ديبورا رودريغيز ليست كاتبة في الأصل ولا علاقة لها في عالم الأدب والكتابة، وإنما في عالم «التجميل» إذ أمضت سنوات من حياتها مصففة للشعر في أحد «صالونات» الحلاقة بولاية ميتشيغان الأميركية. في عام 2002 عرفت سيرة حياة ديبورا رودريغيز منعطفا كبيرا إذ قررت القدوم إلى أفغانستان مع إحدى المنظمات الإنسانية الصغيرة تعمل في الإطار الطبي.
وعندما وصلت إلى «الميدان» الذي ستمارس فيه نشاطها أدركت أنها لن تكون مفيدة كثيرا في تقديم المساعدات الطبية إذ لم تكن تمتلك أي تكوين مهني يسمح لها بذلك. لكنها اكتشفت بسرعة أن تجربتها وخبرتها في مجال التجميل وتصفيف الشعر يمكن أن تقدم خدمة كبيرة بالنسبة للنساء الأفغانيات.
بل ربما تساهم في إحداث تغيير جوهري في سياق حياتهن، وعلى أقل تعديل يمكن أن يشكل ذلك نوعا من إحياء مهنة كانت مزدهرة في كابول إلى أن ألغاها نظام طالبان السابق. هذا لاسيما أحد الميادين الذي تخرج تماما عن سلطة الرجال الذين لا يحق لهم الدخول إلى أماكنها.
وفي كابول أسست عام 2003 «مدرسة للتجميل» حيث تعيش مع زوجها الأفغاني. لقد بدأت مغامرتها دون أن تمتلك أية إمكانيات مادية، لكنها استطاعت بما تمتعت به من تصميم وبما كان يدفعها من رغبة أن تحصل على الدعم الذي سمح لها بتحقيق مشروعها وتأسيس مدرستها التي تؤمّها الطالبات الأفغانيات لتعلّم مهنة التجميل مما قد يساعدهن في تحقيق استقلالهن المادي الذاتي.
مغامرة ديبورا رودريغيز صاغتها كـ «شهادة» في هذا الكتاب. والذي تقول في إهدائه لوالدها الذي توفي بعد سفرها إلى أفغانستان ما يشير إلى نظرتها لمغامرتها. وجاء فيه: «أهدي هذا الكتاب إلى أبي، جون تورفر، الذي توفي يوم 5 يونيو 2002 عندما كنت أقيم للمرّة الأولى في أفغانستان.
أبي، لم أستطع أن أحدثك عن أفغانستان وعن مدرستي. لقد تركتني مبكرا. أعرف أنك كنت ستحب زوجي سام، إنه يشابهك بطريقته الأفغانية. أعرف أنك كنت ستكون قلقا من أجلي ولكنك أيضا كنت ستكون سعيدا جدا لرؤيته، إنني قد حققت حلمي. يضنيني غيابك».
هذا الكتاب ـ الشهادة الذي يقارب عدد صفحاته ال300 صفحة ليس فيه عناوين داخلية ولا عناوين فصول وإنما مجرد «أرقام» من 2 إلى 10 للدلالة على «انتقال» ما في مسيرة الحكاية ـ المغامرة التي عاشتها المؤلفة التي تستخدم ضمير المتكلم. ونفهم أنها وصلت إلى كابول في شهر مايو من عام 2002، أي في الربيع الأول بعد سقوط نظام طالبان.
وكانت قبل شهرين فقط من تفجيرات 11 سبتمبر 2001 قد التحقت بدورة طبية لتتعلم كيفية تقديم الإسعافات الأولية في حالات الطوارئ الصحية التي أقامتها منظمة إنسانية غير حكومية. وإذا كانت لم تتعلم الشيء الكثير في المجال الطبي فإنها استطاعت أن تقنع المسؤولين عن تلك المنظمة أن يرسلوها مع الفريق الأول الذي كانت تتأهب لإرساله إلى أفغانستان.
