مؤلف كتاب «جمهرة النسب» هو «هشام بن محمد بن السائب بن بشر الكلبي» المعروف بابن الكلبي، عالم النسب وأخبار العرب وأيامها ومثالبها ووقائعها، والذي قدم لنا في النسب وأخبار العرب عشرات الكتب حتى وصلت تصانيفه إلى ما يزيد على مائة وخمسين تصنيفاً.
ولعل كتابه هذا «جمهرة النسب» يعد من أحسن كتبه، ولم يصنف في بابه مثله، وقد توفي سنة 204 هجرية وتنبع أهمية هذا الكتاب من أنه قد حوى ما جاء لدى علماء النسب قبله، وهو مثل غيره من الكتب العظيمة، دوِّن في بداية عصر التدوين، مع تأسيس الخلافة العباسية، فكان الينبوع الذي نهل منه «البلاذري» كثيراً في كتابه «أنساب الأشراف».
والمستعرض لتاريخ العرب منذ أقدم العصور في شبه الجزيرة والأطراف يلاحظ أن قوام الحياة هو النظام القبلي، وكانت هي وحدة اجتماعية ودينية وسياسية واقتصادية، أشبه بأمة صغيرة متضامنة، تدار إدارة داخلية معينة، وترتبط بغيرها بروابط خاصة عامة، وتؤمن بالمسؤولية المشتركة.
وقد جرت قبل الإسلام محاولات كثيرة لتجاوز النظام القبلي، فأخفقت بالجملة، وكانت كل ما وصلت إليه هو عقد بعض الأحلاف الكبيرة والالتقاء على الاعتراف ببعض المقدسات ( الكعبة )، وعندما قام الإسلام استفاد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في «مكة»، من العصبة القبلية، حين تمتع بالحماية من عمّه وعشيرته له، وحين تمكّن من تمزيق الحلف العشائري لبني أمية، وعدي، ومخزوم، حين كسب «عمر بن الخطاب» إلى جانب الإسلام.
وبعد الهجرة أدرك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن مما ساعده عليها الصراع القبلي بين الأوس والخزرج، وأن بقاء هذا الصراع يهدد الدعوة الإسلامية، ولا سيما بعد هجرة المكيين. ولهذا أقدم صحيفة المدينة الأولى، على إلغاء النظام القبلي، فأحلّ المؤاخاة العقائدية محل الانتماء القبلي، والأمة الإسلامية الناشئة محل الأوس والخزرج والقرشيين.
وما أن توفي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى ظهرت سلبيات النظام القبلي من جديد، فحدثت الردّة، وتمردت القبائل على السلطة المركزية وأعادت استقلالها الذاتي في ظل نمط جديد من الزعامة، وهو نمط النبوة.
وعلى الرغم من قيام الفتوحات الكبرى، وانتشار القبائل العربية في الأقاليم، ظلّ النظام القبلي هو المعتمد، وبدلاً من ذوبان القبائل العربية في نظم مجتمعات البلدان المفتوحة، نجد أن ما حدث هو العكس، حيث تبنّت الشعوب المفتوحة النظم القبلية عن طريق الولاء.
لقد كان للنظم القبلية دورها المميز في العصر الأموي، حتى أن العديد من كبار المؤرخين عللوا تاريخ هذه الخلافة على أساس ما عرف باسم العصبية القبلية، وباتت عمليات دراسات الحزبية القبلية، الطريق الموصل نحو الحزبية السياسية، وبالتالي العقائدية والحزبية والاقتصادية.
ولا شك أن القبائل العربية تأثرت بعض التأثر بقيام حركة الفتوحات، وتبدلت بنيتها، واندمج بعضها داخل بعض، لكنها لم تتخل عن النظام القبلي، هذا النظام الذي مازال قائماً حتى أيامنا هذه. وله مؤثراته التي لا يمكن تجاهلها. لقد اهتمت القبائل العربية قديماً اهتماماً كبيراً بحفظ المعلومات حول أفرادها فغدت أشبه بتاريخ ذاتي للقبيلة، وتنوقلت هذه المعلومات حتى قام الإسلام.
ولعل جميع المعلومات عن أفراد القبيلة، التي نودعها في أيامنا في سجلات الإحصاء، دعاها العرب الأوائل باسم الأنساب، وظهر بين صفوف العرب في الإسلام وعدد من النسابين، نالوا عظم الشهرة، ولكن محمد بن السائب الكلبي وابنه هشام بن محمد، مؤلف كتابنا هذا، نالا من الشهرة ما اتسم بسمة الخلود.
يبدأ الكتاب في النسب إلى معد بن عدنان، ثم من جاء بعده إلى أن يصل الرسول الكريم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث يقول: فولد عبد الله بن عبد المطلب سيد ولد آدم محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وأمها برّة بنت عبد العُزّى بن عثمان بن عبد الدار، وأمها أم حبيب بنت أسد بن عبد العُزى، وأمها برة بنت عوف بن عبيد بن عوبج بن عدي بن كعب، وأمها قلاّبة بنت الحارث من هذيل بن مدركة.
وأمها آمنة بنت غنيم بن مالك بن نحيان من هذيل، وأم أبي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاطمة بنت عمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وأمها تخمر بنت عبد بن قصي بن كلاب وأمها سلمى بنت عامر بن عميدة بن وديعة بن الحارث بن فهد، وأم وهب جد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قيلة بنت أبي قيلة وهو وجز بن غالب بن الحارث.. وهكذا يقدم لنا «ابن الكلبي» سيرة مفصلة عن كل شخصية إسلامية وقبلية.