مؤلفة هذا الكتاب هي بيانكا ماضية حاصلة على دبلوم دراسات عليا، قسم الأدبيات من جامعة حلب تعمل حاليا رئيسة القسم الثقافي في صحيفة «الجماهير» بحلب، وعضو في هيئة تحرير لعدد من الدوريات العربية مثل «مجلة ديوان العرب الإلكترونية» و«مجلة الضاد الحلبية لمؤسسها عبد الله يوركي حلاق» وتكتب المقال والدراسة الأدبية والزاوية الصحافية في الدوريات المحلية والعربية منذ العام 1994 .
بالإضافة إلى إنها عضو جمعية العاديات المختصة بالحفاظ على التراث بحلب، وعضو جمعية «من أجل حلب» المختصة بالشؤون الخدمية والثقافية لمدينة حلب، حائزة على جائزة الدكتورة سعاد الصباح للإبداع الفكري في مجال النقد للعام 1995 عن النتاج الموسوم (المدينة في شعر نزار قباني) الصادرة عن دار سعاد الصباح للنشر والتوزيع ( دولة الكويت).
في كتابها هذا (سليمان الحلبي) تبحث عن سيرة سليمان الحلبي (الكردي)، وظروف قتله، وعن حملة التواقيع من قبل الصحافيين والمثقفين السوريين والعرب التي تطالب بإعادة جمجمته إلى ارض الوطن. تتطرق المؤلفة في مقدمة الكتاب إلى الأسباب التي دفعتها لاختيار الشهيد سليمان الحلبي مادةً للبحث في كتابها وهي ثلاثة أسباب.
أولها: قيام الحملة الوطنية الشعبية لاسترداد جمجمته ورفاته من باريس.
وثانيها: كثرة الشائعات التي دارت حول الدافع الأساسي الذي جعل سليمان الحلبي يقوم بهذا الفعل.
وثالثها: أن هذا البطل الشهيد لم ينل حقه الكافي من الدراسات والأبحاث.
وتتطرق المؤلفة في الفصل الأول من الكتاب الذي يتألف من تسعة فصول عن الظروف التي أحاطت بسليمان الحلبي للانتقام من كليبر، وتعرّف المؤلفة سليمان الحلبي دون ان تتطرق على أنه كردي على أنه: سليمان محمد أمين الملقب بـ (الحلبي).
ولد عام 1777 في قرية «كوكان» فوقاني «الجزرونية»ـ بعد التعريب لأسماء القرى والأماكن في المنطقة ـ التابعة لمنطقة عفرين في الشمال الغربي من مدينة حلب، من أب متدين اسمه محمد أمين من (عائلة أوس قوبار) .
تعلَّم مهنة الكتابة، وكان أبوه يعمل في مهنة بيع السمن وزيت الزيتون، إلى أن بلغ العشرين من عمره، فأرسله أبوه عام 1797 براً إلى القاهرة، ليتلقّى العلوم الإسلامية في الأزهر، فاستقر في (رواق الشوام) المخصص للسكن الداخلي لطلبة الأزهر من أبناء بلاد الشام.
ومن القاهرة تتوطد علاقة الحلبي بالشيخ أحمد الشرقاوي، أحد أساتذته، واحد المساهمين في قيام ثورة القاهرة الأولى يوم 21 اكتوبر عام 1798، وكان سليمان الحلبي بجانب أستاذه الشيخ الشرقاوي عند اقتحام جيش نابليون أرض الجيزة، ثم أرض (المحروسة ـ القاهرة)، وبعد ان حكم الفرنسيون على ستة من شيوخ الأزهر بالإعدام، منهم الشيخ الشرقاوي، واقتيدوا إلى القلعة.
حيث ضربت أعناقهم، وانتشلت أجسادهم إلى أماكن غير معروفة، مما أدى إلى تزايد سخط الشعب على الاحتلال الفرنسي. وبعد ان عاد إلى سوريا (تقول المؤلفة) راودت سليمان الحلبي فكرة قتل كليبر، فاذ به يأخذ طريقه إلى القاهرة مرورا بفلسطين.
وبعد ان اشترى الخنجر الذي قتل به الجنرال كليبر من غزة، ليجد نفسه ثانية طالبا في الأزهر ويتعرف على أربعة من مقرئي القرآن من فتيان فلسطين، وهم محمد وعبد الله وسعيد عبد القادر الغزي، وأحمد الوالي . وفي صباح يوم 14 يونيو عام 1800، وبينما كان يتحدث كليبر مع احد المهندسين في الحديقة خرج عليهما شاب نحيل متوسط الجسم.
وما كاد يلتفت إليه حتى عاجله بطعنات خنجر مميتة أصابته في صدره وبطنه وذراعه، وحاول سليمان الحلبي الفرار، غير أن المهندس الفرنسي حاول الإمساك به فطعنه هو الآخر ست طعنات، وعاد سليمان الحلبي إلى كليبر الساقط أرضاً، وطعنه عدة طعنات أخرى إمعاناً في التأكد من قتله.
وهكذا كانت نهاية كليبر، وتمكن سليمان من الهرب تاركاً عمامته، غير أن الجنود الفرنسيين سارعوا إلى البحث عن الفاعل، حتى تمكنوا من القبض عليه، وبعد ان أنكر سليمان ما نسب إليه، وبعد تهديد وتعذيب اعترف سليمان بانه جاء إلى القاهرة لقتل الجنرال كليبر «الذي اعتدى على الشعب والعلماء وبيوت الله».
