اندرو جينينغز، صحفي بريطاني شهير، جعل من التحقيقات حول العديد من القضايا الشائكة الخاصة بآليات عمل الشرطة والأجهزة الحكومية وعالم الجريمة موضوع اهتمامه الأول. وقد برزت شهرته عبر التحقيقات التي قام بها حول دور البريطانيين حول فضيحة بيع الأسلحة الأميركية لمتمردي «الكونترا» في أميركا اللاتينية. سبق له وقدّم عدة مؤلفات منها: «ألعاب غير مشرّفة: الفساد في الألعاب الأولمبية».
وكان ذلك الكتاب قد أثار «فضيحة» حقيقية عندما برهن المؤلف على أن «خوان أنطونيو سامارانش»، زعيم الاولمبياد آنذاك، كان برتبة وزير في نظام الدكتاتور الاسباني فرانكو. كما أظهر مدى الفساد الكبير السائد لدى «اللجنة الأولمبية الدولية».
يولي مؤلف هذا الكتاب منذ عدة سنوات اهتمامه لعالم الرياضة. لماذا؟ يقول في مقدمة عمله الجديد: «الرياضة تنتمي إلى الشعب. إنها تشكل جزءًا من ثقافتنا، ومن الاسمنت الذي يؤمّن لمحة المجتمع. وبنفس الطريقة التي يشغل فيها الفساد داخل الحكومة ولدى ضباط الشرطة الجمهور العريض من الناس، فإنه ليس أقل خطورة أن يتولى الفاسدون الرقابة على الرياضات الشعبية ويستخدمونها لمصالحهم الشخصية».
ويشير المؤلف إلى أنه تلقى ذات يوم اتصالا هاتفيا من مسؤول القسم الرياضي في صحيفة «الديلي ميل» سأله فيها إذا كان على استعداد «للاهتمام» بأولئك الذين يقومون على إدارة الفدرالية التي تأسست في باريس عام 1904 ثم انتقلت إلى سوننبرغ عام 1954 ترأسها عام 1961 «السير ستانلي رو» كي يخلفه عام 1974 «جواو هافيلانغ» بدعم من «هورست داسلر» رئيس شركة «اديداس».
وفي عام 1975 التحق «سيب بلاتر» السويسري بالفيفا من أجل تنظيم برامج تطويرها المدفوعة من شركة كوكا كولا. وفي عام 1998 يفوز «بلاتر» برئاسة الفدرالية الدولية لكرة القدم، أي في السنة التي قامت فيها فرنسا بتنظيم واستقبال مباريات كأس العالم وفازت به. ويتأهب «بلاتر» للترشيح للرئاسة لدورة جديدة عام 2007.
ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب على قاعدة تحقيقات قام بها لمدة أربع سنوات كاملة هو أن التسيير المالي للفدرالية الدولية لكرة القدم يعاني من «الفساد» ومن عمليات «اختلاس أموال». تجدر الإشارة هنا إلى أن «الفيفا» كانت قد أصدرت بيانا طالبت فيه منع نشر الكتاب وتوزيعه قبل صدوره وقد جاء في بيانها: «إن الفيفا ترفض الاتهامات الموجودة في الكتاب.
ونظرا للمعلومات الخاطئة العديدة التي يحتوي عليها وتمس شخصيات معنوية وواقعية فإن الفدرالية الدولية لكرة القدم طلبت منه نشره وتوزيعه. وقد وافقت محكمة زيوريخ على هذا الطلب». لكن هذا الكتاب صدر باللغة الانجليزية وتمّت ترجمته للغة الفرنسية.
وما يؤكده المؤلف هو أن «سيب بلاتر»، ومنذ انتخابه رئيسا للفيفا عام 1998 ثم إعادة انتخابه عام 2002 وتأهبه للترشيح لدورة ثالثة عام 2007، قد أقام منذ انتخابه للمرّة الأولى نظاما تنقصه الشفافية، بل ويتسم بقدر كبير من «اللا شرعية» فيما يتعلق بتسيير الفدرالية.
