اللقاء مع رائد ترجمة الأدب العربي دنيس جونسون ديفز حافل بالمفاجآت دائماً، ولكن اللقاء الذي أجريناه معه عقب فوزه بجائزة شخصية العام في إطار جائزة زايد للكتاب وصدور مجموعته القصصية «موسم الصيد المفتوح في بيروت» وترجمة كتاب «ذكريات في الترجمة» إلى اللغة العربية تميز بمفاجآت تتعلق بالثراء الغامر لمؤلفات هذا المبدع الكبير، التي تتوالى بسرعة مدهشة بعد احتجاب دام طويلاً وراء عباءة الترجمة .

في هذا اللقاء يلقى الضوء على العالم الخلفي الذي انطلقت منه مجموعته الصادرة عن دار اليربوع الدبوية، والتي ينتظر أن تلحق بها مجموعة ثانية، ورواية يعكف على انجازها، فضلاً عن سيرة حياته الذاتية التي سترى النور قريباً.

وفيما يلي نص الحوار:

* من المحقق أن التكريم الذي نلته بالفوز بجائزة شخصية العام في إطار جائزة زايد للكتاب كان له تأثير كبير عليك، فهل لك في إلقاء الضوء على هذا الجانب في مستهل حوارنا؟

ـ على امتداد سنوات طويلة، وصلت إلى مسامعي أنباء عن تكريم لي في هذه العاصمة العربية أو تلك في ضوء حياتي عملية امتدت أكثر من ستين عاماً في تقديم الأدب العربي للعالم، ووصلت الأمور بي في نهاية المطاف إلى عدم التفاؤل فيما يتعلق بإمكانية حدوث هذا التكريم، أو فوزي بأي جائزة على الإطلاق.

ودرجت زوجتي، باولا كروشياني، حرصاً منها على ألا أصاب بمشاعر خيبة الأمل، على أن تقول لي إن على نسيان هذا الجانب تماماً. وهو ما حدث بالفعل. غير أن أبوظبي وحدها كانت هي التي غمرتني في نهاية المطاف بهذا التكريم النبيل، رفيع القدر، لشخصي ولأعمالي، والذي أعتز به أشد الاعتزاز، خاصة وأنه كان على أعلى المستويات وارتبط باسم المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان .

* تزامن هذا التكريم مع صدور مجموعتك القصصية «موسم الصيد المفتوح في بيروت وقصص أخرى» عن دار اليربوع الدبوية، فمن أي الأبعاد تنطلق قصص هذه المجموعة وما هي الآفاق التي تحاول استشرافها؟

ـ الغالبية العظمى من قصص هذه المجموعة تنطلق من تجاربي ومعرفتي بمناطق متعددة في أرجاء العالم العربي، وهي تجارب ومعرفة أزعم لنفسي أنها تذهب عميقاً في فهم نفسية الناس وروحهم ورؤيتهم للحياة والوجود التي ساهمت في صقل رؤيتي بدوري لهما.

وعلى سبيل المثال فإن القصة التي منحت المجموعة عنوانها تدور أحداثها في الأجواء الكابوسية للحرب الأهلية في لبنان، حيث نلتقي مع مخرج فيلم وثائقي يبرم صفقة شيطانية مع امرأة تنتمي إلى القناصة لتقتل أحد المارة بحيث يتاح له تصوير الحدث عن كثب لإضفاء الطابع الواقعي الدقيق على فيلمه، ولكنه يخرج من صفقة فاوست هذه بما لم يكن في حسبانه.

وقصة «مصير سجين» هي وليدة تأمل في أجواء السنوات التي أمضيتها في الخليج في منتصف القرن العشرين و«فتاة النفاية» ملمح إنساني نادر نابع من حياة بكاملها عشتها في مصر، وتعكس قصة «حديقة الشيخ عثمان» جانباً من ذكريات أيام الطفولة الحاليات التي أمضيتها في السودان، وتدور قصة «كات» حول تأمل في الحياة والموت على خلفية من الحياة في داري الأثيرة في الفيوم بمصر،

وإن كان ذلك لا يمنع من وجود قصص تحدث خارج العالم العربي، كما هي الحال في قصة «السيد بريتشارد»، ولكن حتى مثل هذه القصص تمتد جسور بينها وبين العالم العربي بشكل أو بآخر. وربما كان ذلك انعكاساً مباشراً لملامح حياتي، فقد ولدت في فانكوفر بغربي كندا، وأمضيت طفولتي وصباي في مصر والسودان وشرقي إفريقيا، وعشت مراحل مختلفة من حياتي في مصر والمغرب ولبنان والخليج.

