الآليات التي انتهجتها السلطة الروسية القائمة من أجل إحكام قبضتها على الدولة والمجتمع. ويتم الانطلاق في التحليلات المقدّمة من خلال مجموعة من الأحداث الكبرى التي شهدتها روسيا خلال «السنوات المضطربة» ما بين عام 2001 وعام 2004.

هكذا يتم تكريس فصل من فصول هذا الكتاب الذي يقارب عدد صفحاته ال500 صفحة لكل حدث كبير مثل المجزرة التي عرفتها مدرسة بيسلان التي ذهب ضحيتها عدة عشرات من الأطفال مع محتجزيهم من قوة «الكوماندوز» التي هاجمت المدرسة، ومثل عملية احتجاز الرهائن التي قام بها مقاتلون شيشان في أحد المسارح بقلب العاصمة الروسية موسكو عام 2002، والتي انتهت هي الأخرى بمجزرة.

ومثل الهجوم الذي جرى عام 2001 على المحطة التلفزيونية الروسية المستقلة التي نالت شهرة كبيرة «ان. تي. في»، وقبل هذا وذاك مثل الحرب الشيشانية التي كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد استغلّها، كما يؤكّد المؤلفان، من أجل وصوله أساسا إلى السلطة.

وتتمثل الفكرة الرئيسية التي تتكرر على مدى شروحات هذا الكتاب بصور مختلفة في القول ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو مركز القرار الحقيقي في التوجه الروسي نحو «تضخيم» سلطة الدولة على المجتمع.

ولا يتردد المؤلفان في هذا السياق عن القول إن فلاديمير بوتين قد قام ب«ثورة مضادة» ضد التوجه الذي كانت روسيا قد شرعت به في ظل رئاسة بوريس يلتسين، رغم مظاهر الضعف الكبير والخروقات العديدة و«الخطيرة أحيانا» والتي رافقت ذلك التوجه، لاسيما فيما يتعلق بتعاظم قوة مراكز القوى الجديدة وفي مقدمتها «المافيات».

ويتم الحديث في هذا السياق عن نوع من «عسكرة» النظام في ظل فلاديمير بوتين. ويتمثل أحد المؤشرات التي يؤكد المؤلفان عليها بوجود أعداد متعاظمة من أفراد أجهزة الأمن السابقة، وخاصة جهاز ال«كي.جي.بي» الذي تخرّج منه بوتين، ومن أجهزة الشرطة والجيش، في مراكز الدولة الحساسة والمفصلية.

ويتم التأكيد على أن أعدادهم قد تزايدت بنسبة «مخيفة» بالقياس حتى إلى فترة حكم ميخائيل غورباتشوف نفسه. ومثل هؤلاء «الموظفين» الكبار بينهم العديد من «رجال الرئيس» الذين يسيطرون على آلة الدولة وهم بالتالي يلعبون دور «العيون» التي تنقل كل ما تراه إلى السلطات العليا في الكرملين.

وتتمثل إحدى مظاهر «الثورة المضادة» التي قام بها فلاديمير بوتين، حسب التحليلات المقدمة في هذا الكتاب، بواقع إزاحة جميع «النخب» التي صعدت إلى ساحة الفعل السياسي والاقتصادي في حقبة حكم بوريس يلتسين.

هكذا غدا اليوم جميع أولئك الذين يسيطرون مثلا على القطاعات الإستراتيجية الاقتصادية من «الموثوق بهم» من قبل الكرملين. وكانت إزاحة «النخب اليلتسينية» نسبة إلى يلتسين غير صعبة إذ جرى اتهامهم بكل بساطة بالفساد وسوء استخدام السلطة.

هكذا اضطر «بوريس بيريزوفسكي»، رجل الأعمال الشهير الذي كان من أكثر المقرّبين من يلتسين، عند وصول بوتين إلى السلطة، على بيع أسهمه في قناة «او. آر. تي» قبل أن يضطر إلى مغادرة البلاد إلى بريطانيا بعد أربعة أشهر وطلب اللجوء السياسي فيها.

أما المهمّة التي حددها فلاديمير بوتين لأولئك الذين يحيطون، فيصفها مؤلفا هذا الكتاب بالقول: «ليس العمل من أجل إنجاز التحول المطلوب نحو الديمقراطية وإنما بالأحرى العمل من أجل تثبيت سلطة الدولة».

