دونيس لوفيفر، صحافي وكاتب، سبق له ونشر حوالي 10 كتب حول مسائل الزراعة وتربية المواشي ودورهما في الحضارات الإنسانية منذ الحقب القديمة حتى اليوم. من كتبه: «عودة الفلاحين» و«مربّو الماشية، مشاعر تضامنية». «الذئب والإنسان ودوللي» كتاب حاز على جائزة «الأرض» لعام 2007.
وهو كتاب عن الزراعة وعالمها. وقد اختار المؤلف تصديره بجملة تنمّ عن فحواه مكتوبة على غلاف الصفحة الأولى تقول: «إن الزراعة ليست موضوعا للحنين إلى الماضي وإنما تفرض نفسها كمختبر للحداثة، ذلك أن هذا القطاع لم يكن أبدا على هذه الدرجة في مركز اهتماماتنا الكبرى».
كما يبرهن المؤلف على أن «المواشي» وتدجينها ومنذ الأزمنة القديمة حتى النعجة «دوللي» المستنسخة، ومنذ الأساطير القديمة أيضا حتى مسألة جنون البقر، كان لها تأثيرها على مسيرة تطور المجتمعات الإنسانية، بل إنها كانت «عاملا تأسيسيا» في الحضارات.
لكن تربية المواشي أصبحت اليوم نشاطا صناعيا «يثير الكثير من التساؤلات وأشكال القلق» كما يشير المؤلف مضيفا أن هذا يؤدي إلى جعل المجتمعات الحديثة «نباتية»، بمعنى عزوفها عن استهلاك المنتوجات الحيوانية ولحومها.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين قسمين رئيسيين يحمل الأول عنوان: «تربية المواشي، مختبر الحداثة». ويبدأ المؤلف تحليلاته انطلاقا من كتاب صدر في أميركا عام 1992 تحت عنوان «نهاية الزراعة في أميركا» للاقتصادي الأميركي «ستيفن بلاك» دعم فيه النظرية القائلة ب«الزوال الأكيد والطبيعي للزراعية في الولايات المتحدة خلال السنوات القادمة .
وذلك على أساس أنها أصبحت أحد أقل النشاطات الاقتصادية مردودية وأنها لن تستطيع الصمود أمام منافسة المنتجين الجدد في أميركا اللاتينية ثم إن مردوديتها لا تقارن مع ما تعطيه التكنولوجيات المتقدمة.هناك إذن خطر «قاتل» بالنسبة للقطاع الزراعي في القوة الزراعية الأولى في العالم.
ويشير المؤلف أن هذا القطاع لا يستخدم فعليا سوى 2,1 بالمئة من مجموع السكان النشيطين اقتصاديا ولا يساهم سوى بنسبة 8,1 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي الأميركي. لكن هذا يعني نسيان أن القطاع الزراعي-الغذائي الأميركي يساهم بنسبة 13 بالمئة من الدخل القومي للبلاد وأن الصادرات الزراعية والغذائية الأميركية تحظى بنسبة 20 بالمئة من السوق العالمي.
لكن ماذا بالنسبة للزراعة في القارة العجوز أوروبا؟ وهل يمكنها أن تتخلّى عن زراعاتها ومزارعيها؟ في معرض الإجابة عن مثل هذه التساؤلات ينقل المؤلف عن المؤرخ البلجيكي «بول بيروك» قوله في ندوة حول الزراعة في نهاية عقد الثمانينات الماضي: «يمكن تصور سويسرا بدون صانعي ساعات ولكن ليس بدون زراعة، إلا إذا جرى استبدال المزارعين بعمّال حدائق! كذلك يمكن تصور فرنسا دون صناعات حديدية ولكن ليس دون مزارعين».
هكذا تبدو المسألة الزراعية ذات أهمية حاسمة في السياق الراهن.ويؤكد المؤلف في معرض حديثه عن الزراعة كعامل مؤسس في قيام الحضارات أن أولئك الذين يشككون بالقطاع الزراعي أو يقولون بنبوءات متشائمة جدا حياله إنما ينسون الدور الأساسي الذي لعبته الزراعة في التاريخ الإنساني ولا يولون دورها الحالي الأهمية التي يستحقها.
ويعود المؤلف في هذا السياق إلى الدور الذي لعبه «المزارعون الأوائل» منذ عشرة آلاف سنة تقريبا في منطقة الهلال الخصيب في «اختراع» الزراعة وتدجين المواشي، الأمر الذي يعتبره ك«قطيعة كبرى» من بين الأكثر أهمية في تاريخ البشر والتقنيات، لكنها جاءت نتيجة لمسار تطوري طويل.
ويشير المؤلف إلى أن منطقة الشرق الأوسط، أقدم المناطق التي عرفت تدجين الحيوانات، لم تكن الوحيدة وإنما كانت هناك «بؤر» أخرى في الصين وإفريقيا.ويحلل المؤلف كيف أن القطاع الزراعي ـ الحيواني حقق هدفا حيويا بالنسبة للمجتمعات الإنسانية وهو سد الحاجات الغذائية للسكان
وحيث لم يتوصل البشر حتى الآن إلى إيجاد «بدائل» للوصول إلى تحقيق الهدف المقصود. ثم بدا الدور الحضاري للزراعة في مسيرة التاريخ الإنساني وفي «صياغة» مشهد العالم وفي آليات «إدارة» الأراضي .