* إلى أين من هنا في عالم الإبداع بعد هذه المجموعة؟

ـ هذا السؤال يرتبط إلى حد كبير بمسألة مؤرقة بالنسبة لي إلى أبعد الحدود، وهي مدى توافر ناشر كبير يواكب طموحاتي في الإصدار سواء فيما يتعلق بالأعمال المؤلفة أو المترجمة. وفيما يتعلق بمؤلفاتي فإن هذا الجانب مهم للغاية، لأنني غادرت انجلترا وأنا في الثالثة والعشرين من عمري،

وبالتالي لم تعد لي صلة تذكر بعالم النشر. وبالطبع فقد تغير عالم الكتابة في انجلترا كثيراً منذ ذلك الحين ومطالب الجمهور من القراء الآن مختلفة تماماً عما كانت عليه من قبل. وعلى سبيل المثال، فلي صديق صدرت له خمس وثلاثون رواية عن طريق كبرى دور النشر في انجلترا، ومع ذلك فإنه يجد من الصعب الآن العثور على ناشر على الإطلاق.

وأنا أعتبر نفسي محظوظاً، حيث ان دار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة على استعداد لنشر أي شيء أقوم بتأليفه أو ترجمته، وهناك دار الشروق التي تتحمس لإصدار الكتب التي أقوم بتأليفها للصغار، والتي وصلت حتى الآن إلى أربعين كتاباً، وهناك أيضاً دار اليربوع في دبي التي تفتح لي أبواب الترحيب بما أقدمه من أعمال.

وفي ضوء هذا فإنني أعكف على الانتهاء من مجموعة قصصي الثانية والتي تدور في أجواء مختلفة بعض الشيء عن أجواء المجموعة الأولى، فبعض قصصها تدور في أسبانيا التي كانت لي فيها دار، واعتدت الإقامة بها فترات ليست بالقصيرة، وكنت في مطالع العمر قد أنجزت روايتين تدور إحداهما حول عالم أسرى الحرب الإيطاليين المحتجزين في الريف الانجليزي،

ولم يقدر لهما النشر في حينه، وقد فكرت في إعادة الاشتغال عليهما، ولكنني وصلت في نهاية المطاف إلى أن من الأفضل العمل على آفاق روائية جديدة، خاصة وأن المواد المتاحة لي تتمتع بالوفرة والثراء، وهي نابعة في المقام الأول من تجارب حياتي في مختلف أنحاء العالم ومن رؤيتي للحياة وللوجود.

* دعنا ننتقل إلى جانب آخر من أعمالك المؤلفة، وهو الكتابة للأطفال، كيف كان بدايتك مع هذه النوعية من الأعمال وإلى أي الآفاق يمتد مشوارك معها؟

ـ البداية حكاية جديرة بأن تروي، فقد كان لي صديق من الشخصيات العربية البارزة، التي أقامت في المهجر، وحققت نجاحاً إبداعيا وماديا فائقاً، وذات يوم كنت في ضيافته، ومرَّ بنا ابنه الصغير الذي كان يدرس في مدرسة إيتون الانجليزية الشهيرة، فاستدعاه أبوه، وسأله عما تعنيه معركة بدر بالنسبة إليه،

وتوالت الأسئلة التي كشفت عن أن الصبي لا يكاد يعرف شيئاً عن الإسلام، وقادنا الحديث إلى إبداء صديقي استعداده لدفع مبلغ كبير لي إذا قمت بتأليف كتاب عن سيرة النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، موجه إلى الناشئة بلغة انجليزية واضحة ومشرقة ومفهومة،

وفي التو واللحظة قام بالتوقيع على شيك بمبلغ كبير وأعطاه لي، وقد قمت بصرف قيمته بالفعل، مما شكل إلزاماً لي بانجاز هذا الكتاب. وبالفعل مضيت إلى بيتي الصغير في أيرلندا محملاً بمراجع عن السيرة النبوية باللغتين العربية والانجليزية، وبعد التمحيص في هذا الكتاب لم يبق إلا الكتابة الفعلية.

