يعمل ريتشارد يونغ باحثا في مركز العلاقات الدولية والحوار كمدير وفي الوقت نفسه أستاذا محاضرا في جامعة «وورويك» في بريطانيا. وكان قد عمل سابقا في إطار القسم الخارجي في الكومنولث حول موضوع الديمقراطية في الشرق الأوسط حيث تعرّف بشكل جيد على المنطقة وتسبح الكثير من العلاقات مع المختصين بها، كما أن المفوضية الأوروبية استأنست كثيرا باستشاراته.

قدّم المؤلف عددا من الأعمال من بينها: «أوروبا والعراق» و«التعاون عبر الأطلسي حول الإصلاح في الشرق الأوسط» و«الديمقراطية الدولية والغرب» و«الاتحاد الأوروبي وتشجيع الديمقراطية: شمال إفريقيا» و«الاتحاد الأوروبي وتشجيع الديمقراطية: السياسات الأوروبية المتوسطية والآسيوية»، الخ.

في هذا الكتاب الجديد: «أوروبا والشرق الأوسط: في ظل 11 سبتمبر» هو بالتحديد كتاب عن «فشل» السياسة المتوسطية لأوروبا. وحيث أن المقاربة الأوروبية لموضوع التحديث في جنوب البحر المتوسط وشرقه ظلت ذات طابع «تقني»، وكانت المساعدات المقدمة ذات طابع سياسي بالأحرى إذ لم ترتبط بمشاريع تنموية محددة.

كذلك لم تلق مسألة الإصلاح والتيارات الإصلاحية الدعم المطلوب. وبشكل عام ظل الالتزام الأوروبي في موقع متخلف وراء الولايات المتحدة الأميركية التي حاولت عدة مشاريع لم يكن مشروع «الشرق الأوسط الكبير» أكثرها تواضعا، رغم أنه لم يؤد إلى نتائج كبيرة على أرض الواقع.

ما يؤكده المؤلف في تحليلاته هو أن مؤتمر برشلونة لعام 1995 الذي أرادت له أوروبا أن يكون نقطة انطلاق في التعاون «المثمر» مع بلدان حوض المتوسط العربية، لم يؤد إلى تنشيط الاقتصاد في هذه البلدان. ولم يكن له أي تأثير حقيقي يُذكر على صعيد التأثير السياسي. بل ولا يتردد المؤلف في الحديث عن «فشل» مسيرة برشلونة بعد عقد من انطلاقها.

ويتم التأكيد على فشلها في الوصول إلى أي تعاون حقيقي في مجال الأمن، لاسيما وأن الأوروبيين أظهروا «طموحهم» في الوصول إلى حل للنزاع العربي-الإسرائيلي. لكن الواقع يدفع للتفكير أن أي حل محتمل سيأتي من الطرف الآخر للمحيط الأطلسي وليس من الاتحاد الأوروبي.

إن الجانب الاقتصادي يحظى بالكثير من الاهتمام في التحليلات المقدّمة حيث يؤكد المؤلف أن التحديث والنمو الاقتصاديين لم ينطلقا أبدا في البلدان العربية، ولا تزال الاستثمارات الأوروبية في المنطقة بأدنى مستوياتها

ولا يزال المهاجرون من جنوب المتوسط يتوافدون بأعداد كبيرة نحو البلدان الأوروبية وبحيث تشكل الهجرة إحدى الملفات «الشائكة» التي تشكل نقطة تقريب وتقارب، كما كان الأمر في سنوات السبعينات عندما كان الازدهار على موعد مع أوروبا.

لم يكن الحال أفضل على المستوى الثقافي، كما يؤكد المؤلف في حديثه عن «المسافة الثقافية» بين أوروبا وبلدان الشرق الأوسط. وهو هنا لا يتردد أيضاً في القول بشكل صريح لا لبس فيه أن «الهوّة» قد غدت أوسع وأعمق على الصعيد الثقافي ولم تتقلص حسبما كانت ترتقب خطط برشلونة.

