لم يعرف العرب مصطلح العلمانية إلا من مدة قريبة، عندما طفت على السطح إشكالية التعايش الطائفي والعرقي داخل الدولة الواحدة، وتم استيراد المصطلح ليطبق على حالة استثنائية لترتيب العلاقة دينياً وعرقياً وحضارياً.

ويذهب تفسير قصير النظر إلى اعتبار العلمانية (كفراً) أو(إلحاداً)، وهو ما يحدث عادة مع بروز مستجدات فكرية أو نظرية في العالم تصل إلى تصنيف المصطلحات ـ بمعزل عن معناها ـ في خانة سلبية لأن الإنسان عدو ما يجهل، وهو ما حدث مع مصطلحات الاشتراكية، الماركسية، الوجودية، العولمة، وأخيراً العلمانية.

وكل مصطلح جاء من الغرب يمثل إشكالية للمنطقة العربية والاسلامية، لأنه خارج منظومة الفهم البسيطة لعقل المنطقة غير المبني فلسفياً، والذي لا يخضع للمحاكمة أو الاستنطاق، والمدة التي يحتاجها أي مجتمع لفهم النظريات المستوردة أطول من المدة التي يحتاجها لنظريات مسلم بها.

وهو ما يفسر أن مصادر التشريع يجب ألا تتعدى القرآن والسنة في المنطقة الإسلامية بينما تتنوع أكثر لدى أوروبا أو أميركا، وهما منطقتان تتبعان نهجاً علمانياً مختلفاً في محتواه عن بعضهما البعض، حيث طوائف أوروبا كانت بحاجة إلى نظرية تعايش تختلف عما تحتاجه أعراق أميركا.

لقد تراجعت فكرة العلمانية عما كانت عليه قبل نصف قرن مثلاً، وتقدمت فكرة الأفضلية حيث تتصارع الطوائف والأعراق وتختفي فكرة التقبل أو العيش المشترك، ولقد حدث في لبنان خلال الحرب الأهلية أن تراجعت فكرة العيش المشترك وتحولت أحياء متعددة الأعراق ومختلفة الديانات من وحدة مشهودة للعيش السلمي الآمن.

إلى أحياء تخص طائفة معينة لا يستطيع المرء من طائفة أخرى العيش فيها بسلام، وهذا ما يجري في العراق حالياً، بل تجاوز الأمر مفهوم العيش المشترك إلى مطالبة فئة إسلامية مسلحة مسيحيي العراق بدفع الجزية أو بترك بيوتهم وممتلكاتهم ومغادرة المنطقة، أو بتقديم إحدى بناتهم لتزويجها إلى أحد الجاهدين!

يحدث هذا في بلد ديمقراطي حسب الطريقة الأميركية ولكنه لا يحدث في بلد ديكتاتوري حسب الطريقة المألوفة في المنطقة! ومؤخراً نادى المفكر جورج طرابيشي في محاضرة له بدمشق إلى ضرورة إدخال مفهوم التربية العلمانية إلى المدارس الابتدائية وبضرورة ترجمتها إلى مادة دستورية مع تعديل القوانين المتعارضة مع المبدأ العلماني.

وهو ما يدفع مجدداً إلى القول بضرورة تفحص المدرسة وما يتعلمه الصغار في مؤسساتنا التعليمية، وعندها يمكن لنا ألا نسأل شخصاً يعيش في الجوار عن دينه أو طائفته أو عرقه، وأن نتقبل فكرة التعايش السلمي الآمن دون تهديد أو خوف.

hussain@albayan.ae