قام بتأليف هذا الكتاب الأخوان أكسيل كاهن وجان فرانسوا كاهن. والأول هو أحد كبار علماء فرنسا في مجال علم الأحياء والوراثة وفلسفة الكائن البشري، وأما الثاني فهو أحد الصحفيين المشهورين في بلاد فولتير كما أنه رئيس تحرير المجلة الأسبوعية ماريان. والأول يصغر الثاني بست سنوات ولكنه لا يقل عنه أهمية إن لم يزد.
ويبدو أنهما افترقا عن بعضهما البعض لفترة طويلة من الزمن بسبب طلاق الوالد والوالدة. فذهب أكسيل كاهن مع أمه، في حين أن جان فرانسوا كاهن اختار العيش مع والده. ثم التقيا بعد أن أصبحا مشهورين وراحا يسترجعان ذكرياتهما السابقة ويتناولان الأحداث السياسية والثقافية التي حصلت في فرنسا على مدار نصف القرن المنصرم.
فالكتاب هو عبارة عن مذكرات شخصية وعامة في آن معا، أو قل أنه يستعرض العام من خلال الخاص، والعكس صحيح أيضا. فهما يتحدثان مثلا عن انخراطهما في العمل السياسي الذي تزامن مع حرب الجزائر من أجل الاستقلال.
كما ويتحدثان عن الثورة الطلابية الشهيرة التي جرت في مايو 1968 وكل ملابساتها السياسية، والثقافية، والاجتماعية، والتحررية والجنسية، والأخلاقية. لقد شكلت طفرة كبيرة بالنسبة للمجتمع الفرنسي، كما ويتحدثان عن موقفهما من زعيم فرنسا الحرة الجنرال ديغول.
فيما يخص الجزائر يقول أكسيل كاهن هذه العبارات الملفتة للانتباه: كنت آنذاك منخرطا في صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي. والشيء الذي لاحظته هو أن الحزب على الرغم من مواقفه المضادة للاستعمار إلا أنه لم يتجرأ على التسليم باستقلال الجزائر إلا بعد أن وافق ديغول على ذلك.
وهذا دليل على أنه كان هناك إجماع في فرنسا على اعتبار الجزائر بمثابة قطعة منها فيما وراء البحار. ولم يكن أحد يتجرأ على كسر هذا الإجماع حتى جاء ديغول وفعل ذلك. بعدئذ أصبح الباب مفتوحا أمام الحزب الشيوعي لكي يتجرأ على المطالبة باستقلال الجزائر، ولكن ليس قبل ذلك.
وأما فيما يخص ثورة مايو 1968 فيرى جان فرانسوا كاهن أنها بالغت في الثورة على التقاليد وفي تحطيم الهيبة: أي هيبة الأب أو الأم في العائلة، أو هيبة الأستاذ في الصف، الخ. ولكنها تراجعت إلى حد ما عن ذلك لاحقا. وهذه هي طبيعة الثورات.
فهي تشكل فورات عفوية عنيفة سرعان ما تهدأ بعدئذ. لكنها أدت إلى بعض النتائج الإيجابية لأنها حررت المجتمع الفرنسي من التقاليد القمعية القديمة للعائلة والمؤسسة السياسية بالذات. وبالتالي فلهذه الثورة إيجابيات وسلبيات. ويبدو أن المجتمع الفرنسي انقلب عليها حاليا لأنه أصبح يمينيا بعد أن كان يساريا.
وأصبح ميالا للعودة إلى القيم التقليدية بعد أن ذهب بعيدا في الثورة على التقاليد. وهذه هي طبيعة الحياة والتاريخ: مدٌ وجزر، صعود وهبوط. وأكبر برهان على مدى التغير الذي طرأ على المجتمع الفرنسي بعد أربعين سنة من تلك الثورة الشهيرة هو أن قادتها أصبحوا بورجوازيين ويمينيين.
ففي ذلك العهد كانوا يدينون حكم ديغول باعتباره بورجوازيا بل وحتى فاشيا، وأما الآن فما عادوا يرون إلا الخطر الشيوعي، أو اليساري، أو العربي، أو الإسلامي. ونظرا للتحولات التي طرأت على سيرج جولي مثلا رئيس تحرير جريدة ليبراسيون حتى أمد قريب. فقد كان يساريا جدا ومقربا من جان بول سارتر الذي كان عرّاب جريدته، ثم أصبح الآن بورجوازيا كبيرا.
وقل الأمر ذاته عن الفيلسوف اندريه غلوكسمان الذي تحول من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين تقريبا، وقس على ذلك. وبالتالي فهناك ردة رجعية إلى الوراء في أوساط العديد من المثقفين الفرنسيين. وهذه حقيقة واقعة لا يمكن إنكارها بعد أن قلب المجتمع الفرنسي نفسه في جهة اليمين إلى حد كبير.