وتتم الإشارة في نفس السياق إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين كان قد قرر بعد احتجاز الرهائن وما نجم عنه من مقتل العشرات، إلغاء الانتخابات على أساس التمثيل النسبي في البرلمان الروسي «مجلس الدوما». وكان ذلك بمثابة خطوة إضافية في «الثورة المضادة» التي قام بها فلاديمير بوتين.

ويتم التركيز في التحليلات المقدّمة من قبل المؤلفين على مفهوم «الديمقراطية الخاضعة للرقابة». وحيث يريان فيه نوعا من «الغطاء» التي تستخدمه السلطات القائمة في الكرملين من أجل فرض إرادتها باسم المصلحة العامة.

ثم إن مثل هذه «الديمقراطية الخاضعة للرقابة» لا تدخل في إطارها مجموعة «الإجراءات الإدارية» التي تتخذها الحكومة لأغراضها الخاصة. كما أنها كانت قد استخدمتها إلى حد كبير، كما يتم التأكيد، خلال الانتخابات الرئاسية الروسية عام 2000 وعام 2004 من أجل «ضمان» انتخاب فلاديمير بوتين رئيسا لـ (الفدرالية الروسية).

لكن قد يكون من المغالطة الكبيرة التسليح بمثل هذا الرأي ذلك أن الرئيس الروسي السابق (الراحل) بوريس يلتسين كان قد أعيد انتخابه عام 1996 عندما كانت استطلاعات الرأي لا توليه سوى أكثر من 5% من أصوات الناخبين الروس.

لا شك أن انهيار الاتحاد السوفييتي السابق لم يكن مجرد «ثورة» سياسية، وإنما كان أيضا وبما لا يقل أهمية «ثورة» اقتصادية. وكان أحد أهم مظاهر هذه «الثورة» عودة ظهور الملكية الخاصة. وهذا ما يعتبره المؤلفان أحد أهم التطورات التي عرفتها روسيا فيما بعد الحقبة السوفييتية التي كانت قد ألغتها.

ويؤكد مؤلفا هذا الكتاب أن نظام فلاديمير بوتين يميل نحو تشديد رقابته على الاقتصاد الروسي، ومما يشكل بالتالي نوعا من «النكوص» بالقياس إلى حدود التطور المطلوب باتجاه تعزيز «الخصخصة» في شتى الميادين. لكن لا شيء يشير في الواقع المحسوس والملموس أن السلطة الروسية الحالية تريد بالفعل المساس بالملكيات الخاصة للأفراد.

وفي مواجهة الفكرة السائدة القائلة أن فلاديمير بوتين قد استطاع قيادة روسيا نحو حالة من الاستقرار والنظام، فإن الأطروحات المقدّمة في هذا الكتاب ترى في الحالة التي تمّ التوصل إليها نوعا من «التراجع نحو الوراء» ومن «الثورة المضادة». وإن هذا قد أدى إلى إضعاف سلطة الدولة «فعليا» وليس تعزيز دورها وتقويتها «كما يبدو ظاهريا».

وبالتالي يمكن لمثل هذا الوضع أن يحمل في طياته حالة من عدم الاستقرار تلوح في الأفق المتوسط أو البعيد، لا شك أن مثل هذه الأطروحات تحتاج إلى التمحيص والنقاش، لاسيما وأن «روسيا موجودة اليوم في مرحلة انتقالية بين مرحلتين انتقاليتين» حسب تعبير أحد الساسة الروس والمنقول عنه بصدد التعليق على هذا الكتاب.

في المحصلة يخلص المؤلفان في تحليلاته إلى القول إن مستقبل روسيا هو «أقل ثباتا ووضوحا» مما يبدو، وكذلك مستقبل علاقاتها مع الغرب، وخاصة مع الولايات المتحدة الأميركية.

*الكتاب:نهوض الكرملين، روسيا فلاديمير بوتين ونهاية الثورة

*الناشر:بوتوماك ـ لندن2007

*الصفحات: 484 صفحة من القطع المتوسط

Kremlin rising, Vladimir Putin's Russia and the end of revolution

Potomac-london 2007

p. 484