وهي تؤكد قولها: «كنت أعتقد أنني سأمضي هناك شهرا أضمد فيها بعض الجراح». لقد جاءت إلى أفغانستان وفي رأسها بعض الأفكار، «لكن لم يتم أي شيء بالطريقة التي كانت قد توقعتها»، كما تقول.
وكانت قد تعرفت على رفاقها في الفريق «الطبي» في مطار شيكاغو حيث كانت المنظمة الإنسانية التي أرسلتهم قد زودتهم بقبعات حمراء من أجل «التعارف» كانت باكستان هي المحطة الأولى كي تنقلهم بعد ذلك طائرة تابعة للأمم المتحدة إلى كابول. عند الوصول إلى أرض المطار كانت آثار الحرب من حفر وهياكل دبابات وطائرات محترقة هي المنظر الغالب.
وكانت لافتة «أهلا بكم في أفغانستان» هي المؤشر «الأقوى» على أن الواجهة التي تحمله تخص المبنى الرئيسي للمطار «الذي بدا وكأنه لم يستقبل زائرين منذ عدة سنوات»، كما تقول المؤلفة، مشيرة إلى ألواح الزجاج المحطّمة وأحجار القرميد التي لا تزال تحمل آثار الرصاص.
إن القارئ يمكن أن ينسى أحيانا أنه أمام هذه الشهادة الواقعية الحية كي يظن أن الأمر يتعلق بروايات كتبها مبدعون كبار عن الحروب على شاكلة «وداعا للسلاح» لارنست همنغواي. هكذا يكتسي هذا العمل قيمة وثائقية حقيقية تمتاز بدقة عالية وجميلة في الوصف، إلى جانب ما تفصح عنه عن مشاعر إنسانية - مثل تلك التي عاشتها صاحبة هذه الشهادة الأميركية عندما تتساءل عن الكيفية التي سيقابلهم بها الأفغان، هي ورفاقها.
تقول: «هل سوف يقابلوننا بالحب لأن الولايات المتحدة أطاحت بنظام طالبان؟ أم أنهم سوف يواجهوننا بالحقد بسبب عمليات القصف العمياء والكثيفة لعاصمتهم وللمناطق المحيطة بها؟» وتمثل هذه الشهادة في أحد جوانبها دراسة لعادات الشعب الأفغاني وللشخصية الأفغانية وكيفية التعامل مع الغرباء في هذه البلاد المشهورة بقسوتها وأنها استعصت على جميع الفاتحين في التاريخ.
وتؤكد الكاتبة في إحدى جملها قولها: «علي أن أعترف أنني وطيلة فترات إقامتي في هذه البلاد، لم أصادف أبدا أفغانيين مبتذلي السلوك. إذ وحتى عندما يطلبون منك الركوع على الركبتين أمامهم والبندقية بيدهم، يحافظون على أدبهم».
هذا وتذكر «ديبورا رودريغيز» العديد من المفارقات «اللطيفة» أحيانا التي تعرضت لها منذ وصولها إلى أفغانستان بسبب جهلها لعادات البلاد واختلاف مدلولات التعابير والحركات. مثل ذلك الموقف الذي عرفته يوم وصولها للمرة الأولى إلى كابول وصعودها مع رفاق فريقها إلى الشاحنة التي ستقلهم إلى مكان «عملهم»، وعندما كان كل شيء جاهزا للانطلاق عند إعطاء الإشارة للسائق كي ينطلق نظر له الشرطي المعني وهزّ رأسه.
تقول: «عندها تجمّد الدم في عروقي وأنا أتساءل عمّا إذا كان سيمنعنا من الانطلاق. لكن السائق انطلق، فسألته: لماذا هزّ الشرطي رأسه... فعندنا في أميركا يعني هذا الرفض». فابتسم لها السائق وهو يقول: أما عندنا فيعني هذا «أنا موافق، هيا انطلق».
