يعمل جان بول غوريفتش، مؤلف هذا الكتاب، أستاذا في جامعة باريس الثانية عشرة، وهو أخصائي بالقارة الإفريقية وبمسائل الهجرة. سبق له وقدم حوالي أربعين كتابا من بينها «الدعاية في جميع حالاتها» و«إفريقيا والمال وفرنسا» و«الهجرة: الشرخ المشروع» و«فرنسا الإفريقية».
هذا الكتاب «فرنسا في إفريقيا» يؤرخ للقارة السوداء منذ فترة ما قبل وصول الغربيين إليها وحتى بدايات القرن الحادي والعشرين، وذلك في 13 فصلا تشكل فصول هذا الكتاب. ويحاول المؤلف الإجابة على عدد من الأسئلة التي لا تزال مطروحة على النقاش،
مثل هل كان الوجود الفرنسي في إفريقيا إيجابيا عامة أم كان سلبيا تماما؟ وهل لعبت فرنسا دورا حاسما في التاريخ الإفريقي؟ وهل كانت تجارة العبيد جريمة ضد الإنسانية؟ وهل ساهمت فرنسا في تنمية إفريقيا أم اكتفت بسلب ثرواتها؟ وأسئلة أخرى تصب في نفس الخانة.
يبدأ المؤلف بالإشارة إلى قانونين صدرا مؤخرا في فرنسا، الأول عام 2001 ويؤكد على أن «الجمهورية الفرنسية تعترف أن تجارة العبيد عبر الأطلسي وفي المحيط الهندي منذ القرن الخامس عشر تشكل (...) جريمة ضد الإنسانية. ويؤكد البند الثاني من نفس القانون على ضرورة أن تعطي المناهج المدرسية ومناهج البحث التاريخي لتجارة العبيد المكانة التي تستحقها».
القانون الثاني صدر عام 2005 ونصّ، فيما نصّ عليه، على «ضرورة أن تعترف المناهج المدرسية بالدور الإيجابي للوجود الفرنسي فيما وراء البحار وخاصة في شمال إفريقيا وأن تولي لتاريخ وتضحيات المقاتلين داخل صفوف الجيش الفرنسي من أبناء مقاطعات ما وراء البحار المكانة التي يستحقونها»، أي ما يعني بصريح العبارة التأكيد على «الدور الإيجابي» للاستعمار.
ويعود المؤلف في بحثه إلى الفترة التي يطلق عليها «ما بين العصر الحجري والتوسع العربي». ويشير بداية إلى شح المعلومات المتوفرة عن تلك الفترة لاسيما أن الحضارات الإفريقية خلالها كانت «شفهية» مما لا يسهل مهمة الباحثين. هذا باستثناء الحضارات الباهرة للحضارات المصرية والنوبية والحضارات التي تعاقبت منطقة شمال إفريقيا.
أما فيما يتعلق بإفريقيا السوداء، المعروفة ب«جنوب الصحراء» فيركز المؤلف على مسألتين أساسيتين آنذاك هما أولا وجود أنماط قبلية خاضعة لسلطة رؤسائها وثانيا الرضوخ لمجموعة من الطقوس تنتفي في ظلها إلى حد كبير الملكية الخاصة العقارية وحيث كان الترحال إحدى السمات السائدة.
وكانت تمارس في المجتمعات آنذاك العبودية مثلما هو الأمر في مختلف الحضارات القديمة المصرية أو اليونانية أو الرومانية أو البيزنطية. واستمرت تلك الممارسة في ظل الوجود العربي ـ الإسلامي، لكنها كانت أقل بما لا يقاس مع تجارة العبيد عبر الأطلسي التي مورست ابتداءً من القرن السادس عشر.
وتحت عنوان «فرنسا وتجارة العبيد عبر الأطلسي» يؤكد مؤلف هذا الكتاب أن التجارة عبر الأطلسي قد لقيت موافقة الكنيسة ومارسها البرتغاليون أولا وبعدهم الدنماركيون والهولنديون والانجليز والإسبان والفرنسيون. وقد امتدت تلك التجارة منذ القرن السادس عشر وحتى أواسط القرن التاسع عشر حيث جرى منعها رسميا وإنما استمرت في الواقع بأشكال «ملتوية».
