مؤلف كتاب «المنزع البعيد في تجنيس أساليب البديع» هو «أبو محمد القاسم بن عبد العزيز السجلماسي» ونسبة المؤلف إلى «سجلماسة» قد تدل على أن هذه المدينة العريقة كانت مسقط رأسه أو مكان نشأته أو كليهما معاً ولسجلماسة تاريخها المعروف بوصفها أحد مراكز العلم والتعليم في جنوبي المغرب الأقصى

ومنطلقاً من منطلقات الحضارة الإسلامية المشعة نحو قلب القارة الإفريقية وأول ما يفاجئ القارئ لهذا الكتاب «المنزع البعيد» شمولية ثقافية المؤلف، فهو فيلسوف بلاغي ناقد لغوي، نحوي، عروضي، أديب،

مشارك في القضايا الدينية ذات الصبغة الفكرية العميقة، واسع الاطلاع على علوم اللغة العربية فإذا انتقلنا إلى الجوانب الأخرى من ثقافته، فأن أهمها على الإطلاق شخصيته كفيلسوف منطقي متمكن من ثقافته ومتمثل لها.

ويعد كتاب «المنتزع» والذي انتهى «السجلماسي» من تأليفه سنة 704 هجرية لوناً من ألوان النقد والبلاغة، وإذا كانت البديع تعني في اللغة كل جديد محدث ومخترع فإنها في البلاغة مصطلح علمي من المصطلحات الثلاثة التي انقسم إليها علم البلاغة، حيث ارتبط البديع بتطور جانبين متوازيين من الثقافة العربية ـ الشعر والنثر ـ والبلاغة والنقد.

وهكذا يأتي كتاب (المنزع البعيد في تجنيس أساليب البديع) ليحصي قوانين أساليب النظوم المشتملة عليها الصناعة الموضوعة لعلم البيان وأساليب البديع وتجنيسها في التصنيف، وترتيب أجزاء الصناعة في التأليف على جهة الجنس والنوع وتحرير تلك القوانين الكلية وتجريدها من المواد الجزئية بقدر الطاقة وجهد الاستطاعة.

وعلى ضوء هذا التحديد المنهجي لموضوعه، يحدد مباحث الكتاب في أن هذه الصناعة الملقبة بعلم البيان وصنعة البلاغة والبديع مشتملة على عشرة أجناس عالية وهي: الإيجاز، التخيل، الإشارة، المبالغة، الرصف، المظاهرة، التوضيح، الاتساع، الانثناء، والتكرير.

ومنذ البداية يحدد المؤلف اتجاهه الفلسفي في تناول هذه المباحث اعتماداً على التنظير الفلسفي والتراث الشعري واللغوي والأدبي الذي عرفته العصور العربية ، وهو اتجاه سيغرف من الثقافتين اليونانية والعربية،

ومعنى هذا أن (السجلماسي) يضع القضايا في شكل هرمي يمثل قمته عنوان (المنزع) بينما يمثل قاعدته تلك الأجناس العشرة التي ستتفرع عنها مصطلحات محددة ومتكاملة ومتجانسة في انطلاقها من الجنس العالي إلى آخر ما تتفرع إليه من مصطلحات ومفاهيم تفريعاً توليدياً بالتنازل وتجميعاً بالتصاعد

وقد أكد المؤلف في كتابه في خطوت بدأها بتمهيد تناول فيه قيمة البيان في حياة الإنسان إذ به يستطيع فهم أسرار الإعجاز القرآني بيانا ومعنى وتذوقاً وإدراكاً لما تفتقت عنه ألسنة المبدعين ثم موضوع المنزع من خلال مباحثه العشرة مع رصد موجز لأهم عناصره المنهجية في مناقشة قضاياها.

الانتقال إلى تتبع كل جنس ورصد تفريعاته الإصلاحية ومفاهيمه مع بيانها تنظيراً وتطبيقياً. انتقاله في الجانب النظري من الموطئ إلى الفاعل أي من الكلي العام ـ المقدمة ـ إلى الكلي الخاص ـ القانون ـ الذي قد يمثل كلياً عاماً آخر إذا كان قابلاً للتفريع،

وهكذا وفي كليهما كان يعتمد على شخصيته وثقافته الموسوعية في التخطيط لفلسفة نقدية وبلاغية مستعيناً بآراء اللغويين والنحاة والأدباء والنقاد من جهة وبالفلاسفة والمناطقة من مفكري المسلمين واليونان

من جهة أخرى هذا مع وضع تنظيره الخاص قبل الإقدام على تلك الآراء إيماناً بأن النظام التنظيري الذي اعتمده سيوصله إلى الصواب لا محالة. إن كتاب «المنزع البعيد» هو أحد منجزات الفكر العربي في القرن الثامن الهجري.