مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الإنجليزي بول أربلاستير. وكان قد نال شهاداته العليا من جامعة اوكسفورد عام 2000. وهو هنا يقدم صورة تاريخية عامة عن أحد أعرق البلدان الأوروبية: هولندا. ومعلوم أنه يدعى بالبلاد الواطئة لأنه أحد البلدان القليلة في العالم التي تقع تحت مستوى خط البحر.
ومنذ البداية يقول المؤلف بما معناه: إن هولندا بلد أوروبي يحده من الشمال والغرب بحر الشمال، ومن الجنوب بلجيكا، ومن الشرق ألمانيا. وتبلغ مساحة هولندا واحدا وأربعين ألف كيلومتر مربع ونصف: أي أكثر من مساحة لبنان بأربع مرات. والبلد بارد شتاء ورطب أو طري صيفا. وهو من أكثر بلدان العالم كثافة سكانية. ويبلغ عدد سكانه أكثر من خمسة عشر مليون نسمة.
وتنقسم هولندا إلى قسمين: هولندا الشمالية وهولندا الجنوبية. وعاصمتها هي أمستردام المشهورة بقنواتها المائية ومتاحفها وجمالها. ولكن العاصمة الإدارية هي لاهاي حيث يوجد مقر الحكومة وقصر الملكة ومعظم السفارات الأجنبية.
ثم يردف المؤلف قائلا: وينبغي العلم بأن هولندا هي مركز العديد من المنظمات الدولية المهمة وفي طليعتها محكمة العدل الدولية، ومحكمة الجزاء الدولية. وهولندا عضو في حلف الأطلسي وكذلك عضو مؤسس في الاتحاد الأوروبي.
والواقع أن هولندا هي نظام ملكي دستوري منذ عام 1815. ومنذ عام 1980 تقف الملكة بياتريس على رأس البلاد. والملكة هي التي تعين أعضاء الحكومة، ولكن هذا التعيين نظري في الواقع. فمن الناحية العلمية تكتفي باستخلاص النتائج من الانتخابات البرلمانية. فإذا فاز الاشتراكيون عيّنت منهم رئيس الحكومة والوزراء، وإذا فازت أحزاب اليمين فعلت الشيء نفسه. وبالتالي فالشعب هو الذي يقرر في الواقع وليس الملكة. الملكة هي رمز أعلى للبلاد وكفى.
والانتخابات تحصل هناك مرة واحدة كل أربع سنوات. ومن النادر أن يفوز حزب واحد فيها. ولذلك يحصل تحالف بين عدة أحزاب وتعطى رئاسة الوزراء للحزب الذي نال أكبر عدد من الأصوات والمقاعد النيابية. وعموما كانت هولندا من أكثر بلدان أوروبا ليبرالية وتسامحا مع الأجانب. بل إن تاريخها في التسامح يعود إلى القرن السابع عشر عندما كانت فرنسا متعصبة وكذلك معظم بلدان أوروبا ما عدا انجلترا.
وكان المفكرون المضطهدون يلجأون إليها كي يفكروا أو يكتبوا بحرية. هذا ما حصل لديكارت مثلا. فقد أمضى معظم حياته في تلك البلاد المتسامحة. هذا وقد أنجبت هولندا مفكرين عديدين على مدار التاريخ نذكر من بينهم: ايراسموس أمير عصر النهضة الأوروبية كلها. ونذكر أيضا الفيلسوف الكبير سبينوزا.
ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن هولندا أصبحت أقل تسامحا في السنوات الأخيرة بسبب بعض الأحداث الفاجعة التي حصلت هناك كاغتيال زعيم اليمين المتطرف واغتيال المخرج السينمائي ثيو فان غوخ على يد أصولي مغربي، بالإضافة إلى بعض الحوادث الأخرى.
قبل ذلك كانت هولندا من أفضل بلدان أوروبا بالنسبة للأجانب. وكانت تعطيهم كل المعونات والحقوق الاجتماعية بسخاء. نقول ذلك وبخاصة أن البلد غني جدا. فمتوسط دخل الفرد فيه أكبر منه في انجلترا أو فرنسا. وأما أشهر الأحزاب السياسية فهي التالية:
1 ـ الحزب الديمقراطي المسيحي الذي يمتلك واحدا وأربعين مقعدا في البرلمان حاليا. ورئيس الحكومة الحالي ينتمي إلى هذا الحزب.
2 ـ الحزب الاشتراكي الديمقراطي ويمتلك اثنين وثلاثين مقعدا في البرلمان.
3 ـ الحزب الاشتراكي الذي يقع على يسار الحزب السابق وله خمسة وعشرون نائبا في البرلمان الحالي.
4 ـ الحزب الشعبي من أجل الحرية والديمقراطية (22 نائبا في البرلمان).
5 ـ حزب الحرية، وهو منشق عن السابق وله تسعة نواب في البرلمان.
