للعرب نظريات مبتكرة لم يسبقهم إليها أحد، بعضها ظل مخلداً باسمهم على مر السنين وبعضها اقتبسها عنهم علماء الغرب فصار منسوباً إليهم وعلماء العرب الذين بزغت أسماؤهم في القرون الوسطى وأدلوا في قسط وافر في تقدم العلوم، هم في الحقيقة مجموعة ضخمة احتل الكثير منهم مركز الصدارة، ومن بينهم العالم الجليل «أبو الريحان البيروني» الذي تصل مؤلفاته إلى مئة وثمانين كتاباً،
وبعض هذه الكتب كان كشفاً جديداً مثل كتابه «القانون المسعودي في الحياة والنجوم» الذي كتبه سنة 421 هجرية وأهداه إلى السلطان الغزنوي «مسعود بن محمد» ومن هنا أخذ الكتاب اسمه ولد «أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني عام 362 هجرية في ضاحية من ضواحي «خوارزم»
وقد نبغ في الرياضيات والفلك والطب ويعتبر إضافة إلى ذلك مؤرخاً وفيلسوفاً ولغوياً وكانت بينه وبين ابن سينا مراسلات أثمرت كتاباً أسماه «الآثار الباقية من القرون الخالية» ذهب البيروني في حداثته إلى الهند وهناك نهل من مناهل الثقافة الهندية، ثم خرج على الناس بكتابه الكبير «في تاريخ الهند» نشره المستشرق الألماني «سخاو» أما كتابه «القانون المسعودي».
فقد غطى جميع الأرصاد والنظريات الفلكية في ذلك الوقت بالإضافة إلى ما توصل إليه علماء الحضارات السابقة والمعاصرون للبيروني وهو في كل ذلك مناقش للآراء ومصحح لها .أما كتابه «الجماهر في معرفة الجواهر» فقد خصصه «البيروني» للحديث عن الأحجار الكريمة والفلزات ولم يكتف بذكر الخواص الطبيعية أو فوائد الأحجار الكريمة .
بل حرص على ذكر الكثير من الأخبار والنوادر التي تدور حول كل حجر كريم، مستشهداً تارة بالآيات القرآنية الكريمة وتارة أخرى بالشعر، ولا يخلو الكتاب من الأخذ أو الاقتباس عن الغير سواء أكان هذا الأخذ أو الاقتباس عن طريق السماع أو النقل، وهو نهج حرص عليه العلماء العرب من قبيل الأمانة العلمية .
وهنا سنجد البيروني قد استمد معارفه العلمية نقلاً عن عالمين حددهما بالاسم: وهما الكندي 185- 252 هجريا الذي عرف بفيلسوف العرب و«نصر بن يعقوب الدينوري» وهو عالم بالأدب وإذا كان المؤرخون الغربيون يضعون اسم «فرنسيس بيكون» في أبرز مكان من تاريخ العلم لأنه استطاع أن يغير وجه وأسلوب العلم والثقافة الأدبية وذلك حين ربط العلم بالفلسفة فإن العرب عليهم أن يضعوا «البيروني» في المرتبة ذاتها ـ.
بل وأكثر فقد سبق «البيروني» بيكون بزمن طويل وبين كذب الخرافات بالتجربة فالخرافة التي تقول: ان الأفاعي تصاب بالعمى إذا أبصرت الزمرد «دفعت البيروني إلى القيام بتجربة استمرت تسعة أشهر ولعلها أطول تجربة في تاريخ العلم حتى القرن التاسع عشر حين طوق الأفاعي بقلادة زمرد وراح يحرك خيطاً رفيعاً أمامها.
ولأن البيروني لا يؤمن الا بالتجربة باعتبارها شاهد عدل فإنه يتردد في تصديق ما يقال ما لم تؤيده التجارب التي يجريها بنفسه وبخاصة فبما يقال عن الأحجار الكريمة التي كانت محور كتابه «الجماهر» ومن اللافت للنظر في هذا الكتاب «الجماهر في معرفة الجواهر».
أن البيروني قد أعطى للوزن النوعي أهمية خاصة في التمييز بين المعادن للوزن النوعي، وقد أثارت دقة البيروني في إيجاد الوزن النوعي لعدد من المعادن والفلزات انتباه جمهرة من المستشرقين وبخاصة المستشرق الألماني «فيرمان» الذي أظهر مدى التطابق بين أوزان البيروني والأوزان الحديثة.
وتكمن أهمية الوزن النوعي عندما يشترك معدنان أو أكثر في بعض الخصائص كاللون مثلاً أو المحك (الخدش) الأمر الذي يستلزم بالتالي وجود خاصية ثالثة كالوزن النوعي كإحدى الخصائص المميزة للمعدن، ومن الملاحظات التي أوردها البيروني والتي تمثل في نفس الوقت قيمة علمية هامة لم تثبت صحتها إلا بعد أن قطعت علوم المعادن أشواطاً بعيدة، مسألة المغناطيس
إذ يقول: ويوجد المغناطيس بالقرب من قرية «خشباجي» على شكل صخور، يضعف منها جذب ما كان منها للشمس ضاحياً ويقوي ما كان في العمق راسباً والتفسير العلمي الحديث أنه من الظواهر الجيوكيمائية المتعلقة بمعدن المغناطيس هو تحوله بفعل العوامل الجوية في الأماكن الحارة المناخ إلى معدن آخر هو المارتيت
ومن الثابت أن البيروني هو أول من وصف بدقة الشكل البلوري للمعادن (اللعل) الذي يقابله في المصطلحات الحديثة في علم المعادن، معدن «سبينل» (أوكسيد ألمنيوم ومغنيزيوم) وصفاً لا يبعد كثيراً عن معطيات علم البلورات إذ وصف بلوراته بأنها متفاوتة الحجم من حجم البندقة إلى حجم البطيخة ويصفها في موقع آخر كأعلام النرد وبيادق الشطرنج مثمنة ومسدسة كالمنحوتة بالصناعة).
وعلى هذا فإن البيروني هو أول من وصف النظام البلوري للمعادن قبل أن يولد علم البلورات بعدة قرون وهذا ما يجعل من كتاب «الجماهر في معرفة الجواهر» واحدا من الكتب المؤثرة في تاريخ العلم لا من حيث محتواه في علم المعادن فحسب ولكن في احتوائه على الآراء التي جاءت مسبوقة بالقياس إلى زمن البيروني.