رافاييلا باكيه واريان شومان، صحافيتان في جريدة «لوموند» الباريسية. كانت الأولى قد قدّمت عدة كتب عن الرئيس جاك شيراك منها: «شيراك رئيسا، كواليس انتصار» و«شيراك أو وسواس السلطة». أما اريان شومان فهي صاحبة كتاب «جوسبان وشركاه» و«أسرة في السر، آن ومازارين».
أي قصة الابنة غير الشرعية للرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتيران.بعد خمسة أيام فقط من هزيمة السيدة سيغولين روايال في الانتخابات الرئاسية الفرنسية يتم نشر هذا الكتاب الذي ينمّ عنوانه عن قدر كبير من التهجم عليها، ومحاولة للكشف عن الكثير من الأسرار «الصغيرة» التي عرفتها حياتها خلال الأشهر الأخيرة مع شريك حياتها فرانسوا هولاند الأمين الأول للحزب الاشتراكي الفرنسي منذ سنوات عديدة، ولكن أيضا الأسرار التي عرفتها الحملة الانتخابية في كواليس قيادة الحزب.
ما تؤكده المؤلفتان هو أنه منذ نهاية خريف عام 2005 حاولت سيغولين روايال أن تشد الأنظار لها، ولم تكن تتردد كل مرّة تنشر فيها إحدى وسائل الإعلام نتيجة استطلاع للرأي يخص الانتخابات الرئاسية في الاتصال بمجموعة من الأصدقاء المقرّبين من الثنائي لتقول لكل منهم: «هل رأيت نتائج استطلاع الرأي فيما يخص فرانسوا، وفيما يخصني».
كانت تلك دعوة شبه صريحة للمقارنة بينهما، وبالتالي الاختيار بينهما. وهذا ما تقرأ به المؤلفتان رغبة صريحة منذ ذلك التاريخ ـ نهاية عام 2005 ـ لدى السيدة روايال كي «تأخذ أخيرا دورها» وهي التي احتفظت حتى آنذاك بموقع المراقبة الصامتة».
وتعود المؤلفتان إلى الحديث عن مؤتمر الحزب الاشتراكي في مدينة «مانس» الفرنسية خلال شهر نوفمبر 2005، والذي كان قد جرى عقده في أجواء مشحونة وبعد فترة من «التمزقات» والعواصف داخل الحزب بسبب المواقف المتناقضة التي جرى اتخاذها حيال الاستفتاء على الدستور الأوروبي يوم 29 مايو من نفس السنة.
كان الفرنسيون قد قالوا «لا» لذلك الدستور ـ أو «الاتفاقية الدستور» كما كانت التسمية الرسمية ـ ، وكان بعض قيادات الحزب الاشتراكي، وعلى رأسهم لوران فابيوس، رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق في صف أولئك الذين عارضوا المصادقة على الدستور بينما كانت قيادة الحزب، وعلى رأسها فرانسوا هولاند، في صف المؤيدين له.
لقد استطاع فرانسوا هولاند أن يحافظ بعد جهد كبير على قيادته للحزب استطاع «تحييد» منافسيه والوصول إلى «مصالحة» بين مختلف تيارات الحزب. وتنقل المؤلفتان عن سيغولين روايال قولها المتكرر أثناء مؤتمر «مانس» أنها الآن «ساعة فرانسوا» وذلك في منظور أملها أن يقوم بتجديد الحزب وأن «يجسد الجيل الاشتراكي الجديد».
وما تؤكده المؤلفتان في هذا السياق، هو أن فرانسوا هولاند عندما عاد من «مانس» إلى باريس أراد أن يكرّم صديق عمره منذ 25 سنة والعضو القيادي في الحزب «جوليان دراي» و«فرانسوا ريبسامن» الرجل الثاني في الحزب على مساعدتهما الكبيرة له أثناء مؤتمر «مانس» كي يستطيع الوصول إلى المصالحة المنشودة. هكذا دعاهما للعشاء في مقهى ومطعم «ليب» الشهير في جادة سان جرمان.
