مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور جوزيف ي. ستيغليتز أحد كبار أساتذة الجامعة الأميركية. كما أنه يعتبر اليوم الاختصاصي الأول بشؤون العولمة الاقتصادية على الصعيد الدولي. وقد نال جائزة نوبل عام 2001 تقديرا لأعماله الكبرى في مجال العلوم الاقتصادية. كما وأصبح مستشارا للشؤون الاقتصادية في البيت الأبيض في ظل الرئيس بيل كلينتون. وأصبح أيضاً نائبا لرئيس البنك الدولي بين عامي 1997 ـ 2000.
ومن أشهر كتبه السابقة نذكر كتابا بعنوان «الخيبة الكبرى» 2002 ، وكتابا آخر بعنوان «عندما تفقد الرأسمالية صوابها» 2003 . وبالتالي فالرجل ينتقد العولمة الرأسمالية المتوحشة ويدعو إلى عولمة إنسانية تهتم بالضعفاء والدول الفقيرة.
ولهذا السبب فلا يمكن أن يكون صديقا للجمهوري جورج بوش وإنما فقط للرئيس الديمقراطي ذي التوجهات الإنسانية المنفتحة، بيل كلنتون. وهذا يعني أن الناس في أميركا ليسوا كلهم صقورا كاسرة أو محافظين جددا أو متطرفين ومتعصبين على غرار الإدارة الأميركية الحالية.
يتألف هذا الكتاب الضخم من عدة فصول مع مقدمة استهلالية مطولة تحت عنوان: كيف ننقذ العولمة من أتباعها. والمقصود بالطبع أتباعها الرأسماليين الجشعين الذين لا يشبعون من المال. وأما الفصل الأول فيحاول أن يعطي الجماهير المسحوقة بعض الأمل إذ يقول: نعم، هناك عالم آخر ممكن غير هذا العالم الذي نعيش فيه، أي عالم الغاب والذئاب. ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن العلاقة بين العولمة والفقر.
وهنا يقول بما معناه: أن أعداء العولمة يبررون عداءهم لها عن طريق القول بأن الفقراء يتزايدون في ظلها ولا ينقصون. ولكن ما معنى الفقر؟ بحسب معايير البنك الدولي فإن الإنسان يصبح فقيرا إذا كان يعيش على أقل من دولارين في اليوم. ويصبح فقيرا مدقعا، أي على حافة الجوع، إذا كان يعيش بأقل من دولار في اليوم.
ثم يردف البروفيسور جوزيف ستيغليتز قائلا: إذا ما طبقنا هذه المعايير على عالم اليوم وجدنا أن 40 بالمائة من سكان الكرة الأرضية حاليا هم فقراء: أي يعيشون على أقل من دولارين في اليوم. وقد تزايد عددهم في ظل العولمة، أي منذ عام 1980، بنسبة 36 بالمائة.
وبما أن عدد سكان العالم يبلغ ستة مليارات ونصف شخص، فهذا يعني أنه يوجد أكثر من مليارين من الفقراء! ويوجد أيضاً مئات الملايين من الفقراء المدقعين: أي الذين يقفون على حافة الجوع والموت. وحدها الصين استفادت من العولمة وأنقذت مئات الملايين من سكانها من الجوع.
لقد عرفت كيف تستغل العولمة لصالحها وتحقق نموا اقتصاديا مطردا بنسبة 8 بالمائة على الأقل. وكذلك فعلت الهند وبعض الدول الأخرى وإن بنجاح أقل. أما إفريقيا السوداء فكانت أقل منطقة في العالم استفادة من العولمة، على العكس لقد أنهكتها عولمة الاقتصاد وزادت عدد الفقراء والجوعى فيها.
فبين عام 1980 وعام 2001 أي خلال عشرين سنة زاد عدد الفقراء المدقعين جدا وانتقل من 164 مليون إلى 316 مليون نسمة. ثم يضيف المؤلف قائلا: والواقع أن إفريقيا السوداء كانت المنطقة الأكثر تعرضا للاستغلال من قبل العولمة. ففي عصر الاستعمار، أي طيلة القرن التاسع عشر وحتى منتصف العشرين، نهب المستعمرون خيراتها وثرواتها الطبيعية دون أن يقدموا لها شيئا بالمقابل. وهنا تبدو مسؤولية الغرب الرأسمالي الكولونيالي واضحة لا لبس فيها ولا غموض.