باختصار لعبت الزراعة دورا مركزيا في دفع عجلة التقدم الإنساني إلى الأمام، بل وكانت منذ العصور القديمة في أصل مختلف الحضارات. ثم إن عملية تكدس «فوائض» الإنتاج الغذائي هي التي كانت في أصل «التنوع» الذي عرفته الطبقات الاجتماعية.
ويشرح المؤلف أيضا في هذا السياق كيف ان تلك «الفوائض» هي التي كانت وراء الازدهار الكبير الذي عرفته المدن الأوروبية خلال القرون الوسطى، كما أنها لم تكن بعيدة عن ظاهرة بناء «الكنائس» التي لا يزال عدد كبير منها قائم حتى الآن.
ويقدم المؤلف البراهين أيضا على أن عملية تدجين الحيوانات ثم تربيتها، وتحديدا تربية الأغنام، كانت وراء «انطلاق» الصناعة الغربية. ولم تكن بعيدة عن الازدهار الذي عرفته ممالك قديمة في بريطانيا واسبانيا. ثم إن الحبوب، من قمح وغيره، شكّلت لفترة طويلة «عملة التبادل» في المجتمعات الأوروبية وبالتالي كانت وراء قيام «الحالة الجنينية» من الاقتصاد السياسي.
كذلك كانت المبادلات الاقتصادية الدولية ولمدة قرون طويلة تقوم على المواد الأولية الزراعية. وفي الأفق التاريخي القريب شهدت «حركة مناهضة العولمة» ولادتها لدى بعض المنظمات الزراعية غير الحكومية في أواسط عقد السبعينات الماضي.
لكن إذا كانت الزراعة هي إحدى دعائم مسيرة الحضارات المثبتة تاريخيا وهذا ما لا يعترض عليه أحد فإنها تبدو بالمقابل تسير في «الاتجاه المعاكس» للسمات السائدة للحياة العامة في مختلف مظاهرها في بدايات هذا القرن الحادي والعشرين.
ومن أهم هذه السمات الانتقال والسرعة والعولمة. أمّا الزراعة فهي بطبيعتها نشاط يتطلب الاستقرار في موضع محدد. لكنها الآن بصدد تجاوز مثل هذه «العقبة» إذ لم تعد «أمكنة الإقامة» هي نفسها أمكنة العمل بل وأصبحت هناك زراعات «دون أرض»، أضف إلى ذلك وجود شركات للخدمات تتولى مهام القيام بالأعمال الزراعية كلها.
ويصل المؤلف في تحليلاته إلى القول ان الزراعة، رغم التحديدات التي تتعرض لها من قبل العولمة وضوابط منظمة التجارة العالمية، لا تنتمي إلى الماضي «البائد» وإنما تفرض نفسها ك«مختبر للحداثة».
يقول المؤلف: «المفارقة هي أنه في الوقت الذي أصبحت فيه مساهمة الزراعة هامشية في الاقتصادات المسماة متطورة، من حيث ميدان فرص العمل والقيمة المضافة، فإن هذا القطاع لم يكن في أي يوم من الأيام بهذا القدر من المركزية في اهتماماتنا».
وتقع الزراعة في عالم اليوم «المتحرك» عند «نقطة التقاطع» بين ما هو عالمي شامل وما هو محلّي، بين «الكم والنوع» وبين «التقليد والحداثة» و«روح المنافسة والبعد الاجتماعي» و«واقع الأرض والتكنولوجيات الحديثة».
ومن خلال هذه التقاطعات كلها تشكل الزراعة «النقطة المشتركة» بين «الثورة الزراعية» التي عرفتها المجتمعات القديمة و«الثورة التكنولوجية» التي جاءت بعدها بعشرة آلاف سنة التي تعيشها الإنسانية اليوم.
هاتان الثورتان «غيّرتا» أو «ستغيّران» علاقة الإنسان بالبيئة المحيطة وبالطبيعة. فالثورة الزراعية الأولى غيّرت كثيرا في بنى المجتمعات الإنسانية وانتقلت بمكانة الإنسان من حالة القطف - قطف الثمار- والصيد البري أو البحري داخل مجموعات بشرية محدودة إلى حالة المنتج في مجتمعات بشرية معقدة.
وفي الحقبة الراهنة يمكن للتكنولوجيات الحديثة، خاصة الدراسات المتعلقة بالمورثات والاستنساخ، أن تؤدي إلى تغيرات عميقة في مجتمعات الغد، لاسيما في ظل الإيقاع ذي التسارع الهائل.
*الكتاب: الذئب والإنسان ودوللي
*الناشر:لوشيرش ميدي - باريس 2007
*الصفحات:287 صفحة من القطع المتوسط
Le loup, l'homme et Dolly
Le Cherche Midi- Paris- 2007
p.278