كعادته يسعى الفنان طلال معلا في هذا الكتاب تناول التجربة التشكيلية الإماراتية وتطوّرها منذ انطلاق مسيرتها في سبعينيات القرن الماضي، من خلال المدارس والجمعيات ودوائر الثقافة، وبُعيد قدوم الدفعات الأولى من الطلبة المبتعثين، بالإضافة إلى تواجد الفنانين العرب في وظائف مختلفة داخل الدولة.
إلاّ أن المؤلّف وهو فنان وناقد تشكيلي سوري يعيش في الإمارات منذ مطلع التسعينيات يؤكّد أن الانطلاقة الفعلية للفنون التشكيلية، بدأت في عقد الثمانينيات، إذ أصبح المشهد الفني جزءاً متناغماً مع المشهد الثقافي العام، تميّز بالحوار الفاعل بين المبدعين من جهة، وبينهم وبين الحركات الفنية من جهة ثانية، إلاّ أن هذه الانطلاقة شابها شيء من القلق الذي اعترى بعض التجارب غير المستقرة من حيث الأسلوب والتوجّه.
وإلى ذلك فإنه سوف يرصد التجارب التشكيلية المختلفة بما طرحته من حلول تقنية ومن علاقة مع المكان والمجتمع، إذ شكّل المكان، بتعبيره، موقعاً عاطفياً في نظرات الفنانين، ونظرتهم للواقع، سواء من حيث الذاكرة ومحاكاتها،
أو عبر الانتقال بالرؤية الحاضرة إلى الماضي، الذي كانت تختزله مفردات جمالية يتم تسجيلها مباشرة بأساليب مختلفة كالعفوية لدى أحمد الأنصاري، والانطباعية لدى حسن شريف، والواقعية لدى عبد القادر الريّس على سبيل المثال.
وفي هذا الصدد أيضاً، يؤكّد المؤلّف أن المحترف الإماراتي استطاع أن يضع المكان في بؤرة اهتمامه، واشتغاله كواقع متعدد المستويات، ونجح في انتزاع عدد من المفاهيم، التي تمحورت في تيارين أساسيين، يرتبط أوّلهما بالتراث والماضي والذاكرة، فيما اتّجه الثاني للاستفادة من خبرات الغرب في التعبير عن الذات عبر المفاهيم البصرية المطروحة في المجالات البحثية.
ومن هنا فإنه سوف يستنتج بأن هذا الحراك المتغاير بمنحاة الصراعي على نحو ما، سوف يؤسس لجيل ثالث منحاز كلية للتجديد، بما يمكن تسميته بالطفرة التشكيلية التي يعلل حدوثها كونها حركة فنية ونشطة تتميّز بالحيوية والعطاء،
ومن جانب ثان الاحتضان من قبل المؤسسات الثقافية المختلفة، هذا الدعم الذي أتاح مجالاً واسعاً من حرية التفكير والاختلاف في التنوّع والانفتاح على مختلف التجارب الإنسانية، بتعبيره. وقد ساعد، كما هو معروف، القفزة الحضارية المهمّة بسبب النفط، والرغبة في التطوّر ومجاراة الأمم المتطوّرة،
من خلال الاحتكاك بالثقافات الأخرى، وتوظيف التقنيات والدراسات الأكاديمية، هذا بالإضافة إلى الخبرات المتنوّعة التي جلبها الوافدون من مختلف الجنسيات حاملين معهم ثقافاتهم التي تتراوح ما بين التقليدية والحداثية.
ومما يذكره المؤلّف في هذا الصدد، أن المحترف الإماراتي عايش هذه التيارات، كما لجأ الكثير منهم للتدرّب في دورات خارجية والانخراط في ورش تجريبية ودراسات معمّقة، مما جعل آفاقهم، بتعبيره، مفتوحة على التجارب الجديدة: التجريدية، التعبيرية، الرمزية، التكعيبية، السريالية وغيرها.
ونعتقد في هذا الصدد أن التطوّر الحاصل في الفن التشكيلي الإماراتي، له مسببات وعوامل كثيرة، ذكرها الباحث ومنها: الاستيعاب السريع للإرث البصري الجمالي، مما حقق صلة واضحة ما بين الحاضر والماضي، ومنها أيضاً الاشتغال على المستقبل.
وينضاف إلى جانب هذا وذاك، تسويق اللوحة في أسواق دبيّ الفنية، حيث يشير المؤلّف إلى افتتاح المزيد من الصالات الخاصّ لعرض الأعمال الفنية، إلى جانب العامة في المؤسسات الثقافية والمراكز وسواها، وهو إلى ذلك سوف يؤكّد أن هذه الصالات عملت على تسويق الأعمال الفنية، وأوجدت سوقاً للفنون تطوّر مؤخّراً لتنعقد مزادات للفنون العالمية في الدولة.
يذكّر المؤلّف أن العام 1993، كان نقطة تحوّل في مسيرة الفنون التشكيلية في الدولة، إذ تأسس بينالي الشارقة كمحطّة فاصلة، وصِلة المحترف المحلّي ببقية المحترفات العربية والدوليّة، هذا بالإضافة إلى ما أسس له من حوار مباشر بين الفنانين والنقاد، طوّر بالضرورة الوعي التشكيلي.