هو المكان نفسه الذي كان قد أُختطف من أمامه المناضل المغربي المهدي بن بركة ولم يره أحد بعد ذلك. وعند الساعة العاشرة والنصف رنّ هاتفه، فرد «وشوشة» ثم خرج دون تفسير تاركا «بطاقته المصرفية» لدفع فاتورة الحساب. تأخر في عودته إلى المنزل فهتفت سيغولين لجوليان دراي معتقدة أن فرانسوا لا يزال معهما. بدا بالنسبة لها أن في الأمر «خيانة لا تحتمل».
وتكرس مؤلفتا هذا الكتاب صفحات عديدة للدور الذي لعبه «جوليان دراي» في اختيار سيغولين روايال مرشحة باسم الحزب الاشتراكي لخوض المعركة الرئاسية. ويتم تقديمه على أنه صديق حميم لأسرة هولاند ـ روايال. والتأكيد على أنه كان حتى حادثة «مقهى ليب» أكثر قربا من فرانسوا، وتنقل المؤلفتان عن العديد من أصدقائه أنه كان يردد في معرض «المزاح» قوله: «إذا كانت سيغولين مرشحة، فإنني سوف أنفي نفسي إلى إسرائيل» جوليان دراي يهودي.
في الوقت نفسه يلعب جوليان دراي دور الخبير الأمني في الحزب الاشتراكي ويحلم بالتالي أن يصبح ذات يوم وزيرا للداخلية. وكانت سيغولين روايال هي أكثر من يدعو إلى النظام واحترام السلطة، وهذا ما كان يقرّبه منها. وكان يأخذ على صديقه فرانسوا هولاند تفضيله «فرانسوا ريبسامن» عليه كي يحتل موقع الرجل الثاني في الحزب.
ثم إن «دراي» كان يريد دائما استبعاد لوران فابيوس من قيادة الحزب، خاصة بعد مواقفه المعادية للدستور الأوروبي، لكن فرانسوا هولاند فعل العكس تماما وأعاده إلى اللعبة. وتنقل عنه المؤلفتان قوله: «فرانسوا يعاني من مشكلة سيكولوجية. إنه لا يحسم الأمور أبدا، ويبحث دائما عن مصالحات ولا يبرهن على أنه رجل سلطة. إنه لا يعرف كيف يقتل».
دخل «جوليان دراي» كوسيط قريب في حالة التوتر التي سادت داخل أسرة الثنائي روايال ـ هولاند وأصبح «مستشارا عاطفيا» و«مستشارا استراتيجيا». هكذا اكتسب أهمية أكبر، بل وتؤكد المؤلفتان أنه كان قد بدأ «بصب الزيت على النار» كي تتأجج المشكلة أكثر وبالتالي يكبر دوره. وفي ذلك الإطار أخذ يشير لسيغولين أن «فرانسوا لا يريد الانسحاب وكأنه يسعى لخسارتك».
أصرّ فرانسوا هولاند على موقفه بينما كانت استطلاعات الرأي ترفع من شعبية سيغولين وتعاظم دعم القواعد الحزبية لها كما كانت تلقى الدعم أكثر فأكثر من الكوادر الحزبية. كان فرانسوا هولاند يفكر آنذاك، حسب الرواية المقدمة، بمرشح محدد هو «ليونيل جوسبان»، القائد السابق للحزب والمرشح سيئ الحظ في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية لعام 2002 إذ أقصاه جان ماري لوبن، زعيم اليمين المتطرف، من السباق الرئاسي.
أمام ذلك الوضع تدخل صديق العائلة جوليان دراي واتخذ موقفا صريحا في دعم سيغولين روايال، بل وأخذ يشرح بصورة ملتوية، وإنما مفهومة، للصحافيين أن هناك أزمة حقيقية داخل أسرة الثنائي فرانسوا هولاند وسيغولين روايال. بل أكد أن سيغولين روايال قالت لفرانسوا: «إذا كنت ستبحث عن جوسبان من أجل أن تقطع الطريق أمامي، فإنك لن ترى الأطفال بعد ذلك أبدا».
