مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور لويس د. سولومون أستاذ القانون الدولي في عدة جامعات عالمية كجامعة سيدني بأستراليا، وجامعة ميامي، وجامعة فلوريدا. وهو يقدم هنا سيرة حياة أحد أشهر صانعي السياسة في الوقت الحاضر: بول وولفويتز. ومعلوم أنه أحد قادة المحافظين الجدد في أميركا.
فمن هو هذا الرجل بالضبط؟ وأين ولد؟ وكيف كانت نشأته ودراسته؟ عن هذه الأسئلة يجيب المؤلف قائلا: لقد وُلد بول دونديس وولفويتز بتاريخ 22 ديسمبر عام 1943 في مدينة نيويورك. وهو ابن عالم رياضيات يهودي من أصل بولوني يدعى جاكوب ولفويتز. وقد هاجر والده مع عائلته إلى الولايات المتحدة عام 1920 وهو لا يزال في العاشرة من عمره.
وقد تأثر بول وولفويتز بوالده عالم الرياضيات فانتهج دراسات في الفيزياء والكيمياء، ولكنه تراجع عنها فيما بعد وانخرط في دراسة العلوم السياسية في جامعة شيكاغو. وكان في شبابه يساريا بل ويساريا متطرفا على الطريقة التروتسكية.
وفي جامعة كورنيل حيث يدرس والده علم الرياضيات التقى الشاب بول وولفويتز بالفيلسوف الأميركي المعروف آلان بلوم. ومعلوم أنه كان من أتباع الفيلسوف الألماني الشهير ليوستروس. وسوف يصبح آلان بلوم لاحقا إحدى المرجعيات الكبرى للمحافظين الجدد.
ثم يردف المؤلف قائلا: وقد نشأت علاقة وثيقة بين آلان بلوم وتلميذه النجيب بول وولفويتز، وأصبح هذا الأخير تحت تأثيره من أتباع ليو ستروس المضاد للفلسفة الإباحية التي كانت سائدة في أوساط الطلاب الأميركان والفرنسيين في الستينات من القرن الماضي.
وهي فلسفة نسبوية لا نسبية، بمعنى أنها تقول بأن كل شيء يتساوى مع كل شيء، ولا شيء أحسن من شيء، الخ. وبالتالي فالنظام الديمقراطي في نظرها والنظام الديكتاتوري الطغياني صنوان. والحب الطبيعي الشرعي بين الرجل والمرأة ليس أفضل من اللواط أو الشذوذ الجنسي. باختصار فإن النسبوية تعني العدمية والإباحية في نهاية المطاف.
وتحت تأثير آلان بلوم انقلب بول وولفويتز من جهة اليسار إلى جهة اليمين وطرأ عليه تحول إيديولوجي كامل. وسيكون لذلك تأثير كبير على السياسة العالمية لاحقا. وهناك في جامعة شيكاغو راح يحضر شهادة دكتوراه حول الموضوع التالي: خطر انتشار الأسلحة الذرية في الشرق الأوسط.
وفي عام 1972، أي قبيل الثلاثين من عمره، دخل بول وولفويتز في سلك الإدارة الرسمية في واشنطن. وكان يتنقل آنئذ من جهة الديمقراطيين إلى جهة الجمهوريين لا على التعيين وإن كان أقرب إلى الديمقراطيين.
ولكنه عارض منذ ذلك الوقت. السياسة الواقعية بالنسبة له تعني الوقاحة والتخلي عن المبادئ والمثل العليا لأميركا. فكيسنجر في نظره شخص جبان يراعي الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية بحجة الواقعية العقلانية، ولكنه في الواقع يخون مبادئ الحرية والديمقراطية التي قامت عليها الولايات المتحدة الأميركية.
إنها سياسة تساوم على المبادئ من أجل الحفاظ على المصالح الضيقة والعاجلة. وبالتالي فإن بول وولفويتز كان منذ ذلك الوقت من أتباع السياسة المتشددة ضد الاتحاد السوفييتي والشيوعية. ثم دخل إلى وزارة الدفاع، البنتاغون، عام 1977 في ظل رئاسة جيمي كارتر.
ومنذ ذلك الوقت راح يتحدث عن الخطورة التي يشكلها صدام حسين على المنطقة ويدعو إلى محاربته والوقوف في وجهه. ولكن حكومة الرئيس كارتر كانت تريد العكس: أي استخدام صدام كقوة مضادة لإيران الخمينية التي أهانت أميركا بعد الثورة الإسلامية وخطف الدبلوماسيين أو احتجازهم في سفارتها بطهران، وهو الحدث الذي هز العالم وجعله يعيش على أعصابه عدة شهور.
ثم يردف المؤلف قائلا: في ذلك الوقت كان السيد بول وولفويتز ديمقراطيا، ولم يكن أحد يتوقع انه سيصبح أحد صقور الحزب الجمهوري يوما ما. ولكن سياسة كارتر السلمية المتخاذلة تجاه الأعداء خيبت آماله فانتقل إلى حضن ريغان. ومعلوم أنه هزم كارتر في الانتخابات عام 1980 وأصبح رئيسا للولايات المتحدة.