6 ـ حزب البيئة أو الخضر (سبعة نواب).
7 ـ حزب المتزمتين المسيحيين الذين يعتقدون بأنه لا يحق للمرأة أن تكون عضوا في مجلس النواب! وهو حزب أصولي محافظ وثيوقراطي، ولكنه يشكل أقلية قليلة وله نائبان فقط في البرلمان.
ثم هناك أحزاب اليمين المتطرف أيضا. ويردف المؤلف قائلا: أما من حيث الطبيعة فهولندا من أجمل بلدان العالم، وهي مشهورة بحقول الورود أو الزنابق المنتشرة على مدّ النظر والتي يمكنك أن تستمتع بمرآها من نافذة القطار. إنها بلاد زراعية خضراء وليس فقط صناعية متقدمة.
وفي الحقول المخضرة ترى البقرات الهولندية الشهيرة وهي ترعى وضروعها مليئة بالحليب والخيرات. وبالتالي فغنى البلاد يعود إلى الزراعة والصناعة في آن معا. وأهم الصناعات في البلاد هي تلك الخاصة بالتغذية الزراعية، والكيمياء، ومصافي البترول، والآلات الكهربائية، وعلم السدود. فبما أن البلاد تقع تحت مستوى خط البحر فإنها أصبحت عبقرية في طريقة إنشاء السدود الضخمة لحماية نفسها من طغيان المياه أو الغرق فيها.
وبالطبع فإن هولندا مشهورة بالمشتقات الحيوانية كالحليب والألبان والأجبان. ومن هذه الناحية فإنها لا تحسد فرنسا على شيء. وبالتالي فهي بلد الوفرة والخيرات بامتياز. ثم يردف المؤلف قائلا: وأما المدن الأساسية في البلاد فهي: أمستردام، لاهاي، روتردام، اوتريخت، ماستريخت، مهايدين حيث يوجد مركز استشراقي كبير مختص بالدراسات العربية والإسلامية.
ومن هناك تصدر الموسوعات الكبرى كالموسوعة الإسلامية، والموسوعة القرآنية التي صدرت مؤخرا. وبالتالي فإن هولندا لعبت دورا كبيرا في الدراسة العلمية والتاريخية للتراث العربي الإسلامي ولا تزال تلعب حتى الآن. ونظرا لجمال مدنها وامتلائها بالمتاحف والآثار وجو الحرية والتسامح السائد فيها فإن الأجانب يحبون زيارة هولندا بكثرة.
وتعتبر أمستردام أكبر مدينة في البلاد لأنها تضم ما لا يقل عن مليونين ونصف المليون نسمة. ومن أشهر المتاحف هناك متحف فان غوخ نسبة إلى الرسام الكبير الذي ولد هناك. وربما كان أعظم فنان أنجبته هولندا على مدار تاريخها كله.
وأما مدينة روتردام فهي ثاني مدن البلاد من حيث الحجم وأكبر ميناء لها على البحر. ويتجاوز عدد سكانها مع ضواحيها المليون نسمة. وهي تشكل القلب الصناعي النابض للبلاد. فهي ليست فقط ميناء لهولندا وإنما لألمانيا أيضا، أي لأكثر المناطق الصناعية ديناميكية في كل أنحاء أوروبا.
ويبلغ طول مينائها حوالي ثلاثين كيلومترا، وهو من أنشط وأعظم الموانئ في العالم. فهو قادر على استقبال أضخم السفن البترولية وغير البترولية، وتجهيزاته حديثة جدا ومتقدمة، ولهذا السبب يعتبر أول ميناء على مستوى العالم كله. وأما ثالث مدينة في البلاد فهي العاصمة الإدارية والسياسية، أي لاهاي. فعدد سكانها مع الضواحي يتجاوز نصف مليون نسمة.
وأما فعالياتها الاقتصادية فتتمحور عموما حول الوظائف الرسمية لأن لاهاي تحتوي على أكبر عدد من الموظفين. ولا غرابة في ذلك ففيها توجد معظم الوزارات والسفارات والمنظمات الدولية الكبرى. ولكن توجد فيها أيضا مراكز للشركات الصناعية الكبرى، هذا دون أن ننسى قصر الملكة بياتريس. وبالتالي فلا أحد يستطيع أن يستهين بأهمية لاهاي.
وتأتي بعدها في المرتبة الرابعة مدينة اوتريخت التي يقارب عدد سكانها ثلاثمئة ألف نسمة، وهي مدينة الجامعات والطلبة. كما أنها مشهورة بمتاحفها ومواقعها السياحية.
*الكتاب: تاريخ البلاد المنخفضة هولندا
*الناشر: بالغريف ماكميلان - لندن 2006
*الصفحات:312 صفحة من القطع الكبير
A history of the low countries
Palgrave MacMillan - London 2006
P. 312