مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي والباحث روبرت بيتمان المختص بشؤون الدنمارك والبلدان الاسكندنافية عموماً. وهو يقدم في هذا الكتاب لمحة تاريخية عامة عن هذا البلد الصغير الذي شغل وسائل الإعلام مؤخراً بسبب الصور الكاريكاتيرية البشعة التي تراجع عنها وانتهت وأصبحت في ذمة الماضي.
في الواقع أن مملكة الدنمارك هي أحد بلدان أوروبا الشمالية وأصغر بلد اسكندنافي، أي أصغر من السويد والنرويج وفنلندا. كما أنها عضو في الاتحاد الأوروبي منذ عام 1973 وذلك على عكس النرويج التي رفضت الانضمام حتى الآن.
ثم يضيف المؤلف قائلاً: ولكن على الرغم من صغر هذا البلد إلا أنه مارس دوراً كبيراً في الماضي. فمملكة الدنمارك سيطرت في بعض الفترات على بلدان أكبر منها كانجلترا، والسويد، والنرويج، وبحر البلطيق، وبعض المناطق الألمانية. وكان ذلك إبان العصور الوسطى.
ثم تشكلت الحركة القومية والليبرالية الدنماركية في القرن التاسع عشر وأدت إلى إسقاط النظام الإقطاعي وحلول النظام الإقطاعي وحلول النظام الملكي الدستوري الحديث محله. وكان ذلك على أثر الثروات الأوروبية التي حصلت عام 1848 والتي دعت إلى تحرير الشعوب من نير الاستبداد والطغيان في كل أنحاء القارة الأوروبية.
والواقع أنه سبقتها الثورة الانجليزية عام 1688 والثورة الفرنسية عام 1789. بعدئذ دخلت بلدان أوروبا في الحداثة الواحدة بعد الأخرى. ثم بقيت الدنمارك حيادية أثناء الحرب العالمية الأولى كبقية الدول الاسكندنافية، ولكنها استعادت بعض أراضيها التي كانت قد اقتطعت منها من قبل ألمانيا والنمسا.
وقد انتقمت منها ألمانيا الهتلرية عام 1940 عندما غزتها بجيوشها. وقد عرضت عليها نظام الحماية ولكنها رفضت ذلك رفضا قاطعا. وعندئذ قام هتلر باحتلالها عسكريا طيلة الحرب العالمية الثانية. وقد حصل ذلك على الرغم من المقاومة الشرسة للشعب الدنماركي.
وقد تخلت الدنمارك عن نزعتها الحيادية بعد انتهاد الحرب العالمية الثانية وراحت تنضم إلى حلف الأطلسي. وهكذا أصبحت في أمان من غزو جديد، فقد شعرت بأنها ليست قادرة وحدها للدفاع عن نفسها وبالتالي فلا بد من الانضمام إلى حلف قوي لكي يحميها في حالة الخطر.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وأما من الناحية الجغرافية فإن الدنمارك تبدو وكأنها شبه جزيرة. فهي محاطة ببحر البلطيق وبحر الشمال شمالاً. أو قل إنها مشكلة من قطعتين جغرافيتين متمايزتين. الأولى هي شبه جزيرة وتدعى جوتلاند. والثانية هي أرخبيل من الجزر المتموضعة أساسا في بحر البلطيق، والحدود الأرضية الوحيدة التي تمتلكها هي مع ألمانيا.
وأقرب الدول إليها هي ألمانيا والنرويج، وعاصمتها هي كوبنهاغن. وأما مساحتها فتبلغ ثلاثة وأربعين ألف كيلومتر مربع: أي أربع مرات مساحة لبنان. وعدد سكانها بحسب إحصائيات 2007 يبلغ حوالي الخمسة ملايين ونصف المليون.
وأما مستوى الحياة فيها فهو مرتفع بالطبع بل إنه من أكثر المعدلات ارتفاعاً في العام. فالدخل المتوسط للفرد يتجاوز الاثنين وثلاثين ألف دولار سنويا، أي بمعدل ألفين وخمسمئة دولار شهريا أو أكثر. بالمقارنة مع فرنسا مثلا نلاحظ أن دخل الفرد هنا لا يتجاوز الأربعة وعشرين ألف دولار.
وبالتالي فالدنمارك بلد غني يعيش فيه الفرد بشكل مرفه ويتمتع بكافة الخدمات الصحية والاجتماعية والإنسانية. والواقع أن البلدان الاسكندنافية أصبحت نموذجا لكل أوروبا من حيث نزاهة الحكم وشفافيته وعدم فساد طبقته السياسية.
ولهذا السبب فإن القادة الفرنسيين ذوي التوجه الاشتراكي يطمحون إلى أن يجعلوا من بلدهم بلدا متطورا وديمقراطيا على غرار هذه البلدان الشمالية الأوروبية. فهناك لا همّ للوزير إلا خدمة الشعب وليس خدمة مصالحه الخاصة كما يحصل في فرنسا أحيانا.
ومن الناحية السياسية يمكن القول بأن الدنمارك أصبحت بلدا ملكيا دستوريا بدءًا من عام 1849، أي منذ منتصف القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من أن الملك هو رئيس الدولة بحسب نص الدستور إلا أن يملك ولا يحكم. فوظيفته تظل رمزية، وملكة الدنمارك الحالية هي مرغريت الثانية التي تحظى بشعبية واسعة في بلادها.
