جان ماري مونتالي وجاك لوسانغ صحافيان يعملان في جريدة «لوفيغارو» الباريسية، الأول بصفة مدير تحرير تنفيذي والثاني كبير محققين فيها.قام هذان الصحافيان بالعديد من اللقاءات مع مساجين سابقين كانوا قد أمضوا عدة سنوات من حياتهم وراء القضبان لأسباب مختلفة.

لكن ومهما كانت الأسباب والتهم الموجهة لهم فإنهم واجهوا، ويواجهون، جميعهم الإشكالية نفسها وهي إعادة بناء حياتهم من جديد، وذلك بعد عملية «الموت الاجتماعي» التي كانوا قد عانوا منها في السجن.لا شك أن الدخول إلى السجن تجربة قاسية يتعرض لها كل أولئك الذين يعيشونها. ولكن الخروج منه هو أيضا مشكلة قد تكون أقسى وأعمق، لاسيما في حالة الغياب شبه الكامل لعملية تحضير «الخارجين من السجن» لمواجهة حياتهم الجديدة داخل مجتمعاتهم. لكن هؤلاء المساجين «السابقين» يريدون، في غالبيتهم العظمى، أن يعيشوا حياة طبيعية «مثل الآخرين». إنهم «محكومون» بالعيش داخل مجتمع «ينظر لهم بكثير من الشك والتشكك». هذا وتصبح المهمة أكثر صعوبة بالنسبة لأولئك الذين أمضوا فترات طويلة في السجن. حتى بالنسبة لأولئك الذين استطاعوا منهم أن يتابعوا دراساتهم أثناء فترة سجنهم وحيث قد يصل بعضهم إلى أعلى المستويات العلمية. وتدل الحالات المدروسة على أن العديد من السجناء قد حصلوا على شهادة الدكتوراه في السجن الذي كانوا قد دخلوه وهم في أول درجات سلم الدراسة.

تحت عنوان «الرجل الذي كان يقرأ كلوديل»، والمقصود هو الشاعر الفرنسي الكبير بول كلوديل، يتعرض المؤلفان لحالة السجين السابق بن عمار سيب الذي كان قد صدر بحقه حكم لمدة 12 سنة ودخل السجن في شهر فبراير 1994 كي يخرج منه في شهر أكتوبر 2000 بعد أن أمضى فيه ست سنوات وتسعة أشهر.

«بن عمار» هو أحد أبناء «الضواحي» التي تقطنها أعداد كبيرة من ذوي الأصول المهاجرة. «لقد ترعرع في تلك الضاحية في الوقت نفسه الذي كان يتصاعد الغضب فيها»، كما يقول المؤلفان. ثم يشيران إلى الحالة الاقتصادية الصعبة وتفشي ظاهرة البطالة بين أبناء ذلك النوع من الضواحي وحيث تصل نسبة العاطلين عن العمل بين شبابها ما بين 30% إلى 40% أحيانا.

ويتم وصف الضاحية التي كان يسكنها «بن عمار» واسمها «بوسكيه» القريبة من باريس أن 90% من سكانها هم من أصول مهاجرة وأغلب الذين وصلوها منذ فترة طويلة وحتى منذ فترة وجيزة لا يتحدثون اللغة الفرنسية. والكثير من الأطفال فيها لا يذهبون إلى المدارس ويتربّون في الشوارع أمام «العمارات التي يقطنونها مثلما كان حال بن عمار».

ويقوم المؤلفان في هذا الإطار برسم لوحة عيانية لواقع البؤس الذي يعيشه أبناء الضواحي وحيث تستطيع حفنة قليلة من «المارقين» و«الخارجين على القانون» جمع ثروات كبيرة أحيانا عبر ممارسة كل أنواع التجارات الممنوعة، وليس أقلّها شأنا المخدرات.