والفتور «الثقافي» واكبه فتور سياسي لدى البلدان المشاركة في حوار برشلونة. هذا ما دلّت عليه بوضوح أيضاً مشاركة رئيس عربي واحد في القمة التي جاء انعقادها مع الذكرى العاشرة لانطلاق تلك المسيرة.

ولم تستطع تلك القمة التوصل إلى اتفاق المشاركين فيها على تعريف محدد لمفهوم الإرهاب.بالتوازي مع هذا بدأ أن السياسة العربية لأوروبا قد فقدت الكثير من نقاط ارتكازها القوية، فالرئيس جاك شيراك

الذي كان قد اعتبر أن سياسة فرنسا العربية تشكل أحد المحاور المركزية للسياسة الخارجية لبلاده انهمك بالمشاكل الداخلية حيث كان موقفه قد ضعف كثيرا بعد اتخاذه قرار حل الجمعية الوطنية الفرنسية عام 1997 مما أدى إلى وصول الاشتراكيين إلى الحكم بعد فوزهم في الانتخابات التشريعية.

ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير واجه موجات نقد عارمة في بلاده، خاصة بسبب «تبعيته» الكبيرة حيال الإدارة الأميركية. ويعتبر المؤلف أن حكومة ثاباتيرو في اسبانيا «تنقصها الرؤية الاستراتيجية» بينما أن المستشارة الألمانية انجيلا ميركل «مبتدئة» إلى هذه الدرجة أو تلك في ميدان السياسة الخارجية.

وتتناول شروحات المؤلف أيضاً السياسة الأوروبية حيال بعض القضايا الخاصة في الشرق الأوسط مثل العلاقات السورية-اللبنانية بعد اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري. ويركز على القول أن الدبلوماسية الفرنسية-الأميركية قد شكّلت «حجر الزاوية» في طريقة التعامل مع هذه القضية بعد التباين في وجهات النظر حيال أزمة ثم حرب العراق 2002-2003.

ويتمثل أحد المحاور التي يؤكد عليها في تعرضه لشرح العلاقة بين أوروبا والشرق الأوسط في القول أن الأوروبيين لم يقدّموا الدعم المطلوب للقوى المعتدلة في الشرق الأوسط. وبالتالي لم يشاركوا في الحد من صعود الحركات المتطرفة وفي «الحرب ضد الإرهاب».

ويرى في النجاح الذي حققته حركة حماس في الأراضي الفلسطينية وعبر اقتراع حر إنما هو «نتيجة» لتقصير الأوروبيين في تقديم المساعدات للتيار المعتدل الذي يمثله الرئيس الفلسطيني محمود عباس. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن العمل «الإيجابي» الذي قامت به ليبيا، بقيادة العقيد معمر القذافي،

عندما تخلّت عن برامجها النووية لا يمكن اعتباره أحد مكاسب السياسة الأوروبية على قاعدة مسيرة برشلونة أو غيرها، ذلك أن مثل ذلك الأمر قد تم التوصل إليه عبر المفاوضات المباشرة بين ليبيا والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا من موقع أن هذه الأخيرة تشكل ثنائيا مع أميركا وليس من موقعها كعضو في الاتحاد الأوروبي.

إن الهامش الذي تخلّت عنه أوروبا في منطقة حوض المتوسط عامة وفي منطقة الشرق الأوسط خاصة «احتلّته» الولايات المتحدة الأميركية التي عرفت كيف تزيد من مصالحها في المنطقة. ولم تبخل واشنطن أيضاً في تقديم مساعداتها للدول المعنية بينما أن المساعدات الأوروبية لم تكن بالحجم المطلوب،

ولم تكن أيضاً مرتبطة بخطط تنموية محددة يمكنها أن تؤسس لقاعدة ثابتة للتعاون. تتم الإشارة في هذا الإطار إلى تزايد المساعدات الأميركية للمغرب، وإلى تعزيز التعاون أكثر فأكثر في ميدان الأمن بين إدارة جورج دبليو بوش والجزائر بقيادة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

هكذا برزت واشنطن كمنافس حقيقي لأوروبا في المنطقة، وخاصة لفرنسا ذات الموقع المسيطر «تقليديا» في بلدان شمال إفريقيا العربية بحكم الواقع الجغرافي والعلاقة التاريخية، لاسيما في الجزائر حيث استمر الاحتلال الفرنسي 132 سنة.

