مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور طارق متري وزير الثقافة اللبناني الحالي، وأحد مؤسسي «اللقاء اللبناني للحوار»، ومفكر مرموق له إسهام ملموس في الحوار الإسلامي المسيحي، وتحتل كتاباته القيمة في هذا المجال أهمية؛ نظراً لأنها تحمل بين طياتها فهما عميقا للتراث الديني الشرقي، وقراءة واعية للدين والسياسة في الغرب. وأصدر كتاب «مدينة على جبل ـ عن الدين والسياسة في أميركا»، وسبق وأن عمل كأستاذ محاضر في عدد من الجامعات العربية والغربية، وبقي لسنوات مسؤولاً في مجلس الكنائس العالمي.

وينشغل الدكتور طارق متري في كتابه «سطور مستقيمة بأحرف متعرجة» بدراسة أوجه العلاقة بين المسيحيين العرب والمسلمين العرب، وكذلك علاقتهم بمحيطهم العالمي، خلال فترة تطاول القرن العشرين المنصرم. وتمتدّ دراسته لتتناول موقع مسيحيي المشرق الأرثوذكسي في العالم العربي منذ بدايات الدعوة الإسلامية، حيث لم تكن المسيحية غريبة عن القبائل العربية قبل الإسلام، وانتشرت في أكثر من قبيلة عربية.

ثم يستطلع مصائر المسيحيين والمسيحية في المشرق العربي، محللاً حيثيات الحوار بين المسيحيين والمسلمين، والمتغيرات والتطورات التي لحقت بالمسيحيين العرب، وأفضت إلى حدوث تراجع وجودهم ودورهم، منذ نصف قرن مضى، في المواقع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، باحثاً في ارتباط ذلك التراجع بجملة التطورات الخارجية والتغيرات الداخلية في البلدان العربية والعالم.

ويعي طارق متري أن ما يجمع بين المسيحيين والمسلمين العرب، على صعيدي الإيمان والأخلاق، ينهل من العيش المشترك، وينهل أيضاً من النصوص الدينية والخبرات الروحية، لكنه لا يضمن في حدّ ذاته الوحدة الوطنية. فالتشابه في أمور الدين، لا يؤسس وحدة، ولا يفضي بالضرورة إلى الشراكة في الوطن، كما أن التباين، بل الاختلاف، لا يستدعي حكماً الفرقة أو التنافر، ذلك أن «العيش المشترك» ليس، في المقام الأول، مسألة دينية فقط، مع أنه، بمعنى ما، شأن ديني أيضاً.

وهنا يأتي الدور لثقافة الحوار بين المسلمين والمسيحيين في تجديد العيش المشترك، والتي من شأنها أن تؤول إلى نقد ما يسميها طارق متري «الجوهرية الطوائفية»، التي تفرض أن لكل جماعة شخصية متجانسة وطبائع ثابتة مميزة، تكونت في كنف الهوية الدينية، وباتت قائمة بذاتها. ولا شك في أن الحوار قادر على المساعدة في تحرير الثقافة الدينية من سطوة الثقافة الطائفية، من خلال ردّ الدين إلى دوره الروحي ليعود ثانية إلى دوره المجتمعي، بوظيفة جديدة.

أما معايير ثقافة الحوار، فيحددها طارق متري في ضوء معايير السياق اللبناني، بالنزاهة الفكرية، وعدم الوقوع في سياسة الكيل بمكيالين ومقارنة ما لا تحسن مقارنته، والتعميم، وأن يُمكّن الحوار كل المشتركين به من التعامل بنوع من الندّية، والتمييز ما بين الديني والسياسي، بمعنى الإحجام عن تسييس الدين بشكل مصطنع، أو تسخيره لحسابات السياسة.