وكان من نتيجة تلك التجارة على الصعيد الفرنسي ازدياد ثروات المدن ـ المرافئ في فرنسا وأيضا ثروات أصحاب المزارع في منطقة الانتيل، لكنها أفقرت بالمقابل إفريقيا إذ «سحبت منها» قواها الحية. وبنفس الوقت، وهذا ما لا يتم ذكره كثيرا سنّت فرنسا آنذاك تشريعات من أجل المحافظة على «نقاء» المجتمع الفرنسي في الوقت الذي لم يكن فيه عدد السود في فرنسا يتجاوز بضعة آلاف، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب.
وكانت فرنسا قد أقامت إمبراطورية استعمارية انطلاقا من بعض المواقع التي كانت قد ثبتت أقدامها فيها مثل جزر الانتيل والسنغال ومدغشقر، وأيضا كندا والهند. لكن هذه الإمبراطورية انهارت فعليا مع توقيع معاهدة باريس عام 1763 التي لم تحتفظ فرنسا بعدها إلا ببعض المستعمرات في منطقة الانتيل وبعض المراكز التجارية في السنغال والهند.
لكن فرنسا استعادت بعض نفوذها منذ بدايات القرن التاسع عشر وسعت لاستعادة قوتها «الإمبراطورية» لاسيما مع احتلال الجزائر عام 1830. لكن بنفس الوقت انطرحت بقوة مسألة «تمثّل المستعمرات» داخل الجسد الفرنسي.
ويؤكد المؤلف في سياق تحليلاته على الدور الذي لعبه الأفارقة خلال الحرب العالمية الأولى 1914 ـ 1918، والخسائر الفادحة التي منيوا بها، خاصة الجنود السنغاليين الذين كانوا يخدمون في صفوف الجيش الفرنسي.
وكانت تلك المساهمة الإفريقية قد غيّرت إلى حد كبير من صورة الأفارقة لدى الرأي العام الفرنسي. لكن هذا لم يمنع واقع خيبة الأمل الكبيرة التي أصابت الجنود الأفارقة عند عودتهم إلى البلاد حيال «العقوق الكبير» الذي واجهتهم به فرنسا التي لم تهتم بمصيرهم بعد أن كانوا قد قاتلوا باسمها. واستمر نفس الإهمال حتى بعد فترة النهوض الاقتصادي التي شهدتها البلاد بعد ذلك، ولكن لم تتحسس معها أحوال الأفارقة.
ويتحدث المؤلف على مدار فصل كامل عن «النزعة الاستعمارية ومعاداة النزعة الاستعمارية». ويولي اهتمامه «للمعرض الاستعماري» لعام 1931 الذي انعقد بعد «المعرض الاستعماري» في مرسيليا عام 1922 وستراسبورغ 1925 وباريس تحت اسم «معرض الحلفاء» عام 1935.
وقد تبع المعرض الاستعماري لعام 1931 ما يسمّى ب«صالون فرنسا لما وراء البحار 1933 ثم المعرضين الاستعماريين حول جزر الانتيل ومدغشقر عام 1935. ويتميز معرض 1931 بضخامته إذ احتل مساحة 110 هكتارات شرق باريس رغم رفض كل من ألمانيا واسبانيا الاشتراك فيه.
أحد فصول هذا الكتاب يحمل عنوان: «إفريقيا من عام 1946 حتى الاستقلال». ويذكّر المؤلف بقانون 27 أكتوبر 1946 الذي أكد على أن مهمة فرنسا هي «قيادة الشعوب التي تحمّلت مسؤوليتها إلى درجة من الحرية تقوم فيها بإدارة نفسها بنفسها وإن تتولى التسيير الكامل لشؤونها الخاصة ديمقراطيا».
وكان من بين المكاسب الهامة التي حققها الأفارقة بفضل الدستور الجديد «حرية تشكيل جمعيات» و«إلغاء الأشغال الشاقّة» و«إلغاء القضاء المختص حصرا بأبناء المستعمرات بحيث غدا القانون الجنائي الفرنسي مطبّقا في كل مكان» و«إنشاء صندوق للاستثمار والتنمية الاقتصادية» و«منح الجنسية الفرنسية لجميع أبناء مقاطعات ما وراء البحار» و«حرية الصحافة» وإنشاء «مجالس محلية في مقاطعات ما وراء البحار».