ثم يردف المؤلف قائلا: وبالتالي فالحكم هناك هو من شأن رئيس الوزارة والوزراء. وأما السلطة التشريعية فهي من اختصاص البرلمان الذي يضم مئة وتسعة وسبعين نائباً. ويمارس النظام الدنماركي مبدأ الفصل بين السلطات طبقا لنظرية مونتسكيو. فهناك السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية، ولا ينبغي الخلط بينهما.
وينبغي بشكل خاص حماية السلطة القضائية من تدخلات السلطة التنفيذية وضغوطها. وهذا الشيء غير متوافر بشكل جيد حتى في بلد ديمقراطي كفرنسا. فشيراك كان يتدخل في السلطة القضائية لحماية نفسه من الملاحقات.
وتحصل الانتخابات النيابية في الدنمارك مرة واحدة كل أربع سنوات. ولكن يحق لرئيس الوزراء أن يدعو الشعب إلى انتخابات عامة قبل ذلك التاريخ إذا أراد. وهذا ما يحصل غالباً عندما تنشب مشاكل مهمة تحتاج إلى حسم من قبل الشعب ككل.
وكل حزب يحصل على نسبة 2 بالمئة على الأقل من عدد الأصوات يحق له أن يكون ممثّلا في البرلمان. وهذا أكبر دليل على مدى ديمقراطية النظام هناك. فهو أكثر ديمقراطية من فرنسا. لماذا؟ لأن حزب الجبهة القومية لجان ماري لوبان لا يملك أي نائب في البرلمان الفرنسي على الرغم من أنه يحصل أحيانا على 14 أو 15 بالمئة من عدد الأصوات.
ولكن بما أنه يمين متطرف فإنهم يحرمونه من حق التمثيل في البرلمان. وهذا خطأ لأن الديمقراطية ينبغي أن تطبق على جميع التيارات السياسية دون استثناء بشرط التزامها بالمبادئ الديمقراطية ورفض اللجوء إلى العنف كوسيلة للعمل السياسي.
ثم يردف المؤلف قائلا: إن الحياة السياسية الدنماركية تتمحور حول الأحزاب التالية:
1 ـ الحزب اللبرالي الذي حصل في الانتخابات الأخيرة على 29 بالمئة من عدد الأصوات، وبالتالي فرئيس الوزراء منه.
2 ـ الحزب الاشتراكي الديمقراطي 26 بالمئة تقريبا من عدد الأصوات.
3 ـ حزب الشعب الدنماركي، أي حزب اليمين المتطرف في الواقع. وقد نال في الانتخابات الأخيرة أكثر من 13 بالمائة من عدد أصوات الشعب، ولذلك فله نواب عديدون في البرلمان على عكس نظيره جان مارلي لوبان في فرنسا حيث لا يمتلك أي نائب في البرلمان الفرنسي كما قلنا.
4 ـ حزب المحافظين، وتبلغ نسبة الأصوات التي حصل عليها عشرة بالمئة على الأقل.
5 ـ الحزب الراديكالي، أو حزب الوسط: 2,9 بالمائة.
6 ـ الحزب الاشتراكي، أو حزب اليسار المتطرف إذا جاز التعبير: 6 بالمئة.
ثم يردف المؤلف قائلا: وأما من الناحية الاقتصادية فإن الدنمارك بلد صناعي، رأسمالي، حديث. وعلى الرغم من أن البلد خال من البترول على عكس النرويج إلا أنه من أغنى بلدان العالم قياسا إلى حجمه وعدد سكانه. فمدخوله السنوي يتجاوز المئة واثنين وستين مليار دولار. هذا في حين أن مدخول مصر التي يتجاوز سكانها السبعين مليون نسمة لا يتجاوز الثمانية وتسعين مليار دولار إلا قليلا.
ويقال ان الدنمارك هي البلد الوحيد في العالم التي لا تعرف ماذا تصنع بفلوسها! فعندها فائض في الميزانية لا نقص على عكس معظم دول العالم. فمن أين جاءها كل هذا الغنى وهي البلد المحروم من البترول؟ من تصدير السلع والمنتوجات، ومن حسن التنظيم والعمل والإدارة.
فالدنمارك تصدر إلى الخارج وبكثرة الأسماك والقمح واللحوم. كما وتصدر مختلف أنواع السلع المصنعة. وقد اشتهرت الشركات الدنماركية بأنها من أكثر الشركات ديناميكية في العالم. واشتهرت صناعاتها بالجودة والإتقان. ولذلك فإن الناس يقبلون عليها كثيرا ويثقون بها.
وأما من الناحية الثقافية فقد اشتهرت الدنمارك بأنها أنجبت أكبر فيلسوف في كل أنحاء اسكندنافيا. إنه المفكر الوجودي الكبير سورين كيركيفارد. كما وأنجبت عالما ذريا وفيزيائيا كبيرا هو: نيلز بور، هذا بالإضافة إلى العديد من الكتاب والرسامين والمخرجين السينمائيين. وبالتالي فالدنمارك هي بلد الإبداع على كافة الأصعدة والمستويات. وأخيرا يمكن القول بأن إمكانياتها تبدو أكبر من حجمها السكاني بكثير. إنها إمكانيات بلد يحوي أربعين مليون نسمة وليس فقط خمسة ملايين نسمة.
*الكتاب: الدنمارك
*الناشر: بينشمارك بوكس - نيويورك 2006
*الصفحات:144 صفحة من القطع الكبير
Denmark
Benchmark Books- New York 2006
P.144