وفي هذا الصدد سيتعرّض المؤلّف إلى كثير من التجارب التشكيلية، وسنختار بعضاَ منهم في هذه العجالة، من مثل عبد الرحيم سالم الذي يعتبره المؤلّف أنه بقي وفياً لتجربته الذاتية، محايداً في بحثه البصري عن تجريد لوني يستلهم منه الفضاء الحركي،
وكذلك حيادية عبد القادر الريّس الاستثنائية سواء في تفكيره البصري أو في التسجيل والتجريد، وسيعتبر خصوصية تجربة الريّس ليس على مستوى الإنجاز وحسب، بل بما تحققه من صدى تخييلي وإيحائي جمالي.
ومن التجارب التشكيلية سيقف المؤلّف مع تجربة الفنان حسن شريف المابعد حداثيّة، إذ يذكر أن حسن شريف على الصعيد الفكري، لم يتردد في التعبير عن آرائه المغايرة للسائد منذ عودته من أوروبا وأميركا، والتي وصلت إلى استنكار الوضع الفنّي القائم ،معتبراً أن ما تنتجه الساحة من فنون لا تشفي الغليل أو الطموح.
وفي هذا الصدد قد يتساءل القارئ والمشاهد لأعمال حسن شريف، إن كانت تغالي على نحو ما في تكريس نفسها وإقصاء تجارب الآخرين، إذ في مقام الأدب والفن، لا ينبغي لفنان أو أديب أن يقصي الآخرين لمجرد أنه يعبّر عن ما بعد الحداثة في توجهاته الفنية، أو لمجرد أنه أن بعض معروضاته شكّلت صدمة جمالية بما طرحته من قيم جديدة بتعبير د. بسطاويسي الذي استشهد به المؤلّف،
إذ لا يعني أن التضاد ما بين التقليد والحداثة إلغاء أحدهما، سيما أن هذه البلاد تتعايش فيها كلّ التيارات الفنية وأنماط الثقافة في لحظة واحدة، وفي حيّز واحد كالأسواق المركزية الضخمة، وهو الأمر الذي كنا تناولناه في إحدى مقالاتنا السابقة، حول الثقافة المابعد حداثية في مجتمع دولة الإمارات.
ويشير المؤلّف كذلك، إلى أن الكثير من المشتغلين في حقل الفنون التشكيلية مازالوا ينظرون إلى التجارب الحديثة على أنها خارج المنطق التاريخي، إلاّ أن فناني ما بعد الحداثة في المحترف الإماراتي تمكّنوا من وضع أسس سليمة لبناء جسور الصلة فيما بينهم وبين المؤسسات الثقافية، كما طوّروا العلاقة مع الهيئات والمتاحف والجهات الفني العالمية.
ويذكر على سبيل المثال تجارب كلّ من: أحمد شريف، ناصر العبد الله، ابتسام عبد العزيز، كريمة الشوملي، ليلى جمعة فرج، خالد البنا، صالح شانبيه، لبنى لوتاه، شيخة المغاور، وسواهم ممن سيعملون بدأب لتحقيق استمرارية الفعل التشكيلي والبصري في الإمارات.
وفي فصل خاص، يستعرض المؤلّف إبداع الفنانات التشكيليات الإماراتيات، إذ يلفت الانتباه إلى حضورها الفعّال في النشاط الثقافي العام، وفي الفن التشكيليّ أيضاً، حيث برزت أسماء عديدة من مثل: نجاة حسن مكّي، ميسون القاسمي، حصّة لوتاه، مريم الأنصاري،
منى الخاجة، صفية محمد، حور القاسمي، بدور القاسمي، وفاء خزندار وغيرهنّ، حيث سعت هؤلاء المبدعات إلى تكثيف حضورهنّ في الفعاليات التشكيلية المختلفة، وعلى نحو خاص في بينالي الشارقة، ويؤكّد المؤلّف في هذا الصدد.
أن النظرة على واقع المبدعات التشكيليات في الإمارات تعتمد على مجموعة المنجزات التي حققتها مشاركاتها المتنوّعة بالرغم من المعوّقات المتّصلة بحضورهنّ التشكيلي، بدءاً من المشكلات التي تعانيها مادة الفنون على المستوى التربوي، وانتهاء بغياب المعاهد والكليات لفترة طويلة،
كان الواقع الفنّي بحاجة ماسة إليها كي يؤمّن تواصلاً بين الخريجين، مما دفع باتجاه تأسيس معهد الشارقة للفنون، ومن ثمّ تأسيس كلية الفنون في جامعة الشارقة، وما رافقه من انتشار كلّيات العمارة والتصميم، الأمر الذي مهّد لمشهد مستقبلي تتأهّل في الأجيال جمالياً، بحد تعبيره.
وإلى ذلك سيذكر المؤلّف العديد من التجارب وخصوصاً بداية وتطوّر المشاركات النسائية في المعارض والبيناليات الداخلية والخارجية. يختتم طلال معلاّ كتابه هذا بقراءة للخط العربي ما بين الهويّة والانتماء، وسوف يتعرّض إلى محطّاته التاريخية عربياً وإماراتياً،
مستعرضاً نماذج لخطاطين معروفين كمحمد الفضلي، عيسى خلفان، عبد القادر الريّس، خالد الجلاّف، محمّد مندي، يوسف بن عيسى، مع نماذج متعددة لكلّ خطاط من هؤلاء الخطاطين، وهو الأمر الذي ميّز هذا الكتاب، بالإضافة إلى طروحاته الفكرية، إذ إنه سوف يقدّم لقارئه مجموعة كبيرة من صور اللوحات في قياس كبير، مما عزز بحثه وآراءه.
عزت عمر
*الكتاب:المؤتلف والمختلف لطلال الانفتاح على المرئي في تجربة الإمارات
*الناشر: وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع ـ أبوظبي 2006
*الصفحات: 147 صفحة من القطع الكبير