وبالرغم من ان سليمان نفى ان يكون احد من زملائه في السكن قد حرضه، أصدر القائد العام الجنرال مينو (قائد الحملة بعد كليبر) أمراً بالقبض على الأربعة الذين كانوا معه في السكن والمشايخ الذين قاموا بتدريس سليمان ولا سيما مصطفى أفندي البورصلي، و أصدر الجنرال مينو في اليوم التالي قراراً بإنشاء محكمة لمحاكمة المتهمين، مؤلفة من تسعة أعضاء.
وأصدرت حكمها بعد أربعة أيام من تحقيق ومداولات المحكمة بإدانة كل من: سليمان الحلبي ومحمد الغزي وعبد الله الغزي وعبد القادر الغزي، والسيد أحمد الوالي، وبراءة مصطفى أفندي البورصلي وإطلاق سراحه، وقضت على المحكوم عليهم بالعقوبات الآتية:«أن تحرق اليد اليمنى لسليمان الحلبي، ثم يعدم فوق الخازوق، وتترك جثته فوقه حتى تفترسها الجوارح.
وأن يكون ذلك خارج البلاد فوق التل المعروف باسم (تل العقارب) وأن يقع التنفيذ علناً عقب تشييع جنازة القائد العام، وبحضور رجال الجيش وأهل البلاد، و بإعدام كل من عبد القادر الغزي على الخازوق أيضاً، و محمد الغزي وعبد الله الغزي وأحمد الوالي بقطع الرأس، ثم توضع رؤوسهم فوق الرماح، وتحرق جثثهم بالنار، وأن يكون ذلك فوق تل العقارب أيضاً وأمام سليمان الحلبي قبل أن ينفذ فيه الحكم».
وفي اليوم التالي وبعد ان تأهب الفرنسيون لدفن قائدهم القتيل، وفي الساعة الحادية عشرة والنصف من ذاك اليوم أي في 28 يونيو 1800 نفذ حكم الصادر فيهم، و بعدها نقل عظام الجنرال كليبر في صندوق ورأس سليمان الحلبي في صندوق آخر إلى باريس ليعرضوها في أشهر متاحف باريس .
وتستذكرنا المؤلفة التي سمت سليمان الحلبي بشهيد العصر وأول منتقم للعرب من العدوان الغربي الحديث بان مصر أطلقت اسمه على عدد من الشوارع في القاهرة وفي مدن وقرى مصرية أخرى،، وكذلك مدينة حلب (مسقط رأسه) حيث خلّدت اسمه فأطلقته على أحد أحيائها، كما أطلقت اسمه على مدرسة للتعليم الأساسي في ذاك الحي وعلى روضة للأطفال.
وفي سياق آخر تستعرض المؤلفة الروايات التي دارت حول سليمان الحلبي وتشكك بتلك الروايات التي حاولت تجريد اسم سليمان الحلبي من شرف الاستشهاد في سبيل حرية مصر وأبنائها، تبقى روايات سعى أصحابها إلى نفي صفة البطولة عن هذا المناضل القومي لأسباب عديدة قد نعرف بعضها، وبرأي المؤلفة بان سليمان الحلبي ظلم على المستويين الرسمي والتاريخي، إذ لم ينصفه من كتب تاريخ تلك الحقبة من الزمن .
وتنتقل المؤلفة الى فكرة الحملة المطالبة باستعادة جمجمة سليمان الحلبي التي انطلقت من دمشق لتنتقل فيما بعد إلى حلب، ولتستمر بجمع التواقيع، وما زالت الحملة سائرة في طريقتها، لترسل فيما بعد التواقيع كافة إلى الرئيس الفرنسي.
ومن بعد ذلك تنتقل المؤلفة لتستعرض لنا أهم ما جاء من مقالات (عن سليمان الحلبي وعن الحملة) في وسائل الإعلام المحلية والعربية مثل:صحيفة الثورة، مجلة المحروسة التي تصدرها جمعية الصداقة المصرية الكندية في مونتريال ـ كندا، وموقع سيريانيوز، صحيفة الجماهير الحلبية.
وصحيفة البعث، ومجلة الدفاع وهي مجلة القوات العربية السعودية المسلحة، وموقع المقريزي الإلكتروني، و«الموسوعة العربية العالمية» والموسوعة الذهبية» و«موسوعة (معالم وأعلام) لأحمد قدامة» ومسرحية بعنوان (سليمان الحلبي) للكاتب المصري الشهير الفرد فرج التي طبعت للمرة الأولى في العام 1965 في القاهرة، وللمرة الثانية في العام 1969.
وما كتبه الدكتور محبك في كتابه (المسرحية التاريخية في المسرح العربي المعاصر) وقصة الكاتب الكبير زكريا تامر الذي يصف فيها اللقاء الوهمي بين سليمان الحلبي وبين الجنرال كليبر، ثم تنتقل لتتحدث بيانكا ماضية (مؤلفة الكتاب) عن رحلتها الشاقة إلى باريس.
والبحث عن «جمجمة» سليمان الحلبي في متحف «الأنفاليد» ـ مكان وجود ضريح نابليون بونابرت وضريح كليبر ـ ومتحف (الإنسان)، والمتحف «الجنائي»، ومتحف «التاريخ الطبيعي»، ومتحف الإنسان في قصر شايّو بباريس .
فاروق حجي مصطفى
*الكتاب:سليمان الحلبي : (أول منتقم للعرب من العدوان الغربي الحديث)
*الناشر:دار الشرق الجديد دمشق2007
*الصفحات: 119 من القطع المتوسط