لم يقتصر دعم جوليان دراي لسيغولين روايال على إبداء الآراء، بل أصبح يتدخل في قراراتها وسلوكها على الصعيد السياسي، هذا إلى درجة أن فرانسوا هولاند قال له ذات مرة: «عليك أن تتوقف الآن، ولا تتحدث معي بهذه الطريقة. هيا انصرف، انصرف». ثم أضاف: «لم أعد أتحملك، فأنت الذي يثير جميع المشاكل».
وفي الصفحات المكرّسة لفترة ترشيح سيغولين روايال رسميا للانتخابات الرئاسية باسم الحزب الاشتراكي، تشير المؤلفتان إلى أن سيغولين بدأت تتصرف على هواها دون العودة إلى فرانسوا هولاند. هكذا اختارت ناطقا باسمها النائب «ارنو مونتوبورغ»، البارع في النقاشات العامة، وإنما أحد أكبر خصوم الأمين الأول فرانسوا هولاند، داخل الحزب.
ووصل الأمر بالسيد مونتوبورغ أنه عندما سألوه في برنامج تلفزيوني شهير: «ما هو أكبر عيب لدى سيغولين روايال»، أجاب: «ليس لدى سيغولين روايال سوى عيب واحد، هو شريك حياتها». هذا التصريح كلّفه توقيفه عن ممارسة دور الناطق باسم سيغولين روايال لمدة شهر. لكن ما تؤكده المؤلفتان هو أن «مونتوبورغ» سوى أن صرّح بصوت عالٍ ما يقوله من كانوا حوله. وكان فرانسوا هولاند قد قال لها: «ينبغي أن لا تسمحي للناطق باسمك بشتمي».
ويتم تكريس عدة صفحات من هذا الكتاب للخلاف الكبير في الرأي الذي ساد بين سيغولين روايال وفرانسوا هولاند حول إصرارها تقريب جان بيير شوفانمان، وزير الدفاع الفرنسي الأسبق والذي يعتبره فرانسوا هولاند مسؤولا عن هزيمة اليسار في الانتخابات الرئاسية لعام 2002. لكن سيغولين لم تستمع لآراء فرانسوا هولاند، مع أنه الأمين الأول للحزب، وقرّبت منها شوفنمان وذلك على قاعدة «لقاء المصالح»، إذ وضع تحت تصرفها كل خبراته وخبرات الذين حوله.
أما هي فقد أصبحت تحرص على أن يجلس على يمينها. وتذكر المؤلفتان أنه عشية لقائها بالمستشارة الألمانية «انجيلا ميركل» قال لها إنه ينبغي: «الحذر من انجيلا ميركل» ومن أولئك «الألمان الذين لا يؤمنون سوى برؤوس الأموال الخاصة».
ومن الأسرار التي يتم الكشف عنها في هذا الكتاب هو أن سيغولين روايال كانت تتصل هاتفيا منذ شهر يناير 2007 عدة مرات يوميا بالفيلسوف برنار هنري ليفي. وتنقل عنه المؤلفتان قوله عنها: «إنها وحيدة جدا... وحتى على الصعيد العاطفي».
كتاب عن «التاريخ السري» لترشيح السيدة سيغولين روايال للرئاسة الفرنسية ولأسباب فشلها في تحقيق الهدف الذي سعت إليه متحدية الجميع وفي مقدمتهم شريك حياتها والأمين الأول للحزب الاشتراكي، فرانسوا هولاند.
*الكتاب:المرأة الشؤم
*الناشر:البان ميشيل ـ باريس2007
*الصفحات : 229 صفحة من القطع المتوسط
La femme fatale
Albin Michel - Paris 2007
p.229