بل إن المؤلف «يشكك» بنزاهة الآليات التي أدت إلى انتخابه رئيسا في المرة الأولى عام 1998. إنه يؤكد على أن الرئيس السويسري «للفيفا» وعددا من أصدقائه قد استطاعوا الحصول بطرق ملتوية على مبالغ مالية كبيرة عبر «الشركة الدولية للرياضات وأوقات الفراغ» التي كان قد أسسها رئيس شركة «اديداس» السابق.
ويشير المؤلف إلى أن المبالغ المعنية كانت مكرّسة لصناديق الفيفا، لكنها «وجدت طريقها إلى حساب سرّي» حيث صير إلى توزيعها على عدد من الأشخاص بعيدا عن أي عقاب». إن المؤلف يتحدث في كتابه عن مبالغ خيالية تصل إلى 3,2 مليار دولار، ذلك أن «الشركة الدولية للرياضات»، ورغم أنها أفلست وجرى حلّها عام 2001.
فإنها تكلّفت بإدارة عملية الإشراف المالي ـ السبورسينغ ـ وعلى حقوق نقل مباريات كأس العالم لكرة القدم التي تنظمها الفيفا على شاشات التلفزة. ويؤكد المؤلف أن المبلغ المقصود، أي ال3,2 مليار دولار، المناظرة لحقوق النقل التلفزيوني لمباريات كأس العالم عام 2002 وعام 2006 لم تصل أبدا إلى صناديق الفدرالية الدولية لكرة القدم وإنما جرى «تجميدها» في أحد بنوك مدينة «سامين».
وإن هناك اليوم تحقيق يقوم به القاضي المعني في المنطقة. وقد جرت عمليات تفتيش في مقر الفيفا نفسه. أما الحكم فيشير المؤلف إلى أنه قد يجري خلال الأشهر القادمة وأنه قد يؤدي إلى «تفجير منظومة بلاتر». ويصف المؤلف طريقة إدارة «سيب بلاتر» للفدرالية الدولية لكرة القدم على أنها ذات طابع «استبدادي» إذ أنه يديرها بيد من حديد، بينما يعيش هو شخصيا على مستوى رؤساء الدول.
وتشرف الفيفا على 207 من الفدراليات الوطنية لكرة القدم وليس هناك أية «قوة مقابلة» تحد من وزنها وسلطتها. ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين كي يشير إلى أن «عيسى حياتو»، رئيس الفدرالية الإفريقية لكرة القدم عام 2002، كان مؤهلا في تلك السنة للفوز برئاسة الفيفا، ولكن جرى إقصاؤه من قبل «الآلة» التي أحكم «بلاتر» ضبط إيقاعها حسب مخططاته.
وكان «حياتو» قد وجّه بعض الاتهامات ضد «بلاتر» فيما يخص «الفساد» داخل الفيفا، ولكن القضاء السويسري لم يذهب بعيدا في هذا الملف بينما «اختفى» «حياتو» عمليا من اهتمام وسائل الإعلام ولم يعد يأتي على ذكره أحد. هذا مع العلم أن لجنة «الفيفا» أكدت في عام 2003 أن انتخابات عام 2002 لرئاسة الفدرالية كانت تنقصها الشفافية.
المشرفون على إدارة الفدرالية الدولية لكرة القدم، أي اللعبة الأكثر شعبية في العالم، يبلغ عددهم 24 شخصا هم أعضاء اللجنة التنفيذية. وهم مسؤولون عن إدارة عدة مئات ملايين الدولارات كل عام، وجزء مهم من هذا الأموال، كما يشير مؤلف الكتاب، نقدا، أي لا تخضع لأية رقابة حقيقية على غرار الأموال الموجودة في حسابات مصرفية.
