ساهم في تأليف هذا الكتاب ثلاثة باحثين أميركان مختصين في الشؤون الصينية هم: س. فريد بريجستين وبيتس جيل ونيكولاس ر. لاردي. والباحثون الثلاثة يشتغلون في أكبر مركز للبحوث السياسية والاستراتيجية الأميركية. وهو المركز المدعو باسم: مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
ومنذ البداية يقول المؤلفون بما معناه: لقد أدهشت الصين العالم بإقلاعها الاقتصادي المرموق بعد موت ماو تسي تونغ ودخولها في المرحلة الرأسمالية على يد دينغ هيسياوبنغ. ففي خلال أقل من عشرين سنة أصبحت الصين القوة الاقتصادية الرابعة في العالم بعد أن كانت بلدا متخلفا من بلدان العالم الثالث. وكل ذلك بفضل تغيير سياستها السابقة والدخول دون تردد في المرحلة الرأسمالية، على الأقل فيما يخص الحياة الاقتصادية.
وفي عام 2006 أصبح مدخولها الإجمالي الفني ستمئة وثمانية وثمانين مليار دولار، أي أكثر من مدخول فرنسا وانكلترا. وأما نموها الاقتصادي فهو الأعلى على مستوى العالم كله لأنه بلغ في ذات العام 10% أو أكثر قليلا. وهذا أكبر دليل على رغبة الصينيين في تحسين أوضاعهم الاقتصادية واللحاق بركب الأمم المتقدمة.
والواقع أن أكثر ما كان يزعج الصينيين هو نجاح اليابان في الإقلاع التكنولوجي والحضاري وفشلهم هم على مدار السنوات السابقة. فهم يعتبرون اليابان ذيلا لهم من الناحية التاريخية، بل إنها تابعة لهم ثقافيا ولغويا وحضاريا. فكيف حصل أن أصبح التابع في المقدمة وهم في المؤخرة؟ كيف يمكن للإنسان الياباني أن يسبق الإنسان الصيني؟
هذا هو التحدي الكبير الذي وجد القادة الصينيون أنفسهم في مواجهته وقد شعروا بالمهانة والذل لأن اليابان سبقتهم كثيرا في كافة المجالات من اقتصادية وصناعية وعمرانية وحضارية. ولهذا السبب قرروا الرد على تفوق اليابانيين الذي لا يحتمل بالنسبة لهم.
ولكنهم لم يستطيعوا تحقيق أي شيء ما داموا سجناء النظام الاقتصادي الشيوعي وخططه الخمسية الفاشلة. ولم يقلعوا اقتصاديا وتكنولوجيا إلا بعد أن تحرروا من هذا النظام ودخلوا في المرحلة الرأسمالية كما قلنا. ثم يردف المؤلفون قائلين: والواقع أن هذا التطور الاقتصادي المذهل والمسعور عائد إلى توظيف الرساميل الأجنبية الضخمة بشكل جيد وإلى الصادرات والسلع الصينية التي غزت أسواق العالم خلال سنوات معدودات.
ومعلوم أنها سلع رخيصة الثمن وبالتالي فهي قادرة على منافسة السلع الأوروبية والأميركية بسهولة. بل إن الشركات الغربية أصبحت تشتكي من منافسة الصين لها لأن سلعها أرخص بسبب انخفاض رواتب العمال في تلك البلاد. فمرتب العامل الصيني لا يتجاوز عشر مرتب العامل الأوروبي أو الأميركي وربما أقل.
وبما أن عدد الصينيين ضخم جدا، أي مليار وأربعمئة مليون شخص، فإنهم قادرون على إنتاج أضخم كمية ممكنة من السلع والمنتجات المصنعة. فعندهم جيش جرار من العمال والعاملات. يضاف إلى ذلك أن الإنسان الصيني معروف بالانضباط وحب العمل والتفاني فيه من الصباح إلى المساء.
ولذلك أصبح الغرب يخشى الصين، وأكثر ما يخشاه هو أن تغرق العالم بسلعها ومنتجاتها، وهذا ما هو حاصل اليوم. فكيف يمكن لبلد كفرنسا لا يزيد عدد سكانه عن ستين مليون نسمة أن يقف في مواجهة العملاق الصيني الذي يحاذي المليار ونصف المليار بشري تقريبا؟ بل حتى أوروبا تبدو عاجزة عن ذلك في المدى المنظور.
نقول ذلك على الرغم من أن مدخول أوروبا أكبر حاليا من مدخول الصين بكثير، ومستوى معيشة الفرد فيها أعلى بكثير أيضا. ولكن ماذا سيحصل بعد عشرين سنة إذا ما استمرت الصين على هذه الوتيرة المتسارعة من النمو الاقتصادي. والله أعلم. حتى الاتحاد الأوروبي قد يجد نفسه عاجزا عن مواجهتها اللهم إلا إذا اتحد بأميركا الشمالية أو ضم طاقاته إلى طاقاتها لمواجهة العملاق الصيني وإيقافه عند حده.