ولكنني للمرة الأولى في حياتي واجهت ما يعرف باسم «عقدة الكتاب»، حيث ألفيت نفسي عاجزاً عن كتابة أي شيء على الإطلاق، وفي نهاية المطاف أنجزت الكتاب، وحملته إلى صديقي الذي حرص على أن يعرضه على أحد «الخبراء»، ويبدو أن التقرير الذي كتبه «الخبير» كان بالغ السلبية،

حيث شمل الإشارة إلى وقوعي في أخطاء تتعلق بوقائع سيرة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وواجهني صديقي بهذا التقرير الذي أذهلني، فقد كنت واثقاً من دقة ما كتبته واستناده إلى مراجع دقيقة وراسخة، وتصادف أن كان الدكتور عز الدين إبراهيم في لندن، فأطلعته على التقرير، وبعد التدقيق فيه أكد لي أني على صواب، وأن رأي «الخبير» في غير محله، وقد صحبني إلى صديقي وأبلغه برأيه هذا.

*ماذا عن مشروعاتك في إطار ترجمة الأدبي العربي؟

ـ العمل الذي يستقطب اهتمامي الآن هو انجاز مجلد من قصص أدباء الإمارات مترجم من العربية الانجليزية، يضم خمس عشرة قصة لأبرز هؤلاء الأدباء مع تعريف واف بهم، حيث انني ألاحظ أن معظم هؤلاء الأدباء لا يعرفهم القارئ الغربي، باستثناء أديب كبير مثل محمد المر الذي ترجم له مجلدان من قصصه، أولهما بعنوان «قصص دبوية» من ترجمة بيتر كلارك والثاني بعنوان «غمزة الموناليزا» من ترجمة جاك بريجز.

وفي قائمة اهتماماتي أيضاً اصدار مجلد يمثل أبرز مسرحيات توفيق الحكيم، والذي يتألف من مسرحيات كنت قد ترجمتها له من قبيل «السلطان الحائر» و«يا طالع الشجرة» وسيقتضي إصدار هذا المجلد أن أقوم بكتابة مقدمة طويلة حول مسرح الحكيم، الذي يشهد اهتماماً حقيقياً الآن من خلال إعادة تقديم العديد من أعماله على مسارح القاهرة بإخراج جديد،

وستقوم دار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة بإصدار هذا المجلد برعاية المجلس البريطاني. كما آمل أن تقوم دار النشر ذاتها بإصدار طبعة جديدة من كتاب هو من أول أعمالي المترجمة وكان قد صدر في عام 1947. وكم كان طريفاً بالنسبة لي أن أقرأ على نسخة من الطبعة الأصلية ما يفيد أنها كانت تباع بعشرين قرشاً في ذلك الزمان.

محطات في حياة جونسون ديفز

* ولد دنيس جونسون ديفز رائد ترجمة الأدب العربي في فانكوفر بغربي كندا في عام 1925، وأمضى طفولته في مصر والسودان وشرق إفريقيا، ودرس الأدب العربي في جامعة كامبردج وحصل على دبلوم الدراسات العليا في اللغة العربية من مدرسة الدراسات الشرقية بجامعة لندن،

والتحق بالعمل بالقسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية، ثم عمل بالمجلس البريطاني في القاهرة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وبالتدريس في جامعة فؤاد الأول، ثم حصل على ليسانس الحقوق واشتغل بالمحاماة في انجلترا عدة سنوات.

* يعد بحق ووفق تعبير الدكتور إدوارد سعيد، رائد ترجمة الأدب العربي، حيث ترجم ثلاثين كتاباً من عيون الأدب العربي ابتداء من أعمال الرواد الأوائل مثل محمود تيمور وتوفيق الحكيم ويحيى حقي ونجيب محفوظ حتى أحدث أجيال مبدعي الأدب العربي اليوم،

بما في ذلك إصدار أول مجموعة مترجمة من الأدب العربي الحديث والتي أصدرتها دار نشر جامعة أوكسفورد، والإشراف على سلسلة «مؤلفون عرب» التي كانت أول سلسلة من نوعها تتيح للأدباء العرب الإطلال على الساحة العالمية، وإصدار مجلة «أصوات» اللندنية المعنية بالأدب العربي.

* صدرت له من تأليفه مجموعة «موسم الصيد المفتوح في بيروت» وكتاب السيرة الذاتية «ذكريات في الترجمة» بالإضافة إلى أربعين كتاباً للأطفال تستمد إلهامها من التراث العربي والإسلامي، ويعكف حالياً على انجاز مجموعته القصصية الثانية وروايته الأولى وسيرته الذاتية.