ويرى متري أنه بالرغم من أن الدين بريء مما أصاب اللبنانيين وما يصيبهم، وأن القادة الروحيين لم يترددوا في تكرار إعلان براءته، إلا أنه لم يقم بدور فاعل في نقد الفكر الطائفي. وإذا ما حالت علاقات المواجهة والمنافسة دون تنامي هذه النقد لدى كل طائفة بمفردها، فهلاّ يفتح الحوار المجال واسعاً أمامه؟

ويرجع طارق متري إلى التاريخ، كي يعرض علاقة المسيحيين بالمسلمين، إذ عندما جاء الإسلام، لم يجد المسيحيون في الدين الجديد نداً لهم من الناحية اللاهوتية، وبقوا طوال العهود الإسلامية على ولاء للدولة الجديدة. ويظهر تاريخ الحضارة العربية - الإسلامية الدور الهام، الذي اضطلع به المسيحيون في المشرق العربي في جميع الانجازات الفكرية والفنية والأدبية لهذه الحضارة، وتبرز أهمية دور المسيحيين في تكوينها وتشييد بنيانها الاجتماعي والثقافي.

وكانت هناك تمايزات عديدة ما بين المشرق والبيزنطيين الذين كانت دولتهم قائمة آنذاك، إلى جانب عمق الخلاف السياسي واللاهوتي معهم. ولا يغفل أحد عن الدور المهم الذي اضطلع به المسيحيون المشرقيون في مساعدة الجيوش الإسلامية في تحقيق فتوحاتها وتكريس سيادتها في أكثر من موقع.

بالمقابل، فقد ترك الصراع البيزنطي ـ الإسلامي آثاراً سلبية على العلاقات ما بين المسلمين والمسيحيين في تلك الفترة، واتخذ هذا الصراع بعداً دينياً زاد من توتره النجاح السريع وغير المتوقع للجيوش الإسلامية وإلحاقها الهزيمة العسكرية بالجيوش البيزنطية. ولم يعيق هذا التوتر من استمرار الدور الفاعل لمسيحيي الشرق في استنهاض المجتمعات العربية، وخاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين.

فقد ميزوا أنفسهم عن المرسلين الغربيين وتوجهاتهم السياسية، وتبنّوا الدعوة العربية ونظّروا لها، وأكدوا على وثاقة العلاقة الحضارية بين العروبة والإسلام، وشاركت النخب المسيحية في حركة النهضة العربية من منظارها الخاص، حيث جمعت ما بين الانتماء الشرقي الراسخ وبين الانفتاح المبكر على الغرب وأفكاره التنويرية.

وفي أسباب تراجع دور المسحيين، يذكر متري بأن الحروب الصليبية وغزوات المغول كانت سبباً رئيسياً، بل وأول الأسباب، إذ بالرغم من أن معظم المسيحيين المشرقيين رأى في الحملات الصليبية استهدافاً واعتداء خارجياً، يصيبهم بمقدار ما يصيب المسلمين، إلا أن بعض الولاءات المسيحية وتعاونها مع هذه الحملات ساهم في تأجيج عداوات إسلامية عبّرت عن نفسها برواج كتابات فقهية إسلامية اتّسمت بالقسوة في حق المسيحيين.

ثم تأتي العلاقة التي نسجها الغرب مع العالم الإسلامي، وسعى فيها إلى توظيف الدين في تعزيز مواقعه السياسية داخل الإمبراطورية العثمانية. وقد ساعد سقوط القسطنطينية في يد المسلمين العثمانيين، في تكريس نظرة إسلامية ترى في سيطرة الأتراك السياسية والعسكرية المتنامية على حساب المواقع السياسية ذات الطابع المسيحي، دليلا إضافياً على تفوق الإسلام على المسيحية.

غير أن التطورات والمتغيرات البنيوية، التي حدثت في البلدان العربية والإسلامية، تشكل السبب الأهم في تراجع دور المسيحيين وضعف فاعليتهم. إضافة إلى أن الهجرة المسيحية من العالم العربي باتجاه دول الغرب، تظهر بوصفها السبب الأخطر في تراجع هذا الدور، كونها هجرة تعبّر عن إحباط ويأس من إمكان التعايش والتفاعل على قاعدة الاحترام المتبادل والاعتراف بالمساواة في المواطنة، أي بعيداً من كل تمييز طائفي ضد الأقليات المسيحية.