أما بالنسبة للموضوع المركزي الذي تمثله الديمقراطية في العالم العربي (المتوسطي) عامة وفي الشرق الأوسط خاصة، فإن المؤلف، ورغم الإعراب عن «شكوكه» حيال أن تكون السياسات الأوروبية قد أعطت «أثرا كبيرا» في هذا المضمار، يؤكد على فتح باب النقاش واسعا أكثر بكثير مما كان الأمر في الماضي القريب.

لكن هنا أيضاً كانت الغلبة لـ «البلاغة الأميركية» في مجال الحديث عن تشجيع الديمقراطية. ولم يستطع الاتحاد الأوروبي، رغم أن الديمقراطية تشكل أحد الركائز التي أكد مسار برشلونة على ضرورة تدعيمها في منطقة جنوب المتوسط، أن يقنع الرأي العام العربي أنه مهتم بشكل حقيقي في دفع البلدان العربية إلى تبني الديمقراطية.

ويرى المؤلف أن المشكلة الحقيقية في العلاقة بين أوروبا وبلدان الشرق الأوسط، بالمعنى الواسع، لا توجد في المبادرات المتخذة نفسها وإنما في أشكال وآليات تطبيقها. إنه يؤكد مثلا على إهمال بعد هام يتمثل في تقديم المساعدة والدعم لـ «المجتمع المدني» في البلدان العربية.

هذا في الوقت الذي يعتبر فيه أن مثل الدعم يشكل عملا ومتمما «للتعاون على صعيد الحكومات الرسمية. وهناك بعد آخر يتم التأكيد عليه وهو «الحوار بين الثقافات» والذي يقتصر عمليا حتى الآن على مجموعة من المشاركين في ندوات ومؤتمرات تقوم الدول بتنظيمهما بل وتحدد أيضاً هوية أولئك المشاركين.

هكذا إذا كان قد جرى التأكيد على أهمية «التعاون الثقافي» في مختلف الوثائق النظرية الخاصة بالحوار الأوروبي-المتوسطي والأوروبي-العربي فإن هذا التعاون اقتصر في أرض الواقع على «العلاقة بين النخب». المثال الذي يضربه المؤلف على نقص «فاعلية» التعاون الثقافي بين ضفتي المتوسط هو ملاحظة عدم وجود أي تبدل حقيقي لدى الأوروبيين. فيما يخص الصورة التي كوّنوها حول الإسلام.

تبقى مشكلة الأمن هي التي تتطلب مناقشتها بصورة «أكثر عمقا» كما يقول المؤلف مشيرا إلى الطريقة «التبسيطية» التي يتم نقاشها بها حتى الآن من قبل الأوروبيين. والأمر نفسه بالنسبة لمسألة حقوق الإنسان.

وفي هذه الحالات كلها لا بد للسياسات الأوروبية من أن تأخذ باعتبارها واقع بلدان جنوب المتوسط وخصوصياتها وأن تبتعد بصورة قطعية عن فكرة «تصدير قيمها» الديمقراطية نحو تلك المنطقة.

بالمقابل يركز المؤلف على القول أن من واجب أوروبا أيضاً أن تعيد النظر في سياساتها من أجل أن تلعب على الأقل دورا «متواضعا» في تسهيل حدوث تغيير سياسي في منطقة الشرق الأوسط، وقبل هذه المساعدة في حل نزاعاتها.

*الكتاب:أوروبا والشرق الأوسط: في ظل 11 سبتمبر

*الناشر:لاين رينر ـ لندن 2006

*الصفحات: 255 صفحة من القطع المتوسط

Europe and the Middle East in the shadows of september 11

Lynne Rienner- London 2006

p.255