مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الفرنسي ايريك برونيه الذي يشتغل في القناة الثالثة للتلفزيون الفرنسي. وكان قد نشر سابقا عدة كتب استفزازية لفتت الانتباه. ولكنه هذه المرة يتعرض لموضوع سياسي خطير يشغل الساحة الفرنسية حاليا ألا وهو موضوع اليمين واليسار.
ويطرح منذ البداية أسئلة من النوع التالي: من يتجرأ في فرنسا الآن على القول بأنه يميني؟ أي فنان أو أي مثقف أو حتى أي صحفي يتجرأ على ذلك؟ الكل يخجلون من هذا النعت الشائن: يميني. نقول ذلك على الرغم من أن فرنسا بلد ذو أغلبية يمينية واضحة.
لماذا كل هذا الخوف من أن ينعتك الآخرون بأنك مثقف يميني؟ لأن ذلك يعني فورا أنك رجعي بل وحتى فاشي في عالم الثقافة والتعليم وحتى السينما والمسرح والفن. ولذلك فإن الجميع يهربون من هذا الاتيكيت المخيف. الكل يريدون أن يوصفوا باليساريين التقدميين.
ثم يردف المؤلف قائلا: في الواقع أن اليمين يدفع ثمن حكومة فيشي، أي نظام الماريشال بيتان المتعامل مع الألمان بعد سقوط باريس في يد النازية عام 1940. منذ ذلك الوقت وحتى اليوم نلاحظ أن صفة اليميني أصبحت مرادفة للعميل المرتبط بالمحتل النازي.
وهي صفة مرعبة لا يتجرأ أي مثقف ولا حتى أي شخص في فرنسا أن يحملها أو يتحملها. ومعلوم أن الطبقات البورجوازية العليا في المجتمع الفرنسي أيدت آنذاك الماريشال بيتان لكي تنجو من معاقبة النازيين ولكي تعيش بطمأنينة وتستمتع بفلوسها وحياتها.
وعلى هذا النحو ارتبطت صفة اليميني بالعميل في فرنسا. نقول ذلك على الرغم من أن مؤيدي الماريشال بيتان كانوا عديدين في صفوف اليسار والطبقات الشعبية. ولكن وصمة العار ارتبطت أو التصقت فقط باليمين البورجوازي.
ثم يردف المؤلف قائلا: في الواقع أن اليمين فردي النزعة ويترك لك الحرية الشخصية أكثر من اليسار. فاليسار يدمجك في حزبه ويؤطرك إيديولوجيا على عكس اليمين. وهذا شيء قديم في تاريخ فرنسا. إنه يعود إلى عصر فولتير الذي قال بأن الشعب الفرنسي سوف يظل دائما شعبا جاهلا وضعيفا أو قاصرا. وبالتالي فهو بحاجة إلى العدد القليل من النخبة المستنيرة لكي تقوده وتوجهه.
وهذا تصور ردئ في الواقع ويدل على عدم الثقة بالشعب بل واحتقار له. وبعده نلاحظ أن رائد العلمانية في فرنسا، أي جول فيري، راج يعمّم نفس التصور على الشعوب الأخرى بالقياس إلى الشعب الفرنسي ويبرر الاستعمار. يقول بما معناه: «إن من واجب الأعراق العليا المتحضرة أن تسيطر على الأعراق الدنيا المتخلفة لكي تعلمها وتهذبها وتحضرها». نقول ذلك دون أي محاولة للانتقاص من قيمة جول فيري.
فإنجازاته عظيمة فيما يخص مجالات أخرى. ثم يعود المؤلف إلى تاريخ الحرب العالمية الثانية ويطرح هذا السؤال: هل حقا أن كل مثقفي اليمين كانوا عملاء للنازية؟ وهل صحيح أن كل مثقفي اليسار كانوا من رجال المقاومة؟ الجواب هو بالنفي في رأيه.
لا ريب في أن بعض كبار المثقفين اليمينيين أدينوا بتهمة التواطؤ مع المحتل بعد تحرير فرنسا. نذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر: مارسيل ايميه، ساشا غيتري، جان جيونو، هنري دو مونترلان، بول موران، الخ.
ولكن الكثير من الاشتراكيين وحتى الشيوعيين كانوا متواطئين مع المحتل أيضا. نذكر من بينهم مارسيل ديا الذي كان وزيرا في حكومة الجبهة الشعبية الاشتراكية بقيادة ليون بلوم. فقد أصبح بعد الاحتلال من كبار مؤيدي النازية.
ومع ذلك فلا أحد يقول بأن اليسار كله عميل. ونذكر أيضا العديد من النواب الشيوعيين أو رؤساء البلديات. بل وحتى الكاتب الكبير لويس فيردنان سيلين صاحب الرواية الشهيرة: «رحلة في أعماق الليل» كان يساريا معجبا بالروائي اميل زولا. ولكنهم صنفوه كيميني بعد الحرب وكرجعي ومعاد للسامية ومتعامل مع النازية. وهذا ظلم في الواقع، فالرجل كان يحب الشعب وينتمي إلى أعماقه.
