بعض الكتاب يدعون قصصهم تنطلق قدماً، كأنما في سباق، والبعض الآخر يفضلون إبقاء القراء في حالة تمهل، ولكن قلة منهم هي التي تمضي موغلة بعيداً مثل الروائي البريطاني غراهام سويفت. وفي روايات مثل روايته التي تحظى بالكثير من الإعجاب «ضوء النهر» وروايته الصادرة مؤخراً «الغد» .
فإن السؤال الذي يلح على القارئ ليس هو ما الذي سيحدث بعد ذلك، ولكن ما الذي حدث في المقام الأول، فالمعلومات لا تقدم إلا على أساس احتياج القارئ إليها، والمؤلف يحتفظ بأوراقه قريبة للغاية من صدره بحيث إنها توشك عملياً أن تكون وراء قفصه الصدري.
والمنهاج الوئيد والدائب الذي يعتمده سويفت يقتضي التضحية بالنطاق الديناميكي، فليست هناك لحظة مفردة يمكن السماح لها بأن يكون لها تأثير منفصل، والزخم الجزئي ينبغي أن يرتهن لصالح تأثير الكل. والتأثير الذي تتركه هذه الهندسة الدقيقة، لدى نجاحها، هو التوتر البالغ، الذي جعل رواية «ضوء النهار» تشبه جسراً معلقاً مصنوعاً من النثر المحكم.
وهذه الطريقة في السرد ليست مناسبة لكل القصص، فإذا كنت ستحجب سرا عن القارئ على امتداد صفحات طويلة من الكتاب، وعندما يطل هذا السر من الخفاء فإنه ينبغي أن يحدث تأثيراً قوياً. ومن الناحية العملية، فإن ذلك يعني أن هذا السر ينبغي أن يتعلق بالحب أو الموت، ومن الأفضل أن يتعلق بهما معاً.
وقد طبقت هذه القواعد على التشابك المعقد بين العاطفة والقتل والإخلاص في رواية «ضوء النهار». أما رواية «الغد» فيبدو أنها تتجاهل هذه القواعد إلى حد كبير، فالسر فيها ينتمي إلى نوعية عادية، كما أن الأمور تحدث في البحر.
وتطور روايات سويفت ذاته يقتضي بصورة مسبقة نأياً عاطفياً وفي رواية «ضوء النهار» فإن الوعي المسيطر هو على نحو ملائم وعي محقق خاص، يتورط في الأحداث التي تم توظيفه لتوثيقها فحسب. والكتاب يتابعه على امتداد يوم واحد مهم من أيام نوفمبر، ساعة إثر أخرى، بل لحظة إثر أخرى علي وجه التقريب، فيما هو يستعيد بصورة استحواذية أحداث يوم مهم آخر.
وهذا التداخل للتواريخ يبعد الانتباه عن شخص يؤدي سرداً معادلاً للحركة الوئيدة من دون حساب واع لما يجري. ورواية «الغد» تحتفظ بالمسافة الزمنية الفاصلة عن فورية الأحداث، ولكنها تغير الاتجاه من الماضي إلى المستقبل. وهكذا فإنه بدلاً من ذكرى سنوية والعودة إليها، فإننا نحصل على نوع من البروفة لما يجري عشية اليوم الحاسم.
ونتابع باولا هوك وهي راقدة وقد جافاها النوم وهي تخاطب ابنيها التوأم، على نحو ما يتعين على زوجها مايك أن يفعل في الغد على أرض الواقع، لإمدادنا بالقطع المفقودة في لعبة لغز الصورة الناقصة الذي لم يدرك التوأم أنها ناقصة.
والمشكلة هي أن ما تتخيل باولا أنها تقوله لابنيها التوأم كيت ونك البالغين ستة عشر عاماً من العمر لا يخالف فحسب ما تقوله أم محبة لابنيها، وإنما هو النقيض له تماما، حيث أن هذا الذي تقوله قد صيغ لإبقائهما وإبقاء الجمهور الحقيقي، أي قراء الرواية بعيداً عن إدراك الأسرار التي تلقى بظلالها على العمل كله أطول وقت ممكن.
والعبارة الدالة القائلة: «هذا هو الموضع الذي تبدأ فيه قصتكما حقاً «لا تأتي إلا بعد حوالي 150 صفحة من بداية الكتاب. وهذا السيناريو قد يبدو سادياً إذا كان بالإمكان حمله على محمل الجد. وهذا الاختلال بين القصة الوجيزة وبين سردها المفرط في السيطرة هو اختلال صارخ ولافت للنظر، تماماً كشراء دبابة لجز حشائش مرجة خضراء، بحيث أنه يوحي بمجموعة غريبة من الأولويات وراء المشاهد.