وفي عام 1958 تأسست الجمهورية الفرنسية الخامسة وكان دستورها ثمرة عملية توفيقية على الصعيد الإفريقي. لقد جرى الاعتراف بالاستقلال الذاتي للدول فيما يتعلق تسيير وإدارة شؤونها. هذا باستثناء الشؤون الخارجية والمالية والدفاعية التي بقيت كلها مناطة بباريس. والرئيس الفرنسي بقي الرئيس التنفيذي لمجموعة دول المستعمرات الممثلة بمجلس تنفيذي مكوّن من رئيس الوزراء الفرنسي ورؤساء حكومة الدول الأعضاء.
وكانت السنوات بين 1960 و1981 قد شهدت عدة تدخلات فرنسية في إفريقيا لاسيما في الغابون وجمهورية آسيا الوسطى وفي تشاد والكاميرون. لكن بنفس الوقت بدأن عملية الانتهاء من الاستعمار «بسرعة أكبر مما كان متوقعا».
مع ذلك بقي الحضور الفرنسي في إفريقيا أولوية من أولويات السياسة الخارجية الفرنسية. لذلك أنشأت فرنسا وزارة خاصة حملت اسم «وزارة التعاون» عام 1961 كانت مهمتها الأولى هي تطوير العلاقات «المدنية والعسكرية» مع المستعمرات السابقة. وكان تكوين «الكوادر» الإفريقية من مهمات تلك الوزارة أيضا.
وإذا كانت الدول الإفريقية قد حصلت على الاستقلال، فإنها ظلّت فريسة الفقر ونقص التنمية. وينقل المؤلف عن تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية لعام 2003 أن «الفقر المدقع يصيب نصف الأفارقة والجوع ثلثهم بينما أن سدس الأطفال يموتون قبل بلوغهم سن الخامسة.
ويشير المؤلف إلى أن هذا الوضع لا يتناسب مع التقديرات المقدمة من دافعي الأموال لإفريقيا خلال العقود الأربعة المنصرمة والتي تدل على مبلغ 1520 مليار يورو قد جرى تحويلها من البلدان الغنية إلى البلدان الفقيرة.
وإن فرنسا وحدها قد دفعت للدول الإفريقية مساعدات قيمتها 200 مليار يورو، أي ما يعادل 15,13 بالمائة من مجمل المبلغ. هذا ما يقاربه المؤلف مع نسبة 8000 يورو جرى تقديمها لكل أسرة إفريقية على مدى ما يزيد على الجيل الواحد بقليل، أي ما يزيد على الموارد السنوية لهذه الأسرة خلال ست سنوات ونصف.
الفصل الأخير من الكتاب يحمل عنوان «أي مستقبل لإفريقيا؟» وفي معرض الإجابة على هذا السؤال يتم التأكيد على أن الشيء المؤكد هو أن أفق 2035 أو 2050 سيكون ممهورا بأشكال مختلفة من التدهور.
وإذا لم يكن هناك من يستطيع أن يقول بدقة ما ستكون عليه القارة الإفريقية بعد خمسين سنة، فإن الكثيرين يميلون إلى القول بأنها «لن تكون موجودة». ثم ليست هناك دراسات حديثة عن توقعات المستقبل، إذ أن آخر دراسة للبنك الدولي التي تحمل عنوان «من الأزمة إلى النمو الاقتصادي المستدام» تعود إلى عام 1988.
هذا فضلا عن التباين الكبير بين الدول الإفريقية على أصعدة التربية وحقوق المرأة والنمو الاقتصادي. أما الحلم البعيد فهو تحقيق دولة القانون وشيوع الديمقراطية والتعليم للجميع. وبالنسبة لأكبر التحديات فتتمثل في التزايد السكاني الذي يتعاظم «قفزا»... وتحدي الفقر «الزاحف».
*الكتاب:فرنسا في إفريقيا
خمسة قرون من الحضور
*الناشر: اكروبول ـ باريس2006
*الصفحات :451 صفحة من القطع المتوسط
La France en Afrique, cinq siècles de présence: vérités et mensonges
Acropole - paris 2006
p.451