ثم يردف المؤلف قائلا: بل وحتى قائد إيطالي مثل موسوليني كان يساريا في بداياته وليس يمينيا! من يعرف ذلك. بل وكان يزاود حتى على غرامشي مؤسس الحزب الشيوعي الإيطالي. كان يعيب عليه أنه ليس ثوريا بما فيه الكفاية وليس قريبا من الطبقة العاملة الإيطالية بما فيه الكفاية. ثم أصبح بعدئذ قائد الفاشية الإيطالية.
والواقع أن العديد من المثقفين كانوا يساريين في شبابهم ثم أصبحوا يمينيين في عمر النضج والكهولة. نضرب على ذلك مثلا سيرج جولي رئيس تحرير جريدة ليبيراسيون سابقا. فقد كان يساريا قحا من جماعة ثورة مايو 1968 ومن أصدقاء جان بول سارتر. بل وقد أسس معه جريدة ليبيراسيون.
ولكنه الآن أصبح واحدا من كبار البورجوازيين ومقربا من اليمين. وقل الأمر ذاته عن الفيلسوف اندريه غلوكسمان. فلم يكن يساريا فقط وإنما من أقصى اليسار. كان من جماعة ماوتسي تونغ في فرنسا، ثم أصبح الآن يمينيا بورجوازيا من أكبر مؤيدي ساركوزي وواحدا من كتّاب جريدة «الفيغارو» الكبار.
وهو حتما يعيش حياة بورجوازية لا يحلم بها أي مثقف يساري كائنا من كان. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن الكاتب الشهير فيليب سوليزر. فقد كان أيضا من جماعة الماوتسيين (ماو تسي تونغ) واليسار المتطرف، ثم أصبح الآن مثقفا بورجوازيا محترما! وقس على ذلك...
بل وحتى قائد ثورة مايو 1968 دانييل كوفين بنديت أصبح الآن نائبا في البرلمان الأوروبي. إنه ينتمي إلى الطبقة السياسية الأوروبية التي تتجاوز الساحة الفرنسية لأنه يمثل ألمانيا في البرلمان لا فرنسا. والواقع أنه يحمل كلتا الجنسيتين الألمانية والفرنسية ويتنقل من بلد إلى آخر بكل سهولة.
وهو يعترف بأنه أصبح بورجوازيا ليبراليا وأنه تخلى عن الكثير من أفكاره السابقة أيام الشباب. ولكنه يظل اشتراكيا ديمقراطيا من الناحية السياسية ومعاديا لليمين على الرغم من تبرجزه ودخوله البرلمان الأوروبي وحلبة السياسة الديمقراطية الليبرالية.
في السابق كانوا يعتبرون مجرد المشاركة في الانتخابات تعاونا مع اليمين والبورجوازية الرأسمالية وخيانة للماركسية واليسار ككل. ولكنهم الآن أصحبوا من كبار الديمقراطيين بل ويحتلون مواقع بارزة في البرلمان الأوروبي أو البرلمانات المحلية. وسبحان مغير الأحوال. وعلى أي حال فهذا تطور إيجابي، ولا عيب في أن يتغير الإنسان أو يتطور؟
ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن أكبر مثال على النفاق والازدواجية والانتهازية السياسية هو فرانسوا ميتران. فقد كان يمينيا بل ومن أقصى اليمين في شبابه الأول. ثم أصبح ليس فقط يساريا وإنما قائدا لليسار الفرنسي لاحقا. كل عائلته كانت يمينية من والده إلى والدته إلى إخوته، بل وظلت يمينية حتى بعد انتخابه رئيسا للجمهورية. ولكنه عرف أنه لن يستطيع الوصول إلى السلطة إلا إذا قدم نفسه كيساري، ففعل.
وبما أنه يميني الأصل فإنه عرف كيف يحارب اليمين بسلاحه. فقد لعب ورقة اليمين المتطرف لكي يمنع اليمين المعتدل من العودة إلى السلطة بسرعة وانتزاع رئاسة الجمهورية منه. وكان محنكا بارعا في هذه العملية. وقد نجح فيها وهذا ما أتاح له أن يظل في السلطة مدة أربعة عشر عاما.
لقد لعب على وتر الانقسام بين شيراك ولوبن وحارب هذا بذلك وقسم اليمين الفرنسي فأصبح عاجزا عن الانتصار في الانتخابات الرئاسية. ولكن لعبته انتهت او استنفدت طاقتها فعاد اليمين من جديد إلى السلطة. وذلك لأن الشعب الفرنسي في أغلبيته السوسيولوجية يميني لا يساري. وبالتالي فإن اللعب على تقسيمه إلى يمين معتدل ويمين متطرف لم ينجح إلا لفترة. هكذا عادت الأمور إلى مجاريها ولم يعد اليمين يخشى من اسمه.
*الكتاب:أن تكون يمينيا، محرم فرنسياً
*الناشر: البان ميشيل - باريس 2006
*الصفحات: 270 صفحة من القطع الكبير
Etre de droite, un tabou français
Albin Michel- Paris 2006
P.270