هو بشار بن برد بن بهمن (وقيل ابن يرجوخ) ولد بالبصرة في حدود سنة ست وستين للهجرة ونشأ فيها واشتهر شعره ثم سكن بغداد وكانت فيها وفاته سنة ثماني وستين ومئة للهجرة كان ضخماً مفرط الطول عظيم الوجه أعمى جاحظ العينين وقد تغشاهما لحم أحمر فكان قبيح العمر مجدور الوجه .
ولكن من يقرأ شعره لا يشعر بأنه أعمى وذلك من فرط دقة علمه ووصفه للأشياء لكنه كان سيء الخلق سريع الغضب سريع الهجاء متجاهراً بالسكر مفتخراً بالزنى محباً للذات والتنعم شجاع القلب قليل الاكتراث بالمخاطر لكنه كان من المعدودين الذين اطلعوا على علم الكلام.
وقد اتفق جميع الرواة على أنه مات مقتولاً من ضربه على التهمة بالزندقة أيام المهدي، بشار بن برد من أبناء الفرس بلا خلاف وأبوه أول من أسلم وكان بشار مولى «لبني عقيل» وقع أبوه في ألفي في سبي المهلب من أعجام ما وراء النهر سنة 80 للهجرة فصار عبداً «لخيرة القشيرية» زوج المهلب بن أبي صفره ثم وهبته مولاته خيرة لامرأة من بني عقيل.
وتزوج عند امرأة الملهب وكان «برد» طيّانا يضرب اللبّن وقد أعتقت العقيلية بشاراً بعد موت أبيه فصار مولى عقيل ولذلك كان أئمة الأدب يلقبونه ببشار العقيلي كان بشار من أهل الوجاهة والسمعة، وكان مكرماً لدى خلفاء بني أمية ورجال دولتهم .
وكان أيضاً له مكانته عند خلفاء بني العباس (أبي جعفر المنصور والمهدي) ينبئنا شعر بشار فضلاً عن بلاغته وفصاحته بأنه متمكن في العلم بأحوال العرب وعاداتهم وأيامهم وآدابهم وأخلاقهم وأحوالهم حتى أنه لينظم القصائد فلا يخل بشيء مما يودعه فحول العرب في أشعارهم وكذلك كان علمه بأحوال الإسلام ومناهج الشريعة وعادات المولدين.
وقد أحدث بشار طريقة جديدة وسطاً فهو آخر المتقدمين لأن لهجة شعره وجزالة ألفاظه ورواج اللغة العربية في شعره وطريقته العربية في كثير من شعره وذكره المفاخر وأيامها وانتصاراتها كل ذلك لم يقصر في شيء منه عن المتقدمين وكان يحتذي حذوه في هذه الصفة البحتري في شعره لكنه أول الشعراء أيضاً الذين امتلأ شعرهم بالمعاني الجديدة والعادات الحضرية من نسيب رقيق وخمريات وهجاء مقذع مع النزوع إلى بعض العناية بالمحسنات اللفظية والمعاني العلمية.
وهذه سنة خالف بها طرائق الشعر العربي القديم لذلك لقب بأبي المحدثين أما تفننه في الأغراض الشعرية فقد سلك فيها طرائق ابتكرها منها افتتاح الهجاء بالنسيب (الغزل) وقد كان العرب يفتتحون المديح بالنسيب مثل قصائد (زهير ـ الأعشى ـ النابغة) كما أنه يعدد الأغراض في القصيدة الواحدة.
أما ابتكار المعاني فلبشار معان مبتكرة كثيرة حتى أن الشعراء كانوا يعمدون إلى معانيه فيسرقونها ويتصرفون بها قال بشار: من راقب الناس لم يظفر بحاجته وفاز بالطيبات الفاتك اللهيج. فأخذه سليم بن عمرو الملقب بالخاسر فقال: من راقب الناس مات غماً وفاز باللذة الجسور.
وقد جمع بشار في مملكته الشعرية بين متانة المعنى وفصاحة اللفظ وبداهة القريحة وقلما اجتمعت في شاعر ومطالع شعر بشار يجده مماساً للحوادث التاريخية من أواخر الدولة الأموية إلى أواخر عصر المهدي. وقد رسم بعض المؤرخين حوادث من تاريخ العصر العباسي بأبيات من شعر بشار وربما وجد البعض في شعره من الإشارة إلى حوادث أو بقاع أو رجال ما كان التاريخ قد أهمل ذلك.
وقد عده الجاحظ في كتابه(البيان والتبيين) من الشعراء المطبوعين المولدين للمعاني الجديدة كما قال عنه الخطيب البغدادي: ما عرف بشار بسرقة من جاهلي ولا إسلامي وقد تكلم بشار في نقد الشعر كلاماً يعد به من أئمة النقد والبلاغة كما أن له نثراً رائعاً وسجعاً يجعله في مصاف كبار الشعراء على مدى الأيام ليكون علماً من إعلام العصر العباسيٍ.