وفي مثل تلك الضواحي يكبر الأطفال دون أن يجدوا أمامهم أفقا مفتوحا. فقط يكبرون مع «الحقد» الذي ينتشر مثل «وباء» من ضاحية إلى أخرى. ويغدو نمط السلوك الذي يتم تبنيه هو: «أنا حاقد، أخرب وأضرب وأسرق وأقتل أحيانا. وقد أتعرّض للموت. وفي أغلب الأحيان يكون السجن في نهاية الطريق».

ما يؤكده «بن عمار» أنه قد عرف تماما هذا المسار. لكنه قبل أن يخرج من السجن عام 2000 كان قد «تحرر» منذ عام 1998 عندما قرر أن «يترك مهنة اللصوصية كي يعيش كإنسان شريف». كما يقول. ثم يضيف: «كنت سابقا أقوم بالسرقة من أجل الحصول على المال، لكنني كنت أريد الاعتقاد أنني كنت متمردا ضد النظام الاجتماعي».

«لم يكن أحمد ـ والد المعني ـ يحلم في حياته سوى بأمرين أولهما الحصول على سقف تحتمي تحته أسرته وتأمين لقمة العيش. ولا شيء أكثر»، هكذا يصف المؤلفان وضع أسرة السجين السابق التي بلغ عدد أبنائها 11 بين أخ وأخت. كان الأخ منهم «رشيد» هو الوحيد الذي وجد عملا «يعيش منه». الآخرون «حفيظ» الذي كان يدعي كل يوم عندما يعود إلى المنزل أنه قد «وجد» شيئا.

فما كان من الأب، الأمّي تقريبا، إلا أن اصطحبه ذات صباح إلى جميع شوارع بلدتهم ثم شوارع البلدة المجاورة وأخيرا شوارع باريس. وكان يقول له عند بداية كل شارع: «سنرى إذا كنا سنجد شيئا لأخذه إلى المنزل». وعند العودة إلى المنزل مساءً لم «يجد» الأب ما يرد به على كذب ابنه الواضح سوى صفعة قوية على وجهه. هناك اخوة ثلاثة آخرون عرفوا السجن لفترات متقطعة بينما أمضى أخ رابع «يزيد» سبع سنوات في السجن.

في مثل هذا الإطار عرف بن عمار طريقه «بشكل طبيعي» إلى السجن. لم يكن يرى أمامه في الواقع أي طريق آخر. وفي السجن تحديدا بدأ بـ «قراءة الكتب» حقيقة أولا وأساسا من أجل قتل الوقت. وشيئا فشيئا «فهم أن الكلمات يمكنها أن تروي حكايات استثنائية رائعة. هكذا تكدّست الكتب في زنزانته وأخذ حسّه يزداد رهافة. لقد أخذ يقرأ روائع الأدب الكلاسيكي والفلسفة وعلم الاجتماع. دوستويفسكي وتولستوي وزفايغ والوار».

وفي السجن أيضا تسجل لتعلم دروس في المسرح على يد مخرج محترف كان يأتي من الخارج. وينقل المؤلفان عن بن عمار سيب قوله لهما بذلك الشأن: «كان اكتشافا كبيرا، لقد تضاءل العنف في كلامي يوما بعد يوم. وبقدر ما كنت أريد أن أعرف أكثر أحسست أنني أكثر انشراحا وأكثر ثقة بنفسي». وكان الدور الأول الذي لعبه هو في مسرحية «اغاممنون»، التراجيديا الإغريقية المعروفة، صفّق له السجناء كثيرا. بكى عندما عاد إلى زنزانته. و«قال لنفسه، للمرّة الأولى، أنه قد يكون نافعا لعمل شيء آخر غير سرقة البنوك».

