هذه هي بعض الأسئلة التي يحاول المؤلف الإجابة عليها في الفصول الستة للكتاب والتي تحمل العناوين التالية: «المادة والإنسان والإشعاع» و«كيفية التعامل في فرنسا اليوم مع النفايات النووية» و«أشكال معالجة النفايات ذات العمر المديد» وآليات التخزين الجيولوجي للنفايات ذات الدرجة الإشعاعية العالية» و«تطور التعليب الزجاجي للنفايات على المدى الطويل» ثم أخيرا «تأملات نهائية».
بدأت مشكلة النفايات النووية تنطرح في فرنسا بشكل قوي منذ مطلع سنوات التسعينات عندما برزت حركات احتجاج محلية ضد عمليات تخزين النفايات المعنية في جوف الأرض، وفي طبقات عميقة وتحت الإشراف المباشر لوكالة الطاقة الذرية. لقد بدا من الواضح آنذاك أنه لا تمكن معالجة المسألة من وجهة نظر «تقنية» محضة ولم تتأخر الحكومة في اتخاذ قرارات بتجميد عملية التخزين كما اتخذ البرلمان في عام 1991 قانونا حول ضرورة البحث عن الحلول الممكنة و«المأمونة» بالنسبة للنفايات النووية.
هكذا عرفت فرنسا للمرة الأولى نقاشا عاما حول الموضوع. النفايات النووية تطرح بالتأكيد مشكلة علمية، لكنها تطرح أيضا مشكلة اجتماعية. لكنها تندرج في إطار الجدل حول ضرورة تأمين مصادر التزود بالطاقة، وهذا يتطلب القيام ب«خيارات استراتيجية كبرى».
إن هذا الكتاب يشكل مساهمة هامة في نقل النقاش حول الخيار النووي للطاقة إلى اهتمام البشر المعنيين باعتبار أنهم المعنيّون، أخيرا، بما ستؤول إليه «النفايات النووية الناجمة عن إنتاج الطاقة في المفاعلات. إنه يشرح ماذا يعني الإشعاع النووي ومخاطره وآليات الحماية منها، ليس بالنسبة للأجيال الحالية فحسب وإنما بالنسبة للأجيال القادمة أيضا. هذا مع التأكيد أنه «من الصعب أكثر التعامل مع النفايات النووية مما هو مع النفايات التقليدية الصناعية وحيث يراد غالبا التشبيه بينهما».
إن المؤلّف وكي يبيّن، منذ البداية مدى جدية مشكلة النفايات النووية، اختار لتصدير كتابه جملة للروائي الشهير ميلان كونديرا تقول: «الأسئلة الأكثر سذاجة هي أسئلة خطيرة حقيقة. والتساؤل الذي لا إجابة عليه يمثّل عقبة لا يمكن الذهاب إلى ما هو أبعد منها. بتعبير آخر أن الأسئلة التي لا إجابة عليها هي التي تبيّن محدودية الإمكانيات البشرية وترسم حدود حياتنا».
ويحاول المؤلف، بطريقة «تربوية» واضحة، أن يبدأ مع قارئه من البداية، ويتساءل: «ما هي الذرة؟». وبعد أن يؤكد أنه من المستحيل معرفة «أصل» الذرات «فرديا» يضيف: «الذرات لا لون لها ولا رائحة ولا طعم. لكنها اللبنات الأساسية التي تتكون منها أية مادة».
ثم نقرأ أنه «في مركز كل نواة توجد النواة التي توليها الفيزياء النووية اهتمامها». هكذا يتعرّف القارئ على مدى فصل كامل في الكتاب بصورة علمية مبسّطة ومفهومة بالنسبة لغير الأخصائيين تكوين الذرات وآليات الإشعاع الذري. وهو يشير في هذا السياق إلى أن «الإشعاع يرتبط في المخيلة الجماعية للبشر بمفهوم معقّد، ويرتبط قبل أي شيء بفكرة الأذى والخطر. إنه لا رائحة له ولا لون، صامت وغير مرئي ولا يتبدّى لحواسنا. لكن علينا أن نتجرأ ونذهب أبعد من هذا الإحساس الأولى واستكشاف بعض المشاهدات البسيطة».
ويعود المؤلف إلى ذكر المحطات الرئيسية في مسيرة اكتشاف الذرة، وخاصة العمل الذي قام به العالمان بيير وماري كوري في نهاية القرن التاسع عشر واكتشافهما لوجود «عناصر مشعة» في بعض المواد وحيث نالا جائزة نوبل للفيزياء عام 1903. ثم يتم الحديث في الإطار نفسه عن «الرابطة» بين الإشعاع النووي والطبيعة «الكيميائية» للذرات، وعن «الانشطار النووي» الذي يصفه المؤلف بالكلمات التالية:
«إن الطبيعة لا تحب الأنوية ـ جمع نواة ـ الثقيلة (...). والنواة الثقيلة جدا يمكن أن تتشوه إلى درجة يصبح انكسارها أمرا لا يمكن تجنبه. إنها تنقسم عندها إلى نواتين أو ثلاث أكثر صغرا وتنشر جزئيات، هي نترونات عامة، كما تنشر أيضا طاقة. هذا هو مبدأ الانشطار النووي العفوي». وهناك «الانشطار المبرمج» عبر «سلسلة» من التفاعلات.
ويشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات «آثار الإشعاعات النووية على الصحة». ويقول أنه يمكن اعتبار «الخلية» في الجسد الحي، بمثابة «الفرد داخل المجتمع». ذلك على أساس أن الخلية «مثل الكائن الإنساني» تساهم في مستوى أعلى من التنظيم. وهي «مثله» أيضا لها وجودها «المستقل». ثم إن «وظائفها» تؤمن لها الاستمرار، و«إعادة إنتاج نفسها» وفي النهاية «موتها».
وللخلايا أيضا «إستراتيجياتها في الدفاع الذاتي عن نفسها». ويشرح المؤلف أنه في قلب كل خلية من العشرة آلاف مليار تقريبا التي تشكل الكائن الإنساني توجد نواة تحمل الصفات «الجينية» المعروفة ب»الحامض النووي ـDNA »، وهي موجودة بشكل مزدوج حيث أنه عندما يتم الانشطار تأخذ كل نواة «جديدة» الصفات المورثة معها.
إن التعرّض للإشعاعات النووية يمكن أن يؤدي إلى آثار مباشرة على الجسد الإنساني وعلى آثار شاقولية تمتد إلى أجيال لاحقة. وليس من أقل هذه الآثار التعرض للأورام والأمراض الخبيثة وأشكال من الخلل على صعيد المورثات. ويؤكد المؤلف في الوقت بنفسه أن آثار الإشعاعات النووية تختلف حسب الأفراد، وحسب الجرعات. فإذا كانت هذه الجرعات كبيرة فإن التأثير يكون «أكيدا» أما إذا كانت قليلة فإن التأثير يكون «محتملا».
وهذا ما يشرحه المؤلف تحت عنوان صغير هو «ما بين الجبرية والاحتمال». ويشير الخبراء في هذا الميدان أنه ينبغي التمييز بين مرحلتين كبيرتين في عملية تكوّن الأورام الخبيثة الناتجة عن الإشعاعات النووية. هناك أولا الأثر المباشر على الحامض النووي DNA والذي لا يكون غالبا ذا تأثير حاسم أو دون نتيجة بالنسبة للجسد إذا ماتت الخلية. الأثر المؤذي هو الناتج عن «تكدّس التبدلات الناتجة عن شيخوخة الخلية».
وما يتم تأكيده في هذا السياق أن الفرنسيين جميعهم يتعرضون لإشعاعات قليلة قد تتزايد عدة أضعاف في بعض المناطق. وهنا يبرز عامل النفايات النووية وضرورة الوصول إلى قواعد تضبط كل ما يتعلق بها، لاسيما التحديد الدقيق للمناطق الخاضعة للرقابة ولآليات هذه الرقابة.
وتتم في هذا الإطار دراسة «دورة المحروقات النووية»، هذه الدورة يصفها المؤلف أنها: «تعاقب المراحل ومسيرة العمل ابتداء من استخراج اليورانيوم الطبيعي ثم القيام بتخصيبه واحتراقه داخل المفاعل وبعدها إعادة تدويره وأخيرا تأمين شروط حفظه والتخزين النهائي للنفايات المتبقية في نهاية الدورة». وما يتم تأكيده حيال هذه الدورة كلها هو أنها تبدأ في الطبيعة وتنتهي في الطبيعة أيضا.
تبقى المادة الرئيسية في الدورة المعنية هي اليورانيوم الذي يمثل المادة الأولية بامتياز في الصناعة النووية. وهو موجود في العديد من مناطق العالم وعلى رأسها كندا واستراليا وجنوب إفريقيا. وتقدر الاحتياطات المتوفرة منه في العالم والتي يمكن الوصول إليها بسهولة بحوالي 4 ملايين طن. هذا يمثل حسب إيقاع الاستهلاك في المفاعلات النووية الحالية مدة 50 سنة من الاستهلاك.
وقد يمكن اكتشاف «مناجم» أخرى لاحقا، لكنها ستكون بالتأكيد أقل غنًى مع صعوبة أكبر بالنسبة لعملية استثمارها. كذلك يمكن لاستخدام اليورانيوم الناتج من تفكيك الأسلحة أو يمكن لتطوير مفاعلات جديدة تعمل على «النترونات السريعة» أن يشكل حلا لتجنب الشح في المحروقات النووية حلال العقود القادمة.
وفي محصلة التحليل تمّ التوصل إلى الإقرار أن أفضل طريقة ل(تعليب) النفايات النووية «ذات النشاط الإشعاعي العالي وطويل الأمد» تتمثل في الزجاج. ف(الزجاج النووي) يناسب جيدا عملية حفظ النفايات النووية. لكن كم سيسمح الغلاف الزجاجي الذي يحتوي على النفايات النووية بانطلاق إشعاعات خلال العشرة آلاف أو المئة سنة القادمة؟ يتساءل المؤلف ليؤكد أن الباحثين العلميين يؤكدون اليوم «فعالية» التعليب الزجاجي ولكن «النتائج المحتملة لخطأ في الحكم قد تكون مأساوية».
بكل الحالات تبقى مسألة النفايات النووية مطروحة، ويشرح مؤلف هذا الكتاب أن عملية تخزينها في طبقات جوفية أرضية مستقرة تبدو اليوم الحل الأكثر أمانا.
*الكتاب:النفايات النووية، أي مستقبل؟
*الناشر:دونو ـ باريس 2006
*الصفحات: 195 صفحة من القطع المتوسط
Les déchets nucléaires, quel avenir ?
Stéphane Gin
Dunod - Paris 2006
p.195