مؤلف هذا الكتاب الضخم عن الشعر الألماني المعاصر هو الشاعر والمترجم الانجليزي من أصل ألماني: ميكائيل هوفمان. والواقع أنه ولد في مدينة فريبورغ بألمانيا الغربية عام 1957. ولكنه نشأ وترعرع في انجلترا منذ نعومة أظفاره. وقد درس الأدب الانجليزي في اوكسفورد وكامبردج، ثم راح يشتغل ككاتب حر ومترجم قبل أن يصبح أستاذا زائرا في بعض الجامعات الأميركية. ولكنه الآن يكتب ويعيش في لندن، وقد نال عدة جوائز على ترجماته الرائعة للأدب الألماني إلى اللغة الانجليزية وبخاصة ترجمة برتولد برينت، وكافكا، وآخرين عديدين.
وهو الآن يقدم في هذا الكتاب الجديد مختارات من الشعر الألماني في القرن العشرين. ومن أهم شعراء هذا القرن بالإضافة إلى ريكله الشاعر جورج تراكل، وبول سيلان، وآخرون عديدون. وفيما يخص ريكله يقول المؤلف بما معناه: لقد ولد في براغ عام 1875 وابتدأ بكتابة الشعر بشكل مبكر جدا.
ولكنه تنكّر فيما بعد لقصائده الأولى. ثم راح يرحل في البلدان بحثا عن آفاق أخرى فعاش في ألمانيا وبخاصة في مدينة ميونيخ الساحرة، وسافر إلى روسيا مع لو اندريا سالومي حيث قابلا تولستوي في مزرعته ولكن اللقاء لم يكن جيدا نظرا لأن الكاتب الروسي الكبير كان في حالة نفسية سيئة بسبب الخصام العنيف والمتواصل مع زوجته.
ثم ذهب ريلكه عام 1902 إلى باريس عاصمة الفنون والآداب بامتياز. وهناك تعرف على النحات الشهير رودان وأصبح سكرتيراً له، وظل يتردد على باريس طيلة اثنتي عشرة سنة متواصلة. وهناك تشكل ريلكه الحقيقي وابتدأ يكتب أعماله النثرية والشعرية الكبرى، ومن بينها مذكراته الشخصية التي اتخذت العنوان التالي: دفاتر مالت لوريدز بيرغ (1910). وهي مذكرات حقيقية وخيالية في ذات الوقت.
وفي عام 1912 ابتدأ كتابة مراثي الدونيو الشهيرة، ولم تنته إلا عام 1922 حيث وصل إلى ذروة الكتابة الشعرية والفكرية.
وبعد أن أنجزها شعر بفرح غامر وراحة هائلة وقال: لقد أنهيتها خلال بضعة أيام فقط، لقد كان ذلك عاصفة بلا اسم، كان إعصاراً روحياً لم أشهده من قبل قط. الآن انتهيت وفرّغت كل ما عندي. كل ما فيّ من لحم ودم، من مشاعر واحباطات انفجر دفعة واحدة. الآن يحق لي أن أتنفس الصعداء وأقول: لقد أنجزت مهمتي.
ولذلك قال عنه الناقد الألماني كاسنير: إنه آخر الشعراء الكبار، آخر الشعراء الخالدين على مرّ الأزمان.ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن أعمال ريلكه صعبة على الفهم، وينبغي على القارئ أن يبذل بعض الجهد لكي يتوصل إليها، نقرأ هذا المقطع الجميل:
الغيمة التي تترصّدنا فوق الغابة،
كما تعلّمنا أن نحبّها،
منذ أن عرفنا أنه بظهور المعجزات،
سوف تنفجر في يقظة المطر،
على المواسم التي تحلم.
ثم يردف المؤلف قائلا: أما الشاعر جورج تراكل فقد ولد عام 1887 ومات عام 1914 عن عمر لا يتجاوز السبعة وعشرين عاما. ومع ذلك فقد ترك اسمه على صفحة الآداب الألمانية كأحد كبار الشعراء. ومعلوم أنه ولد في مدينة سالزبورغ وأنهى فيها دراساته الثانوية. ثم تعلم مهنة الطب والصيدلة لكي يعيش منها.
وبعد أن هاجر إلى فيينا عاصمة النمسا راح ينخرط في صفوف الجيش عام 1912 كممرض في المشافي. وهناك، وخلال الأشهر التي بقيت له لكي يعيش، كتب أعماله الشعرية. وبالتالي فحياته الأدبية كانت قصيرة جدا، بل وأقصر من حياة رامبو التي يضرب بها المثل في القصر. وهموما تسيطر على أشعاره موضوعات كالخريف، والوحدة، والموت.
وفي شهر نوفمبر من عام 1914 امتص كميات ضخمة من العقاقير الطبية أو المخدرات ومات منتحرا. وبموته يختفي أحد كبار الشعراء في ألمانيا. وربما كان قد جسّد في الشعر المذهب الانطباعي الذي ساد في فن الرسم آنذاك. وهو مذهب مولع بالطبيعة أيضا. ومن أشهر ممثليه: مانيه، ومونيه، وديغا، وفان غوخ، وكوربيه، الخ. وقد صوروا الطبيعة بشكل أخاذ وفي كل الفصول.