وأما فيما يخص ديغول فلا يتردد كلا الأخوين في التعبير عن إعجابهما به وإن كانا من خصومه السياسيين آنذاك. فعندما وصل إلى السلطة عام 1958 كان مدعوما من قبل اليمين الفرنسي بل وحتى القوى الفاشية بحسب رأي جان فرانسوا كاهن. ولكنه استطاع أن يتجاوز هذه القوى وأن يسلك خط السياسة التحررية التي أدت إلى استقلال الجزائر وتخلص فرنسا من مستعمراتها وتحولها إلى دولة عصرية حديثة ذات دستور ومؤسسات راسخة.
وهذا إنجاز مدهش يسجل لديغول دون شك. فلولاه لما كان أحد سيعرف كيف سيصبح مستقبل فرنسا. ثم يردف جان فرانسوا كاهن قائلا: ولكن ديغول الأعظم في نظري هو ذلك الذي أطلق النداء الشهير يوم 18 يونيو 1940 من راديو لندن إلى الأمة الفرنسية. عندئذ دخل ديغول التاريخ بشكل مدهش ولا يكاد يصدق.
لنتأمل في المشهد ولو للحظة: فرنسا كانت قد أصبحت محتلة وراكعة أمام الألمان. كانت ملقاة في الأرض، وجيشها مدمر، وشعبها مهزوم، وكرامتها مداسة تحت سنابك الجيوش الهتلرية. وفجأة يظهر في لندن ضابط فرنسي مجهول ومعزول يدعى شارل ديغول. ثم يتوجه إلى الأمة الفرنسية بخطاب جنوني يقول فيه: لقد خسرنا معركة ولم نخسر الحرب. سوف ننتصر في النهاية، فإلى المقاومة يا أشبال فرنسا الميامين!
في البداية اعتقد الناس أن هذا الرجل مجنون بالفعل. فمن كان يصدق آنذاك أن فرنسا ستقوم من وقعتها أو هزيمتها؟ من كان يصدق أن هتلر سوف يهزم وجيوشه تحتل نصف أوروبا؟ من كان يعتقد أن فرنسا المدمرة سوف تخرج منتصرة من الحرب العالمية الثانية؟
ثم يردف جان فرانسوا كاهن قائلا: لقد نفخ شارل ديغول الروح في فرنسا المحطمة وأشعرها بعزلتها وكرامتها في وقت كانت فيه مذلولة، مهانة، محتقرة مقبل القريب والبعيد. هنا تكمن عظمة ديغول، وبدءً من تلك اللحظة أصبح البطل التاريخي في نظر ملايين الفرنسيين.
وبعد أن أنقذ فرنسا من براثن النازية عام 1945 راح ينقذها مرة أخرى من براثن النزعة الاستعمارية حيث غاصت في المستنقع الجزائري عام 1962. وبالتالي فقد أنقذ بلاده مرتين لا مرة واحدة، وكانت المرة الأولى كافية لتخليد اسمه أبد الدهر، فما بالك بالثانية؟
وأما فيما يخص مفهوم التقدم فيقول أكسيل كاهن بأنه بلغ ذروته في القرن التاسع عشر. وقد أدى إلى صناعة كل هذه الحضارة الحديثة التي نشهدها بأم أعيننا اليوم. وكان من كبار أنصاره الشاعر الكبير فيكتور هيغو الذي قال: كلما فتحنا مدرسة أغلقنا سجنا.
فتربية الصغار بشكل صحيح وإنقاذهم من الجهل والتعصب يؤدي إلى استنارة عقولهم وتشكيل مواطنين صالحين منهم وبالتالي نقصان الجنح والجرائم في المجتمع أو ربما انعدامها. وبالتالي فلا تعود بحاجة إلى بناء السجون. وهذا صحيح إلى حد كبير.
ولكن التقدم العلمي بالغ في حركته حتى انقلب إلى ضده في بعض الأحيان. وأصبح التقدم التكنولوجي أو العلمي أو البيولوجي غاية بحد ذاته وليس وسيلة لإسعاد الإنسان. وهذا خطأ وانحراف عن الفهم الصحيح للتقدم. وبالتالي فعلى البشرية أن تنتبه إلى هذه النقطة وإلا أصبح التقدم عالة عليها بعد أن كان وسيلة لتحقيق رفاهيتها وازدهارها.
بل وأصبح بعضهم يفكر في خلق الجنين البشري في المختبر تماما كأي سلعة صناعية أخرى. وهذا شيء خطير لأنه يؤدي إلى التدخل في بنية الكائن البشري. وهناك محاذير أخرى ينبغي تحاشيها كالاستنساخ وسواه.
مهما يكن من أمر فإن البشرية تقف على مفترق طرق: فإما أم تمارس التقدم بشكل عقلاني وأخلاقي، وإما أن تترك الحبل على غاربه وتمارسه بشكل عشوائي بلا ضابط أو وازع. بمعنى آخر، إمّا أن يخضع التقدم العلمي للأخلاق وإمّا ألا يخضع وتدفع البشرية الثمن.
*الكتاب: مذكرات ورؤى متقاطعة لأخوين
*الناشر:ستوك ـ باريس 2006
*الصفحات: 303 صفحات من القطع المتوسط
Comme deux frères, mémoires et visions croisées
Stock- Paris 2006
p. 303