ثم يردف المؤلفون قائلين:
منذ عشر سنوات ومعدل النمو الاقتصادي في الصين هو من أرفع المعدلات في العالم إن لم يكن أرفعها. وهذا يعبر عن رغبة الشعب الصيني في الانتقام لكرامته الجريحة وتخلفه المهين بالقياس إلى الأمم الأخرى وبخاصة اليابان والولايات المتحدة وأوروبا.
فبعد اليوم لن تقبل الصين في أن تكون في المؤخرة وإنما ستكون في المقدمة. وربما ستصبح بعد ثلاثين سنة أكبر قوة عظمى في العالم إذا ما استمرت الأمور على هذا النمو. وهذا ما تخشاه الولايات المتحدة كل الخشية وقد ابتدأت تحضر نفسها منذ الآن لاحتواء القوة الصينية الصاعدة بشكل لا يقاوم. وكل الخبراء يقولون بأن المواجهة الكبرى ستحصل لا محالة بين هاتين القوتين الأعظم ولكن ليس فورا.
هذا وقد أصبحت الصين عضوا في منظمة التجارة العالمية عام 2001. ويرى الخبراء أن نموها الاقتصادي السريع عائد إلى الصادرات، وهي تصدر بالدرجة الأولى إلى جيرانها في اليابان وكوريا. ولكن صادراتها بلغت الآن بلاد الاتحاد الأوروبي بل وحتى الولايات المتحدة الأميركية. وأهم هذه الصادرات هي الجرارات والساعات والألعاب للأطفال (85% من السوق العالمية).
ولكنها تصدر أيضا آلات التصوير والحاسب الإلكتروني المحمول بكثرة (55% من السوق العالمية). ثم يردف المؤلفون قائلين بما معناه: إن هذه الزيادة الضخمة في الصادرات ناتجة عن الشركات الأجنبية بالدرجة الأولى. وهي موجودة بكثرة في المدن الصينية الأساسية. ويمكن القول بأن الصادرات الناتجة عن شركات صينية مئة% لا تتجاوز 40% من مجمل صادرات الصين إلى الخارج.
وبالتالي ف60% ناتج عن الشركات الأجنبية التي جاءت إلى الصين واستقرت فيها. لقد جاءت من أوروبا والولايات المتحدة واليابان، الخ. ولكن لماذا جاءت بمثل هذه الكثرة؟ لأن اليد العاملة في الصين متوافرة بكثرة بسبب عدد السكان الضخم ولأنها رخيصة جدا بالقياس إلى ما يتقاضاه العامل الأميركي أو الأوروبي أو الياباني.
يضاف إلى ذلك أن العامل الصيني شديد الطواعية ولا ينظم الإضرابات ضد الرأسماليين كما يفعل العمال في أوروبا مثلا. ولا توجد نقابات عمالية هناك لأن الحزب الشيوعي الصيني الحاكم يمنعها. وبالتالي فالرأسمالي يفعل ما يشاء في بلاد ماو تسي تونغ والحزب الشيوعي!! إنه يشعر بالسعادة الكبيرة لأنه نقل شركته إلى هناك حيث لا معارضة ولا احتجاج ولا من يحزنون. نعم إن الرأسمالي الغربي فرح جدا بالعامل الصيني الذي يقبل بشروطه دون أن يرفّ له جفن.
ولكن الصين ليست فقط بلدا صناعيا وإنما هي أيضا بلد زراعي من الدرجة الأولى. ولا تزال الزراعة تشكل حتى الآن 15% من المنتج الداخلي. وفيها يشتغل ما لا يقل عن 40% من سكان الصين. فالصين كانت زراعية أساسا قبل أن تصبح صناعية مؤخرا. ولذلك فإن ما لا يقل عن ثمانمئة مليون نسمة، أي ثلثي السكان، لا يزالون يعيشون في الأرياف كمزارعين.
ومنذ خمسة آلاف سنة وزراعة الرز معروفة في الصين. ومعلوم أنه يشكل المادة الغذائية الأولى بالنسبة للإنسان الصيني. ولكن الزراعة الصينية بحاجة إلى تطوير وإلى استصلاح الأراضي الجديدة بشكل خاص. فهناك أراضي كثيرة لا تزال بائرة ولم تستصلح بعد وذلك على عكس البلدان المتطورة في أوروبا وأميركا. وبالتالي فمستقبل الصين أمامها ولا خلفها. إنها بلد جديد ناشئ على الرغم من كل شيء. ولكن عندما يستيقظ المارد الصيني فعلا فإن الغرب سوف يرتجف ويهتز.
*الكتاب: الصين : ما الذي يحتاجه العالم لكي يعرفه عن القوة العظمى الصاعدة
*الناشر: بوبليك افيرز - نيويورك 2007
*الصفحات: 206 صفحات من القطع الكبير
China: what the world needs to know about the emerging super power
Public Affairs - New York 2007
P .206