يقول من قصيدة بعنوان: ذروة الخريف أو تألّق الخريف:
السنة تنتهي بكل قوتها،
خمور الذهب وثمار البساتين،
الغابات صامتة حولنا دائر ما اندار،
ورفاق الإنسان الوحيد
«كل شيء على ما يرام»، يقول الفلاح
أجراس المساء، خفيفة وبطيئة،
كلها أفراح حتى النهاية،
عصافير تمر ـ تحيّتي وداعا.
إنه الفصل المناسب للحب
والصورة على مدار النهر الأزرق،
جميلة، تتلو الصورة،
الراحة في الختام، الصمت.
ثم يردف المؤلف قائلا بما معناه:
أما الشاعر جوزيف فينهيبر فقد ولد في فيينا من عائلة نمساوية عريقة عام 1892. ومات منتحرا أيضا عام 1945 في اليوم الذي دخلت فيه القوات الروسية إلى فيينا لتحريرها من النازية. لم يتحمل هذا الشاعر الحساس تلك الكارثة التي حلت ببلاده والتي تمثلت باحتلال هتلر لها أولا ثم استباحة الروس لها ثانيا. يضاف إلى ذلك كل آلام الحرب وويلاتها.
ويضاف إلى ذلك أيضا أنه عاش في البداية حياة الحرمان واليتم والفقر واضطر لممارسة كل الأعمال الصغيرة لكي يعيش. ثم عندما ابتدأ ينشر دواوينه الأولى لم يهتم به أحد. فكاد أن يصل إلى حافة الهاوية: هاوية اليأس المطبق والرعب والجنون.
نقول ذلك على الرغم من أن جامعة فيينا اكتشفت أهميته عام 1933 وقدمت له جائزة موزار تقديرا لأشعاره وبخاصة لديوانه الذي يحمل العنوان التالي: فيينا حرفا حرفا. وهو كتاب يستوحي حياة العاصمة النمساوية الشهيرة التي لا تقل حبا للفن عن باريس.
وبعد أن اشتهر جوزيف فينهيبر راح يهجر العاصمة ويذهب للعيش في قرية جميلة لا تبعد عنها كثيرا. راح يقترب من الطبيعة إلى أقصى حد ممكن لكي يشعر بالبراءة تحيط به من كل الجهات. نقول ذلك وبخاصة أن طبيعة النمسا من أجمل ما خلق الله على وجه الأرض. فهناك لا ترى إلا السواقي والبساتين والخضرة المنعشة على مدّ النظر.
يقول من قصيدة بعنوان «الفتاة الشابة»:
إنها أرض ناعمة،
إنه استيقاظ الربيع،
إنها البراري البريئة،
أحيانا يهب النسيم،
ويحرك الأزهار، والزمن، بكل بطء وأحلام
جميلة، يمر... يدا بيد، نمر من هناك،
تمر أشكالٌ وظلال.
إنها بحيرة هادئة،
طرية ولكن ليست عميقة،
مياه تلمع ساطعة تحت الأضواء
وفي انعكاسة المرايا
تندلع السماوات
والرب القريب
برحمته يرعى الأشياء، وتزدهر الحياة.
ثم يردف المؤلف قائلا: أما الشاعر بول سيلان فيعتبره البعض أهم شاعر ألماني بعد الحرب العالمية الثانية، وكان قد ولد عام 1920 في رومانيا ومات منتحرا هو الآخر أيضا في باريس عام 1970 بعد أن ألقى بنفسه من أعلى جسر الفنون الواقع على نهر السين. وقد انتحر في العشرين من شهر أبريل ولكنهم لم يكتشفوا جثمانه إلا بعد عشرة أيام، أي في الأول من مايو.
كان شاعرا وجوديا مأساويا وكان مترجما أيضا. فقد ترجم أعمال الشعراء والكتاب الفرنسيين إلى اللغة الألمانية لأنه كان يعرف الفرنسية جيدا. بل وعاش في باريس فترة طويلة وفيها انتحر كما ذكرنا آنفا.
لقد ترجم بول سيلان بعض نصوص جان كوكتو، ورينيه شار، وهنري ميشو، وآرثر رامبو، وبول فاليري، وسواهم عديدين. ومن أشهر دواوينه نذكر: من عتبة إلى عتبة (1955)، زهرة لا أحد (1963)، شموس لكي تُنتج (1968)، قوة الضوء (1970). وأما من نصوصه النثرية فنذكر: مقابلة في الجبل.
*الكتاب:الشعر الألماني في القرن العشرين
*الناشر: فارار ستروس جيرو
نيويورك 2006
*الصفحات: 544 صفحة من القطع الكبير
Twentieth century German poetry
an anthology
Michael Hofmann
Farrar Straus Giroux-N.Y2006
P. 544