ويتحمّل فشل مشروع التحديث في البلدان العربية المسؤولية الكبيرة في تراجع دور المسيحيين العرب هذا المجال، حيث لم تنجز الأنظمة التي حكمت بلداننا بعد الاستقلال أيّاً من المهام التنموية والتحديثية، التي تصدت لها، ففشلت في تحقيق التنمية المرجوّة ولم تحقق التقدم المطلوب، سياسياً واجتماعيا واقتصادياً، وغيّبت الديمقراطية والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ولم تتمكن من التصدي الفعال للمشروع الصهيوني واستعادة الأراضي المحتلة.

وقد ألقى هذا الفشل بظلاله على قوى التقدم والتنوير، وأفسح المجال واسعاً أمام حركات الأصولية والتطرف، التي باتت تقدم نفسها بديلاً، وتطرح مشروعها خلاصياً، يحمل بين طياته تمييزاً دينياً وطائفياً حيال الأديان غير الإسلامية، فضلاً عن معاداتها كل من يخالف توجهاتها وأطروحاتها.

ويقرّ طارق متري بالأسباب الموضوعية لتراجع الدور المسيحي، لكنه يشير إلى بعض المظاهر في الكنائس المسيحية، التي تركز على تأكيد الانتماء والإحياء الديني، وتعمل على توظيف المؤسسات الحديثة في الحفاظ على روابط الانتماء الطائفي، وتوثيق عراه كوسيلة وحيدة لتماسك المسيحيين واستعادة دورهم. وبالمقابل فقد كان الموقف من المسيحيين العرب إحدى الحلقات الأساسية في توجهات حركات الإسلام السياسي المتطرفة، من خلال الربط بين الغرب والمسيحيين، وصبهم في بوتقة واحدة، ووضعهم في خانة العداء.

وإن كانت الهجرة تشكل نزيفاً متمادياً في التشكيل الديموغرافي للمسيحيين المشرقيين، إلا أن المأمول هو عدم الانزلاق أكثر في متاهات الإحباط ومضاداته من التطرف، ذلك أن رجحان كفة توكيد الانتماء على كل المستويات، الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والتربوية والقيمية والسياسية، يدحض أطروحات منظري الانكفاء، والانعزال، لمصلحة التزام حقيقي باستثمار الطاقات المسيحية مع الإسلامية في بناء مواطن العدل والسلام، التي يتسيّدها الاختلاف الحواري.

ويشكل الحوار ما بين المسيحيين والمسلمين الحقل المحايث لكتاب طارق متري، حيث يعتبر أن الحوار بين الأديان ثقافة، تستند إلى أساس روحي، على خلفية أن عمل الله الخلاصي يتعدى مجال عمل الكنيسة، وأن التعدد الديني ينهض على فهم للأيمان، فحواه أن يد الله تقود كل الناس إلى الإله الحق.

وليس المطلوب من الحوار البحث عن الاتفاق بأي ثمن، فالصعوبات التي واجهت هذا الحوار ولا تزال كثيرة، حيث لم يكن يسيراً أن يبدّل المسيحيون نظرتهم إلى ذواتهم وإلى المسلمين، كما لم يكن سهلاً كذلك أن يضرب المسلمون صفحاً عن الماضي المليء بمشاعر الريبة والعداء تجاه المسيحيين، وأن يستبدلوا الثقة محل الشك في نيات الكنائس حيالهم.

ويعتبر متري أن «كثرة الطائفية وقلة الدين، تحول هذا الحوار إلى وجه من وجوه التنافس على السلطة أو تقاسمها، واستعارة لغة الدين للدفاع عن المصالح المفترضة للطوائف، مما منع القوى المتحاورة في تحديد ما يجب تناوله وما يجب الامتناع عن طرحه».

عمر كوش

*الكتاب: سطور مستقيمة بأحرف متعرّجة

عن المسيحيين الشرقيين العلاقات بين المسيحيين والمسلمين

*الناشر: دار النهار ـ جامعة البلمند، بيروت 2007

*الصفحات: 260 صفحة من القط