ويصف المؤلف على مدى العديد من الصفحات البذخ الكبير الذي تتسم به حياتهم، إذ بالإضافة إلى مرتباتهم الثابتة العالية جدا يتقاضون «مصاريف شخصية» على «المهمّات» التي يقومون بها. وهذه المصاريف لا تخضع أبدا للضرائب. ويركّز المؤلف بصورة خاصة بالنسبة لرئيس «الفيفا» سيب بلاتير على أنه «رجل سري» ومحب للسلطة و«لا يتراجع أمام أية عقبات».
نقطة الانطلاق الأساسية في التحقيقات التي يقوم بها المؤلف تتعلق ب«رشوة» كانت موجهة إلى أحد مسؤولي «الفيفا» شخصيا لكنها «ضلّت طريقها» ووصلت إلى «المقر». ويؤكد المؤلف أن عدة مصادر «سرية» داخل الفدرالية نفسها قد قدّمت له معلومات محددة.
كما أن الصحافة قد نشرت معلومات جزئية عنها مثل «الدايلي ميل» بعددها ليوم 27 مايو 2002 ثم بعددها ليوم 5 ديسمبر 2005. وكذلك في عدة صحف سويسرية وألمانية. ويشرح في الفصل السابع من الكتاب أن وجود تلك «الرشوة» كان معروفا منذ عدة سنوات من قبل مسؤولين في «الفيفا» ومن بينهم أعضاء في اللجنة التنفيذية. ويصف هذه القضية أنها بمثابة «قنبلة موقوتة».
إن المؤلف وعلى مدى الفصول الثلاثين التي يتألف منها الكتاب يشرح أن «سيب بلاتير» هو «منتوج من اديداس» عندما كانت في ظل رئاسة «هورست داسلر». وإنه منذ دخوله إلى «الفيفا» عام 1975 بدأ هجوماته على رئيسها السابق «جواو هافيلانغ» الذي وبعد عشرين سنة من وجوده على رأس الرياضة الأكثر مصدرا للربح في العالم، لم يستطع أن يبلغ درجة الغنى التي كان يأملها».
واعتبارا من عام 1995 تربع «بلاتر» على عرش «الفيفا» ويشرح المؤلف على مدى أحد الفصول «بذخ» رئيس الفدرالية تحت عنوان: «الرئيس بلاتر والدجاجة التي تبيض ذهبا». ثم فصل آخر يحمل عنوان: «السيد الرئيس، كم تدفع لك الفدرالية الدولية لكرة القدم»؟
ويصف المؤلف طريقة إدارة سيب بلاتر «للفيفا» بأنها تراوحت بين «استخدام الجزرة والتلويح بالعصا» وتطبيق مبدأ «فرّق تسد» أو ما يسميه ب«الحرب الأهلية داخل الفيفا». ودفع أصدقاءه إلى أعلى المراتب مثل«جاك وارنر» رئيس الفدرالية الإقليمية لكرة القدم الممتدة من أميركا الوسطى وصولا إلى الاسكا ومرورا بمنطقة الكاريبي. و«وارنر» هذا تردد اسمه في عدة قضايا مرتبطة بكرة القدم عبر ولديه «داريان وداريل وارنر».
ويروي المؤلف على مدى فصل في الكتاب «المعركة» التي خاضها «سيب بلاتر» عندما قامت كوريا بتنظيم كأس العالم لكرة القدم عام 2002. لقد انضم يومها للممثلة الفرنسية الشهيرة بريجيت باردو في الدفاع عن «حقوق الحيوان» وطالب ب«اتخاذ إجراءات فورية وحاسمة لوضع حد نهائي لتلك الممارسة الفظّة» أي أكل لحم الكلاب.
*الكتاب:مخالفة القواعد، العالم السري للفيفا
*الناشر:هاربر سبورت ـ لندن 2006
*الصفحات: 400 صفحة من القطع المتوسط
Foul! the secret world of FIFA
Harpersport - London 2006
P.400