وفي السنوات الأخيرة فتحت أميركا اللاتينية وروسيا صدرها للعولمة ورساميلها. ولكن النتيجة كانت مخيبة للآمال. فالعولمة لم تقدم لهما شيئا يذكر، على العكس لقد زادت عدد الفقراء فيهما بل وأفقر تهم أكثر. وكل ذلك يعود إلى سوء الحكم أو فساده في هذه الدول من جهة، وإلى جشع الرأسماليين الذين يقودون العولمة ويتحكمون بها من جهة أخرى.
نضرب على ذلك المثل التالي: عقد عام 2002 مؤتمر دولي للتمويل والتنمية في المكسيك. وقد حضره ما لا يقل عن خمسين رئيس دولة ومائتي وزير. وتعهدت فيه الدول الصناعية الكبرى المتقدمة بأن تزيد مساعداتها للدول الفقيرة حتى تصل إلى نسبة 7,0 بالمائة من مدخولها العالم، وهي نسبة هزيلة في الواقع، ولكن لا بأس لها نظرا للغنى الفاحش لهذه الدول.
ولكن أيا من هذه الدول لم تف بوعودها! وأما الولايات المتحدة التي هي أغنى دولة في العالم، فكانت أقل وفاء من غيرها. فكيف يمكن إذن للدول الفقيرة أن تنظر إلى العولمة نظرة إيجابية؟ كيف يمكن لها أن تثق بها؟ وبالتالي فالوجه الإنساني للعولمة غير موجود حتى الآن. الوجه الأناني المستغل هو وحده السائد. والدليل على ذلك أن شركات الدول الكبرى تتكالب على بلدان العالم الثالث لنهب خيراته أكثر فأكثر.
ثم يردف المؤلف قائلا: بعد أن تركت البنك الدولي ألفت كتابي: الخيبة الكبرى. ومعلوم أني كنت نائبا للرئيس فيه والخبير الاقتصادي الأول. وقد لخصت في هذا الكتاب ما رأيته في البنك الدولي. كما ولخصت فيه زبدة تجربتي في البيت الأبيض بصفتي رئيسا لمجلس الخبراء الاقتصاديين لدى بيل كلينتون.
وكانت فترة عصيبة في الواقع. فالأزمة المالية الآسيوية التي حصلت عامي 1997 ـ 1998 أوقعت في الهاوية بعضا من أشهر الدول النامية: أي تلك التي يدعونها بالنمور الآسيوية والتي استطاعت خلال فترة قصيرة أن تلحق تقريبا بركب الدول الرأسمالية المتقدمة.
وأما في دول الاتحاد السوفييتي السابق فقد كانت عملية الانتقال من الشيوعية إلى الرأسمالية صعبة ومؤلمة. وقد أدت إلى عكس النتيجة المتوخاة منها. فبدلا من أن تحسن الأوضاع المعيشية للسكان زادت فقرهم بنسبة خمسين أو حتى سبعين بالمائة!
وهكذا راح بعضهم يتأسف على الشيوعية! لا ريب في أن البلدان النامية أو الفقيرة لا تفعل كل شيء لتحسين أوضاعها وأوضاع سكانها. ولا ريب في أنها تعاني من الرشوى والفساد وسوء الحكم والإدارة. ولكن المسؤولية لا تقع كلها عليها.
فبعد أن أمضيت سنوات طويلة في العمل كخبير اقتصادي توصلت إلى النتيجة التالية وهي أن البلدان الصناعية الغنية التي تتحكم بالعولمة وتحركها لا تفعل كل ما تستطيع من أجل مساعدة دول الجنوب الفقيرة. هذه حقيقة بدهية لا تقبل النقاش. ما هي المؤسسات التي تدير العولمة حاليا؟
إنها صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، والشركات الكبرى المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات. وماذا تفعل بالضبط؟ الدفاع عن مصالح الأقوياء أولا: أي الولايات المتحدة والعالم والغربي واليابان. وأما فيما يخص بقية العالم فإنها لا تفعل شيئا يذكر لمساعدته. على العكس فإنها تجعل حياته أكثر صعوبة.
فمخططات صندوق النقد الدولي هي التي أدت إلى أزمة النمور الآسيوية في عام 1997ـ 1998. وهي التي حطمت اقتصادات دول الاتحاد السوفييتي سابقا وفي طليعتها روسيا. وهي التي دمرت إفريقيا وبعض بلدان العالم العربي والإسلامي وأميركا اللاتينية، الخ.
*الكتاب: كيف نجعل العولمة فعالة ومفيدة
*الناشر:نورتون وشركاؤه - نيويورك 2006
*الصفحات :384 صفحة من القطع الكبير
Making globalization work
W. W. Norton and company New York 2006
P.384