كان فريق العمل الذي رافقته المؤلفة مؤلفا منها إلى جانب ستة أشخاص آخرين هم ثلاثة أطباء وممرضة وأخصائية توليد وطبيب أسنان. كان لهؤلاء جميعهم، باستثنائها، تجربة في عمليات الإسعاف الإنسانية. «من المفروض أنهم كانوا يتساءلون لماذا ارتأت المنظمة أن ترسل معهم مصففة شعر. وبدأت أنا نفسي أتساءل عن ذلك» كما تقول.
وذات يوم جرى تنظيم لقاء عام للأجانب العاملين في كابول، ومنذ سنوات بالنسبة للبعض منهم. ضمّ اللقاء حوالي 150 شخصا وقصد إلى التعارف وعرض المشاريع التي يعملون بها. وكان رئيس كل مجموعة يقدّم أعضاءها للآخرين الأخصائيين في مختلف المجالات العلمية والتقنية.
وعندما أنهى رئيس مجموعتها تقديم أعضاء الفريق وصل لها فقال: «في النهاية هذه هي ديبورا رودريغيز، إنها مصففة شعر من ميتشيغان، وقد تلقت تدريبا». فقاطعته القاعة بالتصفيق الحاد. وتردد التعليقات التي مفادها: «أي حظ كبير لنا أن تكوني بيننا».
سرى خبر وجود مصففة شعر غربية في كابول مثل النار في الهشيم. «لقد أراد صحافيون ودبلوماسيون ومبشرون وأعضاء منظمات إنسانية وأشخاص من مختلف الأصناف الاتصال بي»، كما تقول ديبورا.
لقد وجدت «عملاقا مفيدا» ورفدته بعمل آخر هو «تسلية الأطفال في المدارس بواسطة الدمى ودعمهم سيكولوجيا».
وتروي على مدى عدة صفحات كيف نجحت في أن يصل «مقصّها» إلى شعر بعض الرجال الأفغان من المحيطين بها. وكيف أن بعضهم رفضوا ذلك بخلوهم عنوة، وإنما بمودة، إلى «الكرسي» مثل سائق الشاحنة داوود وقاموا بتصوير العملية وهم «يضحكون». تقول المؤلفة: «ربما سيتم عرض هذا الشريط ذات يوم على قناة الجزيرة، كبرهان على عمليات التعذيب التي قامت بها مصففات الشعر الأميركيات ضد الأفغانيين».
كذلك تمثل هذه الشهادة توصيفا دقيقا للأوضاع التي تعيشها المرأة الأفغانية عبر معايشتها القريبة لأوضاعهن، لاسيما بعد أن دخلت في «شراكة» للعمل في أحد «الصالونات» الأفغانية التقليدية باعتبارها «الأخت الأميركية». وهذا ما كان قد شكل اللبنة الأولى لتنفيذ مشروعها بتأسيس مدرسة للتجميل. كان ذلك المشروع قد بدا للكثير صرفا من الجنون. لكنها وجدت فيه ما أسمته «تجميل بلا حدود».
وتحكي صاحبة هذا الكتاب كيف أن صديقاتها الأفغانيات قد أتين لها ذات يوم ليخبرنها: «لقد وجدنا لك زوجا». اسمه سامر محمد عبدول خان والملقب بـ «سام». وقد أصبح زوجها فعلا. وهي تؤكد اليوم أنها تعيش حياة سعيدة هانئة، ويشهد النشاط الذي تمارسه «التجميل» ازدهارا كبيرا.
كتاب ـ شهادة يختلط فيه الوصف بالمشاعر الإنسانية بالحرب في أفغانستان بتحليل مجتمعها بوضعية النساء. وقبل كل شيء بمغامرة امرأة ذهبت بعيدا وراء تحقيق أحلامها.
*الكتاب:مدرسة تجميل في كابول
*الناشر:راندوم هاوس - نيويورك 2007
*الصفحات : 288 صفحة من القطع المتوسط
Kabul beauty school
Random House-NEW YORK 2007
p. 288