وبما أن ريغان هاجم بعنف الاتحاد السوفييتي ورفض مداهنته أو مجاملته كما كان يفعل كيسنجر فإنه حظي بإعجابه وراح يتحمس له كثيرا. ومعلوم أن ريغان كان أول من أطلق مصطلح إمبراطورية الشر وطبقه على الاتحاد السوفييتي.
وهذا يذكرنا بما سيحصل لاحقا في عهد بوش الذي راح يتحدث عن محور الشر. والواقع أن بوش ليس إلا نسخة طبق الأصل عن ريغان. بهذا المعنى فإنه يختلف كثيرا عن والده جورج بوش الأب الذي كان من أتباع سياسة أكثر واقعية ودبلوماسية واعتدالا.
لكن لنعد إلى بول وولفويتز ومساره الحياتي والسياسي. في الواقع إنه كشف عن مواهبه الإيديولوجية والتنظيمية فعينوه مسؤولا كبيرا في وزارة الخارجية عن شؤون منطقة شرق آسيا. وعندئذ تدخل في شؤون الفلبين وأشرف على عملية الانتقال الديمقراطي فيها بعد قلب نظام الدكتاتور ماركوس على الرغم من أنه كان حليفا للولايات المتحدة.
ومنذ ذلك الوقت راح بول وولفويتز يطبق نظريته السياسية عمليا. وهي النظرية التي تقول بما معناه: لا ينبغي على الولايات المتحدة بعد اليوم أن تجامل الأنظمة الاستبدادية من أجل الحفاظ على مصالحها التجارية معها.
وإنما ينبغي عليها أن تقلبها لكي تحل محلها أنظمة ديمقراطية. وهكذا تصبح أميركا وفية لمبادئها الكبرى والمثل العليا التي تأسست عليها. ومعلوم أنه سيطبق هذه النظرية في العراق لاحقا. وهي النظرية التي قلبت أمور الشرق الأوسط رأسا على عقب.
ثم يردف المؤلف قائلا: وبعدئذ أصبح بول وولفويتز نائبا لوزير الدفاع في ظل ديك تشيني. وكان ذلك بين عامي 1989 ـ 1993 وفي عهد جورج بوش الأب. وكان وولفويتز مسؤولا عن شؤون التخطيط في البنتاغون. وبصفته تلك راح يبلور خطة عامة للقوات المسلحة الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
وفي عام 1991 أشرف بول وولفويتز على تمويل وتنظيم حرب الخليج ضد نظام صدام حسين من أجل تحرير الكويت. ثم أقنع إسرائيل بالبقاء على الحياد حتى ولو ضربها صدام ببعض الصواريخ الفاشلة.
وقال للقادة الإسرائيليين: إن تدخلكم سوف يفشل التحالف الدولي الذي شكلناه والذي يضم العديد من الدول العربية. إنه يحرج أصدقاءنا العرب فاسكتوا واضبطوا أعصابكم ولا تردوا على صواريخ صدام حتى ولو استفزكم أكثر من اللزوم. وهذا ما كان. فالرجل يهودي أميركي ولا يمكن أن يردوا له أي طلب حتى ولو كان مزعجاً.
ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن لحظة بول وولفويتز لم تحن فعلا إلا بعد وصول بوش الابن إلى السلطة وحصول ضربة 11 سبتمبر. عندئذ أصبحت استراتيجية المحافظين الجدد هي استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية ذاتها. وعندئذ أصبح قلب نظام صدام أمرا واردا بالفعل.
ولكن ينبغي الاعتراف بأن بول وولفويتز ليس عدوا للعرب إلى الحد الذي نتصوره. والدليل على ذلك هو أن غلاة الصهاينة هاجموه في إحدى المظاهرات في واشنطن. وقد حصل ذلك عندما صعد على المنصة وقال: ينبغي أن نعترف بآلام الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال الإسرائيلي. إنه شعب يعاني ومظلوم ويستحق التعاطف والاحترام.
وعندئذ هاجوا عليه وصفّروا وزمّروا وأجبروه على النزول عن المنصة باعتبار أنه من أعداء إسرائيل. والواقع أنه من كبار مسانديها ولكنه رجل يحترم الحق أينما كان، وهذا على عكس ريتشارد بيرل الذي هو أيضاً من صقور المحافظين الجدد.
ولكنه لا يقيم أي وزن لآلام الشعب الفلسطيني على عكس بول وولفويتز. وبالتالي فالرجل يتمتع بمصداقية ونزعة إنسانية لا يتمتع بها معظم صقور الإدارة الأميركية.
*الكتاب:بول د. وولفويتز: مثقف رؤيوي وصانع للسياسة، واستراتيجي
*تأليف: لويس د. سولومون
*الناشر:بريجير سيكورتي انترناشيونال ـ نيويورك 2007
*الصفحات: 216 صفحة من القطع الكبير
Paul D. Wolfowitz: visionaryintellectual, policymaker, and strategist
Praeger security International New York 2007
p.216