كما لو أن موقف باولا، الذي يعد بعيداً عن إثارة اهتمام عاجل، قد صيغ ليناسب أسلوباً سردياً مسبق التجهيز. يبدو أن التكنيك القديم يؤتي ثماره بالنسبة للنصف الأول من رواية «الغد»، ويبد أن عبارات محايدة مثل «في حالة تعادل كل الأمور» أو «إذا كنت صادقاً» تبدأ في تطوير ظلال تثير الإحساس بالضيق.
وباولا تعمل وكيلة فنية. أما مايك الذي أجرى في وقت من الأوقات أبحاثًاً حول الحلزون فهو رئيس تحرير مجلة علمية ناجحة، وبالتالي فإنهما يأتيان بنطاق واسع من الأفكار عبر الثقافتين اللتين يمثلانهما. لكن عندما تفشل الرواية في التأثير بقوة في نفوس قرائها، فإن تقديم الصور والأصداء يبدأ في الظهور بمظهر آلي.
حيث لا يبدو أن هناك عاملاً في الدراما الصغيرة يوجد بمقتضى مقوماته الخاصة، وإنما يبدو أنه موجود لا لشيء إلا لإمداد الكاتب بمساحة موضوعية للتلاعبات بالكلمات واستدراج العناصر المرتبطة. علي سبيل المثال فإن والد باولا هو قاض، الأمر الذي يفضي بصورة طبيعية إلى كونه قاضياً حقيقياً في بعض الأمور» و«قاضياً للرجال ومحكما في الخمور».
وعندما يلتقي مايك بالرجل الذي سيصبح حماه، فإنه يتخوف على نحو يمكن تفهمه من أنه سيتم الحكم عليه بصورة صارمة. ثم تأتي عبارة مثل: «لو أنه علم فحسب أن لحظه الحكم عليه ستأتي بعد وقت طويل من مسار حياته». ولما كانت طريقة سويفت تحدث تأثيرها بالقضاء على قوة الدفع فلابد له من أن يعوض ذلك بالكثير من العبارات المنتمية إلى هذه النوعية، ثم تأتي عبارة من نوعية: «ربما كنت أنا من يستحق إصدار الحكم عليه في الغد».
والتلاعب بالكلمات الذي درج عليه سويفت في أعماله يبدو ناجحا إلى حد كبير في رواية «في ضوء النهار» حيث يشكل جزءاً لا يتجزأ من الاقتصار علي استخدام أبسط الأدوات وأكثرها اقتضاباً والذي يسود الرواية بكاملها، لكنه في رواية «الغد» يبدو أقرب إلى عادة أصبحت قهرية، وأقرب إلى تجميع قطع من خيوط أقصر من أن تستخدم بصورة ناجحة، أو مضغ كل قضمة من الطعام 32 مرة قبل ابتلاعها، حتى لو كان هذا الطعام لا يعدو أن يكون حساء.
في ليلة صعبة
«أحسب أنكما نائمان، يا ملاكيَّ! وكذلك أبوكما، لدهشتي وارتياحي، مثل رجل تواتيه القدرة على النوم في ليلة إعدامه. لسوف يحتاج إلى كل القوة التي يمكنه أن يستجمعها غداً. إنني الوحيدة المستيقظة في هذه الدار في هذه الليلة التي تسبق اليوم الذي سيغير حياتنا جميعاً. وذلك على الرغم من أن ذلك اليوم قد حل بالفعل، فالعقربان المنيران في منبهي الذي لم أقم بضبطه يشيران إلى الساعة الواحدة من بعد منتصف الليل، والليالي قصيرة، فنحن في منتصف الصيف تقريباً من عام 1995.
لقد مر أسبوع بعد عيد ميلادكما السادس عشر. وبضربة حظ أصبحت تثير نوعاً من الإحراج وسيقول عنها بعض الناس إنها ليست ضربة حظ على الإطلاق فقد ولدتما في مدينة جيمني. وأنا لست امرأة متطيرة بصفة خاصة، وقد تزوجت من عالم. ولكن هناك شيئاً واحداً صغيراً سأقوم به غداً، أقصد اليوم، فلوقت قصير يمكنني الإبقاء على الوهم، لسوف أصالب أصبعيَّ».
*الكتاب: الغد
*الناشر: بيكادور ـ لندن 2007
*الصفحات:248 صفحة من القطع المتوسط
Tomorrow
7002 nodnoL - rodaciP
842.p