لقد استفاق يومذاك قليلا، وكانت «الصدمة» الأخرى الكبرى ذات يوم من ربيع عام 1998 عندما زاره أخوه الأكبر «رشيد» وأخبره أن أخته «كريمة» ابنة الثالثة والعشرين عاما، والمعاقة، قد توفيت. في تلك اللحظة قرر أن يضع حدا نهائيا لمسيرته «المنحرفة». يقول: «عند وفاة ملاكي الصغير، أخذت القرار أن الفترة التي أقضيها ستكون آخر سنواتي فيه. أردت الخروج منه، من أجلها ومن أجل أمي ومن أجلي».

وبتاريخ 3 أكتوبر 2000 انفتحت أبواب السجن أمامه. «لقد وجد بن عمار نفسه في الخارج، جدران السجن وراءه والحياة أمامه»، كما يقول المؤلفان. لكنها كانت «حرية مشروطة» إذ كان ممنوعا من مغادرة الأراضي الفرنسية لمدة خمس سنوات، وممنوعا من الإقامة في المنطقة الباريسية حيث لديه الكثير من «المعارف» وبالتالي من «الشركاء المحتملين» في أعمال سرقة جديدة. سافر إلى مدينة تولوز بعد 10 أيام من خروجه من السجن حيث قبلته المدرسة العليا للفنون السمعية البصرية التابعة لجامعة المدينة في عداد الـ 200 طالب من طلابها.

كان السؤال الأول الذي تعرّض له في الدرس الأول للدراسة هو: وأنت أين كنت في العام الماضي؟ لم يعرف بماذا يجيب؟ هل يخبرهم عن سجنه؟ هل يكذب؟ هل يغادر؟ لقد قرر أن يغادر إلى حيث لا يسألونه السؤال نفسه.

لم تستمر دراسته الجامعية سوى أربعة أيام، عاد بها ليقيم إلى جانب والدته المريضة، بعد أن حصل على إذن السلطات القضائية المختصة بذلك. لكن كان عليه أن يجد عملا. لم يكن ذلك ممكنا في إطار المسرح. ذهب إلى مكتب العمل، وعندما سأله الموظّف عمّا كان يفعله مؤخرا؟ أجاب: «مسؤولا عن المكتبة في السجن حيث أمضيت ست سنوات وتسعة أشهر».

وبعد أن دقّ «بن عمار» على العديد من الأبواب وفتّش في الإعلانات الصغيرة في الصحف، استطاع أن يحصل على عمل كعامل لنقل الأثاث. لقد تمسك كثيرا بهذا العمل ولكن «أحيانا مع رغبة التخلي عنه والإمساك بالسلاح من جديد. فهذا أكثر سهولة من العمل». يقول: «لكنني لم أكن أريد السقوط من جديد. كنت أفكر بأمي. بوجهها. وكنت أذهب في الحال كي أقبل يدها. كانت تبكي، لكنها كانت سعيدة برؤيتي إلى جانبها وليس رؤيتي ورصاصة تخترق رأسي».

في عام 2003 ألّف «بن عمار» مسرحية ووقع عقدا للعمل كممثل. دعاه التلفزيون حيث تحدث عن ماضيه. ذهب في اليوم التالي إلى البنك الذي يوجد فيه حسابه المصرفي. عندما دخل رفع جميع الموظفين أيديهم «وهم يضحكون». وفي شهر أكتوبر 2006 كان «بن عمار» في دولة بجزيرة «رينيون» حيث يعمل على مسرحية جديدة. وفي شهر يناير 2007 هناك مشروع فيلم سينمائي طويل.

نعم هناك حياة بعد السجن.. كما يبدو من خلال 12 حكاية مثل حكاية «بن عمار» في مضمونها، يتضمنها هذا الكتاب.

*الكتاب:هل هناك حياة بعد السجن؟

*الناشر:تالاندييه ـ باريس 2006

*الصفحات:186 من القطع المتوسط

Y a- t - il une vie après la prison ?

seuqcaJ ,ilatnoM eiraM - naeJ

Lesinge

